قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الثالث والعشرون)
أحمد رباص
الحوار المتمدن
-
العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 00:47
المحور:
الادب والفن
في السياق الخاص بمعضلة العنف المتداول بين أعضاء الحزب، نقل الكاتب ما حكاه الراحل محمد التانوتي، المداوم في النقابة، عما مارسه نوبير الأموي من عنف على أحمد جمايلي، الكاتب العام للنقابة الوطنية لمعامل السكر في المغرب، وهو في مكتب المعتدي عليه بعد أن لبى طلبا بالحضور موجها إليه من قبل المداوم. وقد سبق لسي باحدو أن أشار إلى محاولة الأموي خنق وقتل المرحوم عبد السلام الشقيرني.
ويحكي الكاتب، ضمن ما دونه في الصفحة (349) عن تلك الصفعة التي تلقاها، قيد حياته، عبد الرحمن العزوزي كأمين مال لكدش، من الأموي كرد فعل منه على إثارة العزوزي، في اجتماع للنقابة، مسألة العملة الصعبة وكيفية التعامل معها. كذلك يشهد الاتحادي مصطفى الشطاطبي بأن عبد القادر الزاير تلقى صفعة قوية من الأموي دون أن تصدر عنه نأمة توحي بالاحتجاج أو بالغضب، فكان جزاؤه على موقفه المذل أن جعله "الزعيم" نائبا له. وهكذا يتبين أن النقابي الكونفدرالي، إن أراد أن يكون قياديا، فعليه أن يتضمن رصيده "النضالي" مشاهد من الإهانة!!!
والآن، تعالوا معي إلى الصفحة (350) لنرى سويا كيف كان عبد الرحيم بوعبيد يؤدب مريديه. فعلى خلاف تلك الخصال الحميدة التي نسبها إليه عبد الواحد الراضي في مذكراته، نجده يسيئ الحديث عن وزير المالية في حكومة المعطي بوعبيد ويمارس العنف اللفظي في حق نائب برلماني اتحادي وأستاذ جامعي؛ وذلك في اجتماع عقده ببيته بسلا في غضون شهر ماي من سنة 1979.
في منتصف الصفحة (351)، يتحدث سي باحدو عن تأسيس كدش في 1978. لكن المثير في الفقرة الأولى ورود خطإ لغوي تجسد في عبارة "قوانينهما الأساسيين". وما دام الأمر يتعلق بالنقابة الوطنية للبريد والنقابة الوطنية للتعليم، فقد كان من اللازم على الكاتب أن يستعمل العبارة على نحو صحيح: "قانونيهما الأساسيين"، وحتى إن افترضنا أنه يمكن للنقابتين أن تعتمدا أكثر من قانونين أساسيين، كان من السليم كتابة العبارة هكذا: "قوانينهما الأساسية".
في الفقرة الموالية، أعاد سي باحدو التذكير بارتماء نقابة الاتحاد المغربي للشغل في أحضان المخزن لغاية الاستفادة من أعطياته وامتيازاته، فما كان من العمال إلا أن انتفضوا ضد هذا الخذلان من خلال تأسيس نقابات قطاعية بديلة؛ الشيء الذي مهد لبروز المركزية النقابية التي ترأسها الأموي في ظروف مشوبة بالغموض ومتسمة بالدوس على ما تحدد مسبقا من معايير ومواصفات للترشح لقيادة التنظيم النقابي. لم يحظ ترؤس الأموي للمركزية النقابية البديلة بالقبول من لدن عبد الرحيم بوعبيد. وقبل مواصلة قراءة الكتاب، أرى أنه من مسؤوليتي كقارئ أن أكشف عن خطإ آخر وقع فيه الكاتب رغم أنه كان معلما ومحررا صحافيا. هنا يكمن الخطأ: "(...) لا يقدر عليها البوزيدي وشناف مجتمعان.."، في حين أن عين الصواب هي: "(...) لا يقدر عليها البوزيدي وشناف مجتمعين..". والسبب في وقوع الكاتب في هذا الخطإ هو أنه نسي القاعدة النحوية الخاصة بالحال وإعرابه. وإذا عرفنا أن الحال يكون دائما منصوبا، فإنه إذا جاء مثنى تكون علامة نصبه ياء ساكنة.
كان الأموي كزعيم للنقابة الجديدة المعلن عن تأسيسها يوم 26 نونبر من نفس السنة مدينا للتيار الذي كان قائده أحمد بنجلون والذي استطاع التغلب على جناح اليازغي الذي كان يفضل البوزيدي على رأس كدش. ورغم الوعود الوردية والمتمنيات المتفائلة التي تضمنها التقرير التوجيهي للمؤتمر التأسيسي، أكدت الممارسة الفعلية صواب رأي بوعبيد في الأموي.
بمجرد طي الصفحة (354)، يطالعنا في صدارة الصفحة التي تليها هذا العنوان: "عبد السلام الشقيرني الوعي الشقي للأموي". هنا، يحدثنا سي باحدو عن العلاقة الوطيدة التي جمعت نوبير الأموي بعبد الكريم مطيع رغم اختلاف مرجعيتيهما الفكرية والثقافية. وحافظ الاثنان على علاقة ود واحترام بالشيخ عبد السلام ياسين. لكن عبد الشقيرني حافظ على مسافة كافية بينه والرجلين المذكورين، وتلك مسافة تأتت من شخصيته الحذرة خاصة وقد عاين كيف تم في فجر الاستقلال التنكيل بالمنتسبين إلى حزب الشورى على يد الاستقلاليين، وكيف أزهقت روح ثريا الشاوي، أول طيارة مغربية، على يد أحد رجال المقاومة.
في الصفحة (357)، تحدث الكاتب عن شخصية الشقيرني وعلاقته بصديقه الأموي، مع التركيز على الفروق بينهما في الشخصية والخلفية والنضال. كان الأول يرى أن حتى المرح لا يمكن أن يكون صحيحًا بدون أخلاق، فما بالك إذا تعلق الأمر بقضايا النضال والوطن؟ في حين كان الأموي شخصية معقدة، يظهر بمكر بدوي ويميل إلى التمويه بسلوك اجتماعي عفوي وساذج، مع إهمال مقصود في مظهره وتهور في قراراته واستبداد في تنفيذها، ونمط حياة فوضوي. كان يتعامل كشخصية بطريركية مع أفراد عائلته. هذا التمويه يخفي شخصيته الحقيقية المتعددة الأوجه، التي تشبه حالة سكيزوفرينيا.
قليلون هم أصدقاء الأموي الذين جرؤوا على مواجهته بحقيقته، لكن الشقيرني هو الوحيد الذي ملك الجرأة لكشف هذه الأقنعة والضغط عليه حتى يسقط. كلاهما ينتمي إلى أصول قروية مختلفة (بني هلال في الشاوية وبني سليم في الغرب)، وكلاهما انتقل من البادية إلى المدينة. الأموي استقر في الدار البيضاء والتحق بإحدى مدارس الحركة الوطنية، بينما الشقيرني ارتبط بالشبيبة الديمقراطية في فاس.
كلاهما اختار مهنة التعليم، والتقيا في بداية الستينيات في الرباط، حيث نشأت بينهما صداقة متقلبة مليئة بالتنافس أكثر من التآلف.
كان الشقيرني متمسك بإيمانه النضالي بقوة، بينما كان الأموي يحاول أن يتعلم كيف يكون مكيافيليًا وحاذقًا في التعامل مع قضايا النضال، متبنيًا أخلاق راعي غنم قروي حذر ومتشائم.
باختصار، عرض سي باحدو صراعًا بين شخصيتين قرويتين مختلفتين في طريقة تعاملهما مع النضال السياسي والاجتماعي، مع إبراز شخصية الشقيرني ككاشف عن زيف الأموي ومواجه له بحقيقته، بينما كان الأموي يحاول التكيف مع متطلبات المدينة والنضال بأسلوب مكيافيلي بدوي.
وقبل الانتقال إلى بقية الحديث عن هذه العلاقة بين ذينك الرجلين في الحلقة القادمة، أهتف في أذن سي باحدو لأقول له: إن المرض النفسي الذي ألمحت إليه في الصفحة (355) اسمه "سكيزوفرينيا" وليس "شيزوفرينيا".
(يتبع)