قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو الجزء (الخامس عشر)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 02:52
المحور: الادب والفن     

في الحيز المحصور بين الصفحة (323 و327)، يصادف القارئ شهادة حية على تجارب سياسية ونقابية في المغرب والعالم العربي، عبر شخصيات بارزة مثل الهاشمي بناني والطيب بناني، ويقف على التحديات التي واجهها النشطاء في تلك الحقبة، مع دروس مستفادة حول أهمية العلم، النبل، والحكمة في العمل السياسي والنقابي. كما يلمس القارئ تعقيدات السياسة العربية في مواجهة التحولات الكبرى مثل الثورة الإيرانية.
قدم الكاتب الهاشمي بناني كشخصية سياسية ونقابية بارزة في المغرب والعالم العربي. كان، قيد حياته، رئيسًا لمنظمة اتحاد العمال العرب، وأحد مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وقائدا في الاتحاد المغربي للشغل، وصديقا مقربا للمهدي بنبركة. شغل منصب رئيس بلدية الرباط عام 1961. كما أنه كان معروفا بنبله وشهامته حتى مع من كان يعارضونه سياسياً.
وتحدث المؤلف عن تجربته في بغداد مع الهاشمي بناني الذي التقى به عندما سافر إلى بغداد لتغطية أحد المؤتمرات.استقبله بناني بحرارة وقدم له مكانة مميزة بين رؤساء الوفود. أعطاه مكافأة مالية قدرها 1200 دولار من ميزانية المؤتمر، رغم أنه كان من المعارضين له في الاتحاد المغربي للشغل. هذا التصرف يعكس شخصية بناني النبيلة وجانبا من المفارقات السياسية.
كان الطيب بناني، الرئيس السابق للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، مثالاً للذكاء والإخلاص والتواضع. نصح المؤلف بالعودة إلى الدراسة والتحصيل العلمي والحصول على شهادات عليا قبل الانخراط في السياسة، معتبرا السياسة علمًا وحرفة وليست مجرد نضال أو تضحية.
كما تحدث بناني عن تجاربه في الجزائر وليبيا، وانتقاده لسلوكيات بعض أعضاء الحزب والمقاومين. وأشار إلى أن دور الحزب أصبح يقتصر على الوساطة والسمسرة، مما جعله يرفض المرور عبر الوسطاء.
بعد عودته إلى المغرب، كرّس حياته للعلم والتعليم والإشراف على مؤسسات عليا.
تابع المؤلف نشاطه النقابي والسياسي رغم الصراعات داخل الحزب. وبقيت نصيحة الطيب بناني تؤثر فيه وتوجهه في مسيرته. تعرض لضغوط داخل الحزب، لكنه استمر في مواجهة الجناح اليميني.
وبحكم عمله الصحفي، تابع عبد الجليل باحدو الثورة الإيرانية بحماس، حيث كانت تمثل بديلاً للأحلام القومية العربية التي انهارت بعد هزيمة 1967.
كان الرأي العام المغربي يدعم الثورة الإيرانية.
لكن المكتب السياسي للحزب كان متحفظًا، واعتبر أن الحماس المفرط لتغطية الثورة غير ضروري بسبب الاختلاف الطائفي (شيعة مقابل سنة). أشار المسؤول حسن الغلوي إلى أن الثورة لن تجلب الخير للشعب الإيراني أو الشعوب العربية، في حين رد عليه سي باحدو بأن الحزب يعتبر نظام الشاه نظامًا عميلًا، ولهذا يدعم الثورة.
وشرح سي باحدو للمهدي العلوي أن إيران قلعة متقدمة في الشرق الأوسط لحماية مصالحها، وأنها الحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني، كما أن نظام الشاه نظام قمعي، يمارس الإرهاب ضد كل ما ومن هو تقدمي، وأضاف أنه إذا ما غير الحزب نظرته لنظام الشاه، وأصبح يعتبره نظاما تقدميا وديمقراطيا، فإنهم (أفراد طاقم الجريدة) سيغيرون خط التحرير في هذا الموضوع، أو يرحلون من هذا الحزب وجريدته... قبل أن يضيف المهدي العلوي أي كلمة تدخل حسن العلوي ليقول له: "وعلى كل حال، أمولاي المهدي، حنا ما تنخدو لا من إيران ولا من العراق ولا من فرنسا، نحن نكتب حسب قناعتنا وضمائرنا ونعكس الخط الذي رسمه الحزب"، فما كان من المهدي العلوي إلا أن نظر إليهما نظرة تحمل كثيرا من الدهشة والاستغراب والاستنكار، وانسحب في صمت.
من باب التحليل والتفسير، يمثل الهاشمي بناني نموذجًا للنضال السياسي والنقابي الذي يجمع بين النبل والوفاء رغم الخلافات السياسية. إنه يمثل صوت الحكمة والتوجيه العلمي في مواجهة السياسة العاطفية أو الانفعالية.
هكذا عاينا، طيلة هذه الفقرات، الصراعات الداخلية في الحركات السياسية المغربية والعربية خلال فترة السبعينيات، حيث كانت هناك تحولات كبيرة في الفكر السياسي والنقابي. ورأينا كيف أن التغطية الإعلامية للثورة الإيرانية عكست التوترات الطائفية والسياسية التي بدأت تظهر في المنطقة، مع اختلاف وجهات النظر بين النخب السياسية. وأبرز المؤلف أهمية العلم والتعليم كقاعدة صلبة لأي نشاط سياسي ناجح ومستدام.
في ما تبقى من الحيز المحدد أعلاه، تناول سي باحدو فترة تاريخية مرتبطة بالاتحاد الاشتراكي وحزب البعث الحاكم في العراق بقيادة صدام حسين، حيث بعد مؤتمر استثنائي، بدأ الاتحاد الاشتراكي يتلقى دعماً مالياً من العراق، مما أدى إلى دعم الحزب العراقي في حربه ضد إيران. يُذكر أن بعض المسؤولين في الحزب كانوا يتلقون أموالاً في "شنط" من العراق، ومن بينهم المهدي العلوي الذي حصل على امتياز تصدير سيارات بوجو الفرنسية إلى العراق مقابل نسبة من المبيعات.
حكى الكاتب عن تجربة شخصية في عام 1979 أثناء مهمة صحفية في العراق، حيث توقف في بيروت خلال الحرب الأهلية، ثم وصل إلى باريس مفلساً. تواصل مع المهدي العلوي الذي ساعده مالياً ووقف على ظروف عيشه المريحة، مما جعله يتمنى لو اختار المنفى السياسي بدلاً من العيش في شقة صغيرة في الدار البيضاء مع عائلته.
كما تحدث الكاتب عن انقسامات داخل هيئة تحرير الجريدة التي كان محمد عابد الجابري المسؤول الحقيقي عنها، حيث فرض رقابة على المقالات عبر عبد الله بوهلال. رغم الرقابة، كانت هناك مقالات تحمل مواقف محرجة للمكتب السياسي، مما أثار شكوكاً حول تواطؤ بوهلال. في النهاية، عاد المكتب السياسي ليطالب كل عضو بتحمل مسؤوليته، وانهارت سلطة الرقابة بعد شهر.
إثر ذلك، انقسمت هيئة التحرير إلى فريقين: فريق الوفاء لخط الشهيد عمر بنجلون، وفريق "المطيباتية" الموالين لليازغي والمراهنين على المسلسل الديمقراطي، بقيادة مصطفى القرشاوي ومحمد البريني.
وأشار سي باحدو إلى أن العاملين في صحيفة "المحرر" لم يكونوا صحافيين محترفين بل مناضلين حزبيين، بعضهم يعمل على سبيل التطوع، وبعضهم بأجر رمزي، والجريدة لم تكن منظمة بشكل احترافي. رغم ذلك، كانت تنتج محتوى صحافيا متنوعاً وكثيراً، مع فريق صغير لا يتجاوز عشرة أفراد بقيادة عمر بنجلون ومحمد عابد الجابري.
ما كتبه سي باحدو في هذا الشأن يعكس واقع الصحافة الحزبية في فترة حساسة من تاريخ المغرب والعراق، مع تسليط الضوء على الدعم المالي العراقي، الانقسامات الداخلية في الجريدة، والتحديات التي واجهها الصحافيون المناضلون في ظل رقابة الحزب السياسي. كما يقدم شهادة شخصية تعكس الصراعات والتناقضات بين الواقع السياسي والظروف الشخصية للصحافيين.
(يتبع)