قراءة عاشقة وناقدة في كتاب كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الخامس والعشرون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 02:14
المحور: الادب والفن     

كتب عبد الجليل باحدو في الصفحتين (359) و(360) أن إضراب 20 يونيو 1981 كان حدثًا معقدًا جمع بين احتجاجات شعبية ضد رفع أسعار المواد الأساسية، وبين تحركات سياسية ونقابية ذات خلفيات متشابكة، حيث تشير الأدلة إلى وجود تنسيق بين الدولة وقيادة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل لتنفيذ الإضراب في توقيت محدد، مع أهداف سياسية داخلية تتعلق بالتحكم في المشهد النقابي والسياسي، مما أثار جدلاً واسعًا حول دوافع وأهداف هذا الإضراب.
ولم يهمل الكاتب الحديث عن خلفية الإضراب التي تضمنت، من بين أشياء أخرى، إعلان حكومة المعطي بوعبيد، يوم 28 ماي 1981، عن زيادة في أسعار المواد الأساسية مثل الدقيق والسكر والزبدة بنسبة تتراوح بين 14% و77%. جاء هذا القرار تحت ضغط صندوق النقد الدولي وبرنامج التقويم الهيكلي الذي فرض على المغرب، الذي كان يعاني من جفاف مستمر لمدة خمس سنوات ومن ديون تجاوزت 10 مليار دولار، بالإضافة إلى ارتفاع كبير في أسعار البترول.
أثار ذلك القرار الحكومي سخطًا واسعًا في الأوساط الشعبية واليسارية، وحتى في الأحزاب اليمينية. نتيجة لذلك، تراجعت الحكومة عن الزيادات بنسبة 50%، لكن المعارضة استمرت في المطالبة بإلغاء الزيادات بشكل كامل. هكذا أعلن الاتحاد المغربي للشغل عن إضراب عام نفذ يوم 18 يونيو 1981، دون أن تتخلله حوادث أو اضطرابات كبيرة، فيما قررت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تنفيذ إضراب عام يوم 20 يونيو 1981.
في إطار الجدل حول خلفيات وأهداف الإضراب، كشف مصطفى الشاطبي، أحد مسؤولي الكونفدرالية، في مقال له بعنوان "لغز إضراب 20 يونيو1981"، أن من أهداف الإضراب منع عقد مؤتمر النقابة الوطنية للتعليم الذي كان مقررًا في نفس اليوم، وذلك لتفادي إسقاط رموز قيادية في المركزية النقابية، مشيرا إلى وجود علامات استفهام حول اختيار يوم السبت لتنفيذ الإضراب بدلاً من أيام الأسبوع الأخرى.
كما أن هناك روايات موثوقة تشير إلى وجود تنسيق سري بين جهات مختلفة: فهذا وزير الداخلية الأسبق كان ينسج خيوطًا سرية مع وزير المالية وقائد نقابة الأموي، بالإضافة إلى الملك الحسن الثاني، الذي كان منشغلاً بالمفاوضات مع البنك الدولي حول إعادة الهيكلة المالية وسحب دعم المواد الغذائية الأساسية.
أما نوبير الأموي، الأمين العام للكونفدرالية، فقد وضع نفسه رهن إشارة السلطة لتنفيذ الإضراب في توقيت محدد بدقة (الساعة السابعة صباحًا). وعبر اليازغي، الكاتب الأول السابق للاتحاد الاشتراكي، عن موقف حزبه عندما أكد أن الإضراب لم يكن قرارًا ديمقراطيًا من العمال أو الحزب، بل كان قرارًا من الكونفدرالية فقط، دون استشارة أو تنسيق مع الاتحاد الاشتراكي أو مع مكونات أخرى، وأن الحكومة والسلطة لم تتواصل مع الحزب بشأن الإضراب.
على مدى صفحتين ونصف (361، 362، 363)، كشف الكاتب عن تعقيدات سياسية وأمنية خلف إضراب 20 يونيو 1981 في المغرب، حيث تداخلت مصالح النظام، الحزب، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، مع غموض وتواطؤات خلف الكواليس. تحول الإضراب إلى أزمة دامية مع سقوط عدد كبير من الضحايا وأعمال عنف ونهب، في ظل محاولة وزارة الداخلية بقيادة إدريس البصري السيطرة على الوضع بالقوة، لكن دون نجاح كامل. كما تبرز تلك الفقرات تناقضات في مواقف الأحزاب ووسائل الإعلام الرسمية تجاه الإضراب.
فتحت عنوان "اللعب وراء ظهر عبد الرحيم بوعبيد"، تحدث سي باحدو عن أحداث إضراب 20 يونيو 1981 في المغرب، موضحا خلفياته وتورط الأطراف.
كان أعضاء المكتب السياسي المرتبطون بدوائر النظام على علم بخلفيات قرار الإضراب وتواطؤ الكاتب العام لكدش مع وزارة الداخلية. في هذا الخضم، شعر عبد الرحيم بوعبيدبالغموض والتوتر السياسي بسبب ما يجري خلف ظهره، خاصة بعد تراجع الحكومة عن بعض الزيادات.
لم يؤيد الحزب سياسة القصر في ملف الصحراء، خصوصاً موضوع الاستفتاء، مما اعتبره الملك خروجاً عن "الإجماع الوطني". ولم تشارك جريدة "المحرر" بقيادة اليازغي في التعبئة للإضراب، بل اكتفت بنشر بيانات الكونفدرالية.
في علاقة بموقف الاتحاد الاشتراكي والحزب، أشار الكاتب إلى أن قيادته حاولت اللحاق بقطار الإضراب في اللحظات الأخيرة، معتمدة على أجواء التذمر الشعبي. لكن عبد الواحد الراضي ادعى في مذكراته أن الاتحاد الاشتراكي دعم التعبئة، مع أن مراجعة جريدة "المحرر" كفيلة بنفي هذا الادعاء واعتباره افتراء. من جهته، أكد فتح الله ولعلو ان أن الإضراب كان جزءاً من ثقافة وتوجه داخل الحزب.
وعن أحداث الإضراب وتداعياته، قال سي باحدو إنه نفذ وسقط عدد كبير من الضحايا الأبرياء برصاص الأمن، مع انفلات الوضع وخروجه عن السيطرة. وشهدت مدينة الدار البيضاء، التي يبلغ عدد سكانها 3.2 مليون نسمة، يعيش ربعهم في فقر مدقع، أعمال عنف ونهب واسعة. وفق الرواية الرسمية، بلغ عدد القتلى 66، بينما تحدثت تقارير حقوقية عن 600 إلى 1000 قتيل. وتضمنت حصيلة الخسائر المادية نهب محطات بنزين، صيدليات، مصانع، وكالات بنكية، وإحراق سيارات وحافلات نقل عمومية.
في القسم الثاني من هذا الحيز، تحدث الكاتب عن دور وزارة الداخلية ورئيسها. فقد وصل الأخير إلى الدار البيضاء منتصف الليل، وأشرف على دفن الضحايا في مقبرة جماعية. وأمر بتوسيع الحفرة الجماعية ورمي الجثث بسرعة لتسوية الأرض.
في اجتماع حكومي بعد الأحداث، أشار عبد الواحد الراضي إلى أن البصري كان يبحث عن "الصكع" (المقصود هو الأموي) لتبرير الأحداث، لكنه لم يجده. وحتى إن وجده، فقد كانت الأحداث خرجت عن السيطرة، والشارع أفشل كل المخططات الأمنية والسياسية.
ونظرا لتعامل الكاتب بنوع من العشوائية مع علامات الترقيم، أدعوه إلى أن يعلم أنها تلعب دورًا حيويًا وأساسيًا في بناء النصوص، سواء كانت نصوصًا أدبية، علمية، أو حتى نصوصًا يومية. فهي ليست مجرد رموز تُضاف إلى الكلمات، بل هي أدوات تنظيمية تساعد على توضيح المعنى، تسهيل القراءة، وتحسين التواصل. ورغم هذه الأهمية التي تكتسيها علامات الترقيم، وبسبب سوء استعمالها، لا يعرف القارئ متى تبدأ الجملة ومتى تنتهي؛ لأن الغلبة الفاصلة في جميع الأحوال.
ويضاف إلى هذا الخلل أمور سلبية أخرى؛ منها أن الكاتب يدمج في كثير من الأحيان في النص الموضوع بين مزدوجتين الحروف التي تستعمل عادة للتمهيد للنص المستشهد به الذي نعرف اين ينتهي ولا نعرف من أين يبدأ بسبب نسيان وضع المزدوجتين في البداية.
خلال عرض حصيلة الضحايا والخسائر المادية المترتبة عن إضراب يونيو 1981، قال الكاتب: "تحدثت تقارير الجمعيات الحقوقية عن ما بين 600 و1000 (قتيلا). ونهب سبع محطات بنزين واثنتي عشر (12) صيدلية...". ها أنتم تلاحظون أن النقطة التي تتوسط هذه العبارة أخلت بالمعنى وتسببت في ركاكة التعبير. من أجل معالجة هذا الخلل، اقترح إعادة كتابة العبارة على النحو التالي: "تحدثت تقارير الجمعيات الحقوقية عن مقتل ما بين 600 و1000 مواطنا، وعن نهب سبع (7) محطات بنزين واثنتي عشر (12) صيدلية..."
(يتبع)