قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الثامن عشر)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 02:49
المحور: الادب والفن     

أفرد الكاتب نصف صفحة وصفحتين كاملتين للحديث عن المؤتمر الوطني الثالث لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي انعقد عام 1978. كان محطة حاسمة كشفت عن عمق الأزمة التي يعاني منها الحزب بين قواعده والقيادة السياسية التي انحرفت عن أهداف الحزب الأصلية، خاصة في ظل القمع السياسي والتزوير الانتخابي الذي مارسه النظام المغربي.
كما أبرز المؤتمر انقساماً داخلياً حاداً حول المشاركة في النظام السياسي الرسمي، مع رفض واضح للخط الانتخابي الذي اعتُبر استسلاماً للمخزن وتخلياً عن الهوية النضالية الحقيقية للحزب.
قبل المؤتمر الاستثنائي بثلاث سنوات، شهد المغرب أحداثاً عديدة أبرزت استمرار النظام في سياسة ربح الوقت، تشتيت القوى السياسية، والقمع، حيث كان اغتيال عمر بنجلون أبرز تجليات هذا القمع. وبقيت النظام الملكي متمسكاً باستراتيجيته في قمع المعارضة، مع وعود كاذبة بإقرار الديمقراطية، مما أدى إلى إحباط واسع في قواعد الحزب.
انعقد المؤتمر في المعرض الدولي بالدار البيضاء، في غياب عمر بنجلون الذي تم تعويض حضوره بصورته وصورة المهدي بنبركة في قاعة المؤتمر.
ساد المؤتمر جو من التوتر والإحباط بسبب الطريقة التي قاد بها أعضاء المكتب السياسي المرحلة، ورهانهم على وعود النظام بالمشاركة في "المسلسل الديمقراطي" الذي لم ينتهِ. وقد شاب المشاركة في انتخابات 1976 الجماعية و1977 التشريعية التزوير، والقبول بالكوطا الانتخابية؛ الشيء الذي اعتُبر هزيمة للخط الانتخابي.
رفض بوعبيد ترشيحه في المحمدية، واختار مدينة أكادير ذات الرمزية الكبيرة بالنسبة للحزب. احتفل الناطقون بلسان أغلبية الحزب بهزيمة الخط الانتخابي الذي كان يعتبر المشاركة فيه تزكية للتزوير وتغييبا لهوية الحزب.
أصبح النضال من أجل المجالس البلدية والبرلمان هدفاً استراتيجياً للمكتب السياسي الذي أصبح خاضعاً للمخزن بعد صفقة 1974.
والأنكى من ذلك أن فتح الله لعلو اعتبر تزوير الانتخابات من قبل النظام سبباً في خلق مشاكل داخل الحزب، حيث دفع بعض الأعضاء إلى عدم الثقة في العمل داخل المؤسسات.
لكن ولعلو تجاهل فشل الرهان على ديمقراطية النظام، وبدلاً من ذلك شكك في موقف الأغلبية داخل الحزب التي تمسكت بمقررات المؤتمر الاستثنائي والتقرير الإيديولوجي، فوجه له الشقريني بالتالي ملامة على تحريف وتزوير التاريخ السياسي للحزب.
أقوى لحظة في أيام الثلاثة التي استغرقها المؤتمر كان بطلها أحد المتدخلين في المؤتمر، حيث جهر بما كان متداولاً في الحلقات المغلقة من اتهامات للقيادة بالتخاذل والتآمر مع النظام.
أشار إلى تواطؤ بعض أعضاء المكتب السياسي في تغييب عمر بنجلون، وأن اغتياله لم يلقَ رد فعل حزبياً مناسباً. وانتقد قبول الحزب بالانتخابات المزورة، وذكر مئات المناضلين في السجون والمعتقلات السرية. كما انتقد مشاركة الكاتب الأول في الحكومة، واعتبرها خيانة لمبادئ الحزب، واتهمه بالمشاركة في انقلاب مع أوفقير.
تدخل الشقريني خلق جدلاً واسعاً، حيث حاول عبد الرحيم بوعبيد إسكاته لكنه واصل نقده، مما أدى إلى إثارة نقاشات حادة داخل المؤتمر.
على سبيل الختم، أكتفي بإبداء ملاحظة عنت لي انطلاقا من هذه الجملة الواردة في الصفحة الأخيرة (334): "لكن الشقيرني واصل معزوفته". لا مؤاخذة عندي على سلامة هذه الجملة من الناحية التركيبية.
غالبا ما ترتبط عبارة "واصل معزوفته" بالموسيقى والأداء الفني، لكنها تحمل أيضًا دلالات أوسع في التشجيع على الاستمرارية والمثابرة في أي نشاط أو فعل، سواء كان حرفيًا أو مجازيًا. السياق الدقيق يعتمد على الموقف الذي تُقال فيه العبارة، سواء كان فنيًا، أدبيًا، أو حواريًا. غير أن الكاتب لو استعمل كلمة "مرافعة" بدل "معزوفة" لكان في وفاق مع السياق العام الذي انعقد فيه المؤتمر الوطني الثالث.
(يتبع)