قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الثاني والعشرون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 00:13
المحور: الادب والفن     

تحدث الكاتب في الصفحة (346) عن واقعة تقف دليلا على أن العنف المادي، بدون استبعاد أنواعه الأخرى، قد تسرب إلى العلاقات بين مناضلي الحزب الذين يعتبرون أنفسهم إخوانا. تمثلت هذه الواقعة في طبع العربي الشتوكي لصفعة حارة على خد أخيه في الحزب حسن بنعزو الذي قرر منذئذ الانسحاب بشكل نهائي فيما استمرت عائشة بلعربي مناضلة في صفوف الحزب إلى أن "تحملت باسمه مسؤوليات وطنية ودولية".
تحت عنوان "أحمد بنجلون ونجيب العوفي"، واصل المؤلف النبش في ذاكرته ليسترجع ذلك العشاء الذي جمعه في نهاية سنة 1975 بأحد مطاعم الرباط بذينك الرجلين المذكورين، اللذين خرج أولهما لتوه من السجن. التحق بهما كل من القاص إدريس الخوري والناقد نجيب العوفي الذي لم يتحزب.
وعندما طلب من العوفي إبداء رأيه في ما عرف بـ"المسلسل الديمقراطي"، رسم لوحة قاتمة عن عبد الرحيم بوعبيد، محددا معالمها في موالاته للمخزن وفرنسا، في إلغائه للتعويضات العائلية السخية التي منحتها فرنسا للموظفين، وفي كونه ممثلا للبرجوازية يستحيل عليه قيادة حزب ثوري. تفوه العوفي بكل ذلك رغم حضور أحمد بن جلون الذي كان يكن الاحترام لبوعبيد.
هنا مرة أخرى يكون للعنف الكلمة الفصل، إذ انهال بنجلون بصفعة مدوية على الناقد الأدبي الذي "كمدها" وانصرف في صمت. ابانت الأيام التوالي أن المصفوع لم يحقد على صافعه ولم يتشف منه عندما اعتقل قبل الانشقاق عن الحزب سنة 1883. وغير بعيد عن الصفع، يذكر الكاتب كيف تعرض إدريس لشكر عندما كان شابا للصفع على القفا بيد أحمد بنجلون. وبدلا من أن يستحضر سي باحدو كتابا للقاضي شهاب الدين أحمد التيفاشي، كان عليه أن يستنتج من سلوك أحمد بنجلون ما يدل على فاشيته.
كل الصفحات المحصورة بين (346) و(349) تتحدث عن سلوكات العنف التي اقترفها قياديون في حق المناضلين. فهذا مناضل يسمى محمدا من تطوان تعرض لصفعة من محمد جوهر اخيه في الحزب ومهنة التعليم. وهذا المهدي العلوي يذهب ضحية اعتداء من رفاقه أثناء انعقاد المؤتمر الخامس الحزب بالرباط عام 1989. وهذا عبد الهادي خيرات يسدد صفعة قوية لخالد السفياني أثناء المؤتمر الرابع المنعقد بالدار البيضاء سنة 1984.
كان على سي باحدو أن يتحدث عن استعمال العنف بين أعضاء الحزب السياسي كظاهرة سلبية تؤثر بشكل كبير على الحزب نفسه وعلى المجتمع ككل، وأن يكشف عن أبرز سلبيات استعمال العنف داخل الأحزاب. ومنها
تفكك الصفوف، حيث يؤدي العنف إلى انقسام الأعضاء إلى فصائل متناحرة، مما يضعف تماسك الحزب ويؤثر على قدرته على اتخاذ قرارات موحدة.
ومن تلك السلبيات فقدان الثقة، إذ يخلق العنف جواً من عدم الثقة بين الأعضاء، مما يعيق التعاون والعمل الجماعي. وهناك فقدان المصداقية؛ لأن العنف يضر بسمعة الحزب أمام الجمهور والناخبين، مما يقلل من جاذبيته ويؤثر على شعبيته.
من سلبيات السلوكات العنيفة بين أعضاء الحزب الواحد ظهور تغطية إعلامية سلبية، خاصة عندما تركز وسائل الإعلام غالباً على الصراعات والعنف، مما يبرز الجوانب السلبية ويشوه صورة الحزب. ومن سلبيات العنف في هذا المجال تعطيل العمل السياسي والتنظيمي كتوقف الأنشطة بما يستتبعه من تعطيل الاجتماعات والفعاليات الحزبية، وعرقلة تنفيذ البرامج والخطط، وإضعاف القيادة، علما بأن النزاعات العنيفة تضعف سلطة القيادة وتجعل من الصعب فرض النظام والانضباط.
وللعنف آثار نفسية واجتماعية على الأعضاء
الإجهاد والقلق، احيث تنتج عنه بيئة غير آمنة ترفع مستويات التوتر والقلق بين الأعضاء. ويكون العنف علامة غلى الانحراف السلوكي، فقد يؤدي إلى تصعيد النزاعات إلى مستويات أكثر خطورة، مثل الاعتداءات الجسدية أو التهديدات.
كما للعنف تأثير سلبي على المجتمع والديمقراطية. فهو يفضي إلى زرع ثقافة العنف بحيث ينتشر داخل الأحزاب قد يعكس نفسه على المجتمع، مما يضعف القيم الديمقراطية ويشجع على العنف السياسي.
ولا ينبغي أن ننكر أن العنف يعرقل التنمية السياسية، إذ يعيق الحوار البناء ويحول دون التوصل إلى حلول سلمية للنزاعات السياسية.
من ذلك كله، نخلص إلى أن استعمال العنف بين أعضاء الحزب له تأثيرات مدمرة على الوحدة الداخلية، صورة الحزب، سير العمل السياسي، الحالة النفسية للأعضاء، وعلى المجتمع ككل. لذلك، من الضروري تبني ثقافة الحوار والتفاهم والوسائل السلمية لحل الخلافات داخل الأحزاب السياسية لضمان استقرارها ونجاحها في تحقيق أهدافها.
(يتبع)