قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء العشرون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 00:50
المحور: الادب والفن     

عنون الكاتب فقرتين احتلتا ثمانية أسطر وصفحة كاملة بـ"النداء على إطفائي الحزب". نقف في هذا الموضع على صراع داخلي في حزب سياسي حول مطالب دستورية وسياسية جوهرية، مع تأكيد على وحدة الصف رغم الخلافات، وانتقاد للجهاز الحاكم وفقدان الثقة الشعبية فيه. كما يربط بين مطالب الحزب في فترة سابقة ومطالب حركة 20 فبراير 2011، مشيرًا إلى استمرار نفس المطالب السياسية والاجتماعية حتى اليوم.
عندما تصاعد المتدخلون المحتجون في المؤتمر الوطني اختفى الزعماء والقادة، وتم المناداة على "إطفائي الحزب" المرحوم محمد عابد الجابري، الذي حاول بلباقته واحترامه من جميع أجنحة الحزب تهدئة الأجواء وإطفاء "الحرائق" السياسية داخل المؤتمر. فقد حاول الجابري تهدئة المؤتمرين وأكد على وحدة الصف الحزبي، نافيا وجود انقسام بين اتحاد الداخل واتحاد الخارج، ومؤكدا أن آراء المناضلين في الخارج والمعتقلين مسموعة وسيتم أخذها بعين الاعتبار في القرارات والبيان الختامي. وكان الجابري هو صاغ البيان الختامي بالتعاون مع عبد الرحيم قبل الجلسة النهائية.
كان البيان قويًا وشجاعًا وواضحًا، ما أطفأ غضب المؤتمرين. وتضمنت ديباجته مطلبًا بتحويل نظام الحكم من "ملكية مخزنية" إلى "ملكية برلمانية دستورية". لم يكن هذا المطلب لم واردًا في تقرير عبد الرحيم بوعبيد. كما انتقد البيان الجهاز الحاكم الذي ظل ينكث العهود المتعلقة بنزاهة الانتخابات إلى ان فقدت الجماهير الثقة فيه بسبب تزوير الأصوات وإرادة الشعب. وأكد البيان أن الطبقات المستغلة توجه السلطة وتستغلها، كما توجه الاقتصاد وتستغله، مشيرا إلى أن الحياد الإداري مستحيل في ظل أوضاع تشجع الاستغلال والانتهازية.
وكانت أهم مطالب البيان الدستورية والسياسية مراجعة شاملة لدستور 1972، تحويل نظام الحكم من ملكية رئاسية مخزنية إلى ملكية برلمانية دستورية ديمقراطية. وشدد البيان على أنه يجب على الحكومة وأجهزة التسيير والتنفيذ أن تتحمل مسؤوليتها كاملة أمام ممثلي الشعب الحقيقيين على أن يتولى الملك رئاسة الدولة كحكم فوق الأحزاب والطبقات.
نفى ولعلو اقتناع الكاتب الأول بالمطالبة بالملكية البرلمانية، معتبرا أن العبارة أُطلقت في البيان الختامي كنوع من "التجريب" دون أن يكون عبد الرحيم وراءها فعليًا.
وأكد الكاتب في الأخير أن مطالب الحزب في ذلك الوقت هي نفسها التي طرحتها جماهير حركة 20 فبراير التي حاولت الأحزاب والنقابات خنق مطالبهت، بما في ذلك جماعة العدل والإحسان التي انسحبت من دعم الحركة في اللحظة الأخيرة؛ لأن النتائج المتوقعة من الحركة لم تكن لصالح هذه الجماعات. وخاص سي باحدو إلى أن مطالب الأمس لا تزال هي مطالب اليوم.
في السطر الرابع من الصفحة (337)، نصادف هذه العبارة التي يعتورها التكرار: "(...) تزور أصواتها وتزور إرادتها". استغربت حقا: كيف غاب عن معلم مارس التحرير لفائدة جريدة واسعة الانتشار أن يكتفي بكتابة "تزور" مرة واحدة تفاديا للتكرار؟
في بداية الفقرة الثانية من نفس الصفحة، يورد الكاتب نصا مقتطعا من مذكرات فتح الله ولعلو بعنوان "زمن مغربي"، لكن طريقة استغلال ذلك النص معيبة لكون باحدو لم يحسن التصرف فيه. ولمزيد من التوضيح، أقول إن الكاتب بدأ الفقرة بهذه الجملة: "ينفي فتح الله ولعلو" مردفا إياها مباشرة بنقطتي تفسير كان في غنى عنهما تماما. ومن أجل التقويم، أقترح إعادة كتابة تلك الفقرة على النحو التالي: ينفي فتح الله ولعلو اقتناع الكاتب الأول بالمطالبة بالملكية البرلمانية، حيث قال في مذكراته: "أطلقت هذه الكلمة في البيان الختامي: التفتُ لرؤية وجه عبد الرحيم فوجدته دون لون، عاديا، فهمتُ أنه ترك العبارة تُعلن حتى يجعل منها طعما للتجريب دون أن يكون هو وراءها".
من خلال الصفحة (338)، ندرك أن المؤتمر الثالث كان منعطفاً حاسماً في تاريخ الحزب، حيث شهد تدخل الشرطة في تعديل بيان المؤتمر، وفرض تغيرات في قيادة الحزب، وبداية انشقاقات داخله أدت إلى تحولات سياسية. ويصف الكاتب أحداث المؤتمر الثالث لحزب الاتحاد الاشتراكي، حيث عادت الوفود إلى مدنها وقراها مطمئنة بانتصار مواقفها التي أكدها البيان الختامي للمؤتمر.
هذا البيان حافظ على روح مقررات المؤتمر الاستثنائي، وربط بين التحرير والديمقراطية والاشتراكية، ودعا إلى مراجعة الدستور، تشكيل حكومة مسؤولة، وإصدار عفو عام.
كانت الاستعلامات العامة على علم بمضمون البيان الذي تلاه المؤتمر، فحاصرت مقر الجريدة والمطبعة. أخذت الشرطة عنوة عضواً من هيئة تحرير الجريدة لخداع حارس المطبعة وفتح الباب للبوليس، ليقتحموا المطبعة وأبلغوا عمر الجابري، منسق الصفحة الأولى التي تحتوي على بيان المؤتمر، بأن لديهم تعليمات من الرباط بعدم السماح بنشر البيان بصيغته الأصلية.
رغم اعتراض الجابري، صدر البيان بدون ديباجته، وحذفت الفقرة التي تنص على أن الحزب لن يستظل بالمظلة المخزنية. وهكذا تدخلت الشرطة لتتم صياغة البيان بشكل لا يحرج بعض القيادات التي كانت تستفيد من المظلة المخزنية.
ومن النتائج التي أفضى إليها المؤتمر أن عبد الرحمن اليوسفي أصبح عضواً في المكتب السياسي، ما يعني تخليه عن خط "الاختيار الثوري" لصالح رفيقه البصري الذي تم إقصاؤه. وأصبح اليوسفي الممثل الوحيد للاتحاديين في الخارج.
كان المؤتمر محطة رئيسة لانفصال عربات قطار الاتحاد، وبقيت القاطرة التي قادها المكتب السياسي نحو دار المخزن. كما شكل الأرضية التي زرعت بذور الانشقاق الذي حدث في الاتحاد يوم 8 ماي 1983.
طيلة الصفحة (339)، عرض سي باحدو نقدًا حادًا لواقع الحزب السياسي الذي رفع شعار الديمقراطية في مواجهة الحكم، لكن ظهر في الممارسة الداخلية أن هذا الشعار مجرد واجهة فارغة من المضمون الحقيقي. وتبين للكاتب أن لجنة الترشيحات في الحزب مثلت الفصائل أو القبائل داخل الحزب، وأن اختيار أعضاء الأجهزة القيادية تم عبر مساومات وترضيات وعطاءات، مما أدي إلى إقصاء الكفاءات وتغليب الفئوية والقبلية على عملية اختيار القيادات، مما أدي إلى إقصاء الكفاءات المستقلة وتدهور مكانة الحزب السياسية بسبب الانتهازية والفساد الداخلي. هذا الواقع خلق بيئة حزبية غير صحية تعيق الإصلاح والتقدم.
(يتبع)