قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الثاني والثلاثون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 01:44
المحور: الادب والفن     

في إطار العنوان الفرعي الثالث: "افتراس صديق" يحكي سي باحدو قصة حدثت في عشاء عند السيد محمد أبو ميزر، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية، حيث حضر مجموعة من الشخصيات الفلسطينية والعربية البارزة، بينهم أعضاء من قيادة فتح، وشخصيات أدبية وصحفية مثل سلوى النعيمي وعالية ممدوح. دار الحديث في العشاء حول أوضاع العالم العربي والقضية الفلسطينية والإنتاجات الأدبية الحديثة.
في هذا السياق، تم التطرق إلى شخصية صديق طفولة الكاتب، وهو شخص متعدد الوجوه والولاءات، يتنقل بين الانتماءات السياسية المختلفة (اشتراكي، شيوعي، بعثي، وطني) حسب المصلحة، ويُتهم بالانتهازية والتملق، مع قدرة عالية على التوفيق بين المراكز الثقافية والمهرجانات في عدة عواصم عربية وعالمية.
لم يشارك باهي محمد في الاحتفالية ولم يتحدث عن تاريخ الصديق النضالي، رغم معرفته بأسرار كثيرة عن مجتمع الصحافيين والأدباء والسياسيين في باريس والعواصم العربية، وكان مسؤولاً عن مكتب الإعلام العراقي في باريس، وله مكانة خاصة عند قادة حزب البعث في بغداد. في جلسة خاصة، انتقد باهي النظام العراقي وصدام حسين، مما أدى إلى استدعائه إلى بغداد، ونصحه أصدقاؤه بعدم الذهاب خوفاً على حياته. رغم ذلك، واثل حياته وعلاقاته بشكل عاد.
في نهاية العشاء، كشف الفقيه البصري أن الكاتب عبد الجليل صديق حميم للشخص الحربائي، مما أثار دهشة الحضور، لكن سي باحدو طمأن الجميع بأنه لن يفصح عن أي أسرار. استمرت علاقة الكاتب بصديقه عادية حتى وفاة الأخير، مع حفاظه على أسراره وعدم إفشائها.
كان العشاء مناسبة جمعت شخصيات فلسطينية وعربية ثقافية وسياسية. ظهر صديق الكاتب شخصية معقدة متعددة الولاءات والانتماءات السياسية، تنتهج الانتهازية. فيما كان باهي محمد على دراية بأسرار كثيرة لكنه لم يشارك في الاحتفالية. إلا أنه تعرض تعرض لمخاطر بسبب انتقاده للنظام العراقي. ومن خلال تفاصيل هذه الفقرات، يأخذ القارئ فكرة عن باريس كعاصمة للأسرار والمؤامرات السياسية والثقافية.
بعد تلخيص المضمون الذي أطره العنوان الفرعي الثالث، أنتقل إلى تسجيل بعض الملاحظات. في السطر الأول من الصفحة (404) يقول باحدو: " في الصباح وجد (باهي) على مكتبه فاكسا..." ونظرا لأن بعض علماء اللغة يرون أن إخضاع الكلمات الأجنبية لقواعد النحو العربي لا يستقيم في أغلب الأحوال، كان على الكاتب أن يستعمل كلمة "فاكس" دون إعراب واضح مع الاكتفاء لوضعها بين مزدوجتين. ويجوز إخضاع الكلمات الأجنبية لقواعد النحو العربي إذا تم تعريبها أو تعديلها لتتناسب مع النظام العربي، أما الكلمات الأجنبية التي تُستخدم كما هي فقد تُعامل كأسماء أعجمية تُترك بدون إعراب.
في الفقرة الثالثة من نفس الصفحة، نقرأ: "بعد العشاء، ولحظة توديع بعضنا البعض، قال الفقيه البصري، نسيت أن أخبركم أن الاستاذ عبد الجليل صديق حميم للفريسة وهو ابن مدينته". سوف أعيد صياغة هذه الجملة بدون تعليق: "قال الفقيه البصري: نسيت أن أخبركم بأن الأستاذ عبد الجليل صديق حميم الغريسة وهو ابن مدينته". نفس الشيء يمكن القيام به في هذه الجملة الواردة في الفقرة الثانية من الصفحة 409: "عندما يتجرأ أحد أصدقائه للتساؤل عن هذه التصرفات يتمترس في خندق الوطنية، أنا لست إلا مغربيا". "عندما يتجرأ أحد أصدقائه على التساؤل عن هذه التصرفات، يتمترس في خندق الوطنية، قائلا: ما أنا إلا مغربي". وفي الحقيقة، يغص الكتاب، من ألفه إلى يائه، بحالات شاذة مماثلة تقتضي مراجعة شاملة.
تحت عنوان مستقل آخر، نقرأ أنه في بداية عام 1995، وبعد غياب دام سنة ونصف، عاد عبد الرحمن اليوسفي إلى المغرب لكنه لم يمارس مهامه ككاتب أول للحزب حتى ماي 1995. خلال هذه الفترة، أخبر الكاتب عن قرب عودة الفقيه محمد البصري إلى المغرب، وطلب منه إعداد عدد خاص من مجلة "السؤال" للاحتفال بهذه العودة، وقدم له دعماً مالياً.
عاد الفقيه محمد البصري إلى المغرب يوم 10 يونيو 1995، وكان اليوسفي هو المسؤول عن تنظيم هذه العودة، حيث حضر آلاف المناضلين من كل فج عميق إلى مطار النواصر للاحتفال بها. تمثلت المفاجأة في نزول الفقيه ببيت المحامي نجيب الحسين بحي الألفة، الذي كان حديث عهد بالحزب وذا سمعة سيئة على المستوى المهني، مما أثار جدلاً وانتقادات.
غاب بعض القادة مثل محمد اليازغي ومصطفى القرشاوي عن حفل الاستقبال، مما أثار تساؤلات حول دور اليوسفي في هذه العودة.
بعد العودة، استقر الفقيه في فيلا قرب شاطئ "عين الذياب"، حيث وفرت له شركة توزيع الصحف "سابرس" سيارة بسائقها، كما تولى محمد الثانوني تنظيم أمنه وحراسته الشخصية. استقبل الفقيه العديد من الوفود من مناضلي الحزب وقدامى المقاومة، الذين قدموا التهاني وألقوا كلمات بالمناسبة.
رغم هذه العودة، لم تكن تحركات الفقيه تهدف إلى تعزيز التنظيم الحزبي أو التبشير بخط سياسي ثوري، بل كانت أكثر اجتماعية، حيث كان يفضل اللقاءات والدردشات في العشاءات، وهو ما يعكس طابع الفقهاء عموماً.
هكذا يجد القارئ نفسه أمام أهم الأحداث والتفاصيل المتعلقة بعودة الفقيه محمد البصري إلى المغرب ودور عبد الرحمن اليوسفي في تنظيم هذه العودة، بالإضافة إلى الأجواء السياسية والاجتماعية المحيطة بها.
(يتبع)