قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الرابع والعشرون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 04:49
المحور: الادب والفن     

في إطار مواصلة الحديث عن علاقة الأموي بالشقيرني، عرج الكاتب غلى دور التعليم والمعلمين في المغرب بعد الاستقلال، مع التركيز على شخصية محمد نوبير الأموي وعلاقته بالبيئة السياسية والاجتماعية. فخلال هذه الفترة من تاريخ مغربنا المعاصر، أصبح التعليم ومحاربة الأمية من أولويات السياسة الوطنية، باعتبارهما المدخل الأساسي للتنمية وملء الفراغ الإداري والنخبوي الذي خلفته الإدارة الفرنسية.
توسعت وظيفة المعلم حتى أصبح أكثر من مجرد مرب، بل قائدا اجتماعيًا وسياسيًا ونقابيًا. نتيجة ذلك تمثلت في أول انتفاضة شعبية بعد الاستقلال تجسدت يوم 23 مارس 1965، انطلاقا من المدارس والثانويات، مما يعكس الدور الرمزي والتأثيري للمعلم في المجتمع.
يضاف إلى ذلك موقف الملك الحسن الثاني من المعلمين، حيث عبر عن تبرمه من المعلمين واتهمهم في عدة خطابات بأنهم وراء الأحداث الشعبية المتكررة في المغرب؛ الشيء الذي عكس إدراك السلطة للدور السياسي والاجتماعي الكبير الذي قام به المعلمون.
هكذا أدرك محمد نوبير الأموي مبكرًا أهمية دور المعلم في المجتمع، وسعى لأن يكون مؤطرا لهم عبر دخوله سلك مفتشي التعليم الابتدائي.
هناك إشارات إلى أن الأموي لم يختر هذا المسار بمحض إرادته، بل ربما تم توجيهه أو دعمه من جهات معينة (وفقًا لما ذكره الشقيرني عن اختبارات الدخول التي أجراها الأموي في البيت مع أسئلة وأجوبة جاهزة).
كان الأموي يستخدم أساليب نضالية تعتمد على الخديعة والغدر، وكان معجبًا بمكر الخليفة معاوية بن أبي سفيان، الذي وظف الدين في السياسة بذكاء مكيافيلي.
وصف الشقيرني الأموي كشخص متعدد الوجوه، يتنكر تحت أقنعة مختلفة حسب المواقف والمكاسب. فهو وظف حتى أسماء أبنائه للتعبير عن مواقف سياسية مختلفة (محمد، معاوية، المهدي، غيفارا، سهام).
رغم سلوك الأموي السلبي تجاه أمه، كان الشقيرني يحتفظ ببابه مفتوحًا في وجهه، لكنه لم يكن يقبل ازدواجية الشخصية وعدم النزاهة.
في أواخر 1965، حدث موقف غريب حيث دخل الأموي فجأة على الشقيرني وصديقه محمد شوقي برفقة رجل عارٍ ملفوف بلحاف، وطلب منهما الاحتفاظ به حتى يجد له مخرجًا. كانت هذه الواقعة نقطة فاصلة في علاقة الصداقة بين الشقيرني والأموي، وأدت إلى تباعدهما. وقد أصر عمر بنجلون، المسؤول الوطني عن التنظيمات الحزبية، على فصل الأموي من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بسبب سلوكياته المشبوهة.
هذا، وقد عكست العلاقة الملتبسة بين الأموي وعبد الكريم مطيع (مفتشي التعليم) الصراعات السياسية والنقابية في تلك الفترة. كما فشلت محاولة مطيع السيطرة على النقابة الوطنية للتعليم بسبب "فيتو" عمر بنجلون الذي كان يشك في أهداف وسلوك الأموي.
ومجمل القول المدون في الصفحتين (356) و(357) أن سي باحدو رسم صورة معقدة عن دور التعليم والمعلمين في المغرب بعد الاستقلال، حيث كان المعلمون قادة اجتماعيين وسياسيين، مما جعلهم محورًا للصراعات السياسية والاجتماعية. وظهر محمد نوبير الأموي كشخصية مثيرة للجدل، تجمع بين الذكاء السياسي المكيافيلي والخداع، مما أدى إلى تباعده عن بعض أصدقائه ونفوذه في الأوساط النقابية والسياسية.
وعلى امتداد صفحة ونصف، حكى الكاتب ما رسخ في ذاكرته من صراع داخلي حاد في النقابة الوطنية للتعليم بين الأموي، الذي يمثل التنظيم القديم والسلطة، وعبد السلام الشقيرني، الذي يمثل الذاكرة النضالية والوعي النقابي الحقيقي. كان الصراع مليئًا بالمؤامرات، بالمناورات، وبالاشتباكات العنيفة، وانتهى بتحدٍ كبير للأموي من قبل جيل جديد من المناضلين الشباب، مما أدى إلى تحول تاريخي في الحركة النقابية المغربية.
في التفاصيل، كان الأموي يعرف جيدًا دوافع تصفية بنجلون، وكان ينتظر نهاية مأساوية لرجل يكن له حقدًا عميقًا. وظل عبد السلام الشقيرني، رغم وفاته، حيًا في ضمير الأموي، حيث كان الأخير يعاني من مشاكل نفسية وأرق وكوابيس، وربما كان اسمه يتردد في أحلام الأموي.
وكان الشقيرني يمثل الذاكرة الحية للنقابة الناشئة، ويجسد الوعي الصادق والمقاوم داخل التنظيم. فهو لم يكن ابدا في مراكز القيادة النقابية، بل كان من القواعد، لكنه كان مرجعًا تاريخيًا للمناضلين الشباب لفهم حقيقة الأحداث والنقاشات النقابية. في حين كان الأموي يدرك أن الشقيرني يمثل "ثغرة" في تنظيمه لكنه لم يستطع مواجهته مباشرة.
وقبل مؤتمر النقابة الوطنية للتعليم، حاول الأموي تخريب المؤتمر عبر إغراءات مالية ومنح مناصب وإثارة الشائعات لاختراق صفوف المنتفضين. لكن هذه المحاولات كلها باءت بالفشل، فطلب الأموي لقاءً مع الخلية الحزبية لتنسيق العمل النقابي في الرباط، التي كانت تمثل قيادة الانتفاضة النقابية. في الاجتماع، حدث اشتباك عنيف بين الأموي والشقيرني، حيث حاول الأموي خنق الشقيرني، لكن تدخل الحاضرين حال دون وقوع جريمة.
جاءت الانتخابات المحلية لمندوبي المؤتمر الوطني للنقابة الوطنية للتعليم لصالح المنتفضين الشباب، خصوصًا في الرباط. هذا الانتصار كان بمثابة تهديد لإمبراطورية الأموي ونفوذه.
في المقابل، أعلن الأموي عن إضراب وطني في نفس يوم انعقاد المؤتمر (20 يونيو 1981)، وهو اليوم الذي دخل فيه هذا الصراع إلى تاريخ المغرب المعاصر بلغة الرصاص فسالت دماء وأزهقت أرواح.
وقبل الانتقال إلى الحديث عن الانتفاضة التي سقط على إثرها ضحايا "الكوميرة" كما سماهم إدريس البصري رجل الحسن الثاني القوي، لا بد من تقويم أخطاء وارتباطات النص المقروء.
يقول سي باحدو: "في بداية الاستقلال، أصبح التعليم ومحاربة الأمية هما أولوية السياسة في المغرب باعتباره المدخل الرئيس للتنمية..". وحتى يستقيم التعبير، أقترح هذه الصيغة: "في بداية الاستقلال، أصبح التعليم ومحاربة الأمية أولوية السياسة في المغرب باعتبارهما المدخل الرئيس إلى التنمية.."و
كذلك نلمس ركاكة لا غبار عليها في هذا المقطع: "(...) سلوك يتعارض مع قيم الأسرة المغربية وأخلاق المناضلين فبالأحرى رجل في موقع قيادة لمنظمة يفترض فيها أن تقود التغيير". وحتى التعبير رائقا، اقترح الصيغة التالية: "(...) سلوك يتعارض مع قيم الأسرة المغربية وأخلاق المناضلين، خصوصا إذا بدر من رجل في موقع ....."
في حديثه عن تأثر الأموي بمعاوية، أستغرب من الكاتب تصديقه الأسطورة حمل القرآن على أسنة الرماح، غير مدرك أن صناعة المصحف في ذلك الوقت كانت مكلفة جدا من الناحية المادية وأن حجمه كان من الكبر بحيث يتعدر حمله فوق سن رمح.

(يتبع)