قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الواحد و الثلاثون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 08:26
المحور: الادب والفن     

عند الوصول إلى الصفحة (405)، نصادف عنوان "من مارس 1995 إلى 6 شتنبر 1996" وهو يؤطر 22 فقرة موزعة بين كبيرة الحجم ومتوسطته وصغيرته. كما نجد أن هذه الفقرات انقسمت إلى أربع أجزاء كل واحد منها جاء تحت عنوان فرعي.
بالنسبة إلى المجموعة الأولى، تمثل عنوانها الفرعي في كلمتين تشكلان شبه جملة من المضاف والمضاف إليه: "شرك باهي".
تمحورت مجموعة الفقرات السبعة حول تجربة شخصية وسياسية عميقة خاضها الكاتب مع عبد الرحمن اليوسفي ومحمد الفقيه البصري خلال فترة حساسة من تاريخ المغرب السياسي، خاصة في مرحلة ما بعد العفو الملكي (1978) وعودة المناضلين من المنفى. كان باحدو الذي لم يعد اتحاديا بالفعل شاهدًا على تحولات داخل حزب الاتحاد الاشتراكي، ومناورات التناوب التوافقي، مع تقييم دقيق لشخصيات اليوسفي والبصري ودورهما في تلك المرحلة
خاص الكاتب تجربة سياسية مع عبد الرحمن اليوسفي ومحمد الفقيه البصري، مدفوعًا بثقته في صداقة المرحوم محمد باهي.
تعرف على اليوسفي والبصري لأول مرة في بغداد عام 1978 خلال مؤتمر اتحاد العمال العرب، حيث قدمته لهما الأديبة خناثة بنونة.
اليوسفي استفاد من عفو ملكي في 1978 وعاد إلى المغرب عام 1980، مع وجود قاعدة خلفية في مدينة كان الفرنسية.
تعمقت العلاقة خلال أحداث يونيو 1981 التي غطّاها الكاتب إعلاميًا، لكن انقطعت بعد مغادرته الحزب والجريدة في نفس السنة.
في مارس 1995، طلب منه محمد باهي الحضور إلى باريس لأمر هام، حيث كان باهي شخصية مؤثرة وصديقًا موثوقًا. تكونت لديه آنذاك رؤية مؤداها أن حزب الاتحاد الاشتراكي مقبل على تحولات جذرية بعد العفو الملكي وعودة المناضلين من المنفى.
وكانت رؤيته تلك قائمة على تصحيح مسار الحزب عبر استراتيجية جديدة تقطع مع سياسة الانبطاح والتخاذل، وتعزيز اللحمة التنظيمية، واستعادة المناضلين والمثقفين، والقضاء على الفرقة والتشرذم.
ظل سي باحدو حاضرًا باستمرار مع اليوسفي والبصري خلال فترة المناورات استعدادًا لما أُطلق عليه "التناوب التوافقي". وتأكد من أن اليوسفي هو "المعلم" والبصري تابعه، وأن عودة البصري إلى المغرب كانت بضمان اليوسفي وتحت جناحه.
من للقاءات التي جرت آنئذ في باريس، ذلك الذي جمعهم على مائدة عشاء في مطعم L Entrecote حيث ناقشوا الخطط المستقبلية. وأتاحت تلك اللقاءات للكاتب معرفة عمق وسريرة الرجلين، وأخلاقهما وسلوكهما، واعتبرهما متكاملين في أدوارهما السياسية.
قبل الانتقال إلى العنوان الفرعي الثاني وما ورد تحته من تفاصيل، يجدر بنا الوقوف على خطإ تسرب سهوا إلى السطر الأخير من الفقرة السادسة أعلاه. وحتى يكون القارئ شهيدا على ما أقول، لا مناص من إيراد السطر الملغوم بالخطإ: "(..) والقضاء على الفرقة والتشرذم الذي شهده الحزب منذ المؤتمر الثالث". وهكذا يلاحظ القارئ أن اسم الموصول "الذي" والفعل الذي يتبعه لا يتطابقان مع الاسمين (= الفرقة والتشرذم)؛ لأنهما جاءا في صيغة المفرد وكأننا أمام اسم واحد، وبناء على هذه الملاحظة تعاد صياغة العبارة على الشكل التالي: "(...) والقضاء على الفرقة والتشرذم اللذين شهدهما الحزب منذ المؤتمر الثالث".
جاءت المجموعة الثانية من الفقرات التي نحن الآن بصدد قراءتها تحت عنوان: "عندما اقترح عبد الرحيم بوعبيد عمر لقيادة الحزب".
يشي العنوان بنشوب صراعات داخلية عميقة في قيادة الحزب بين عبد الرحيم بوعبيد، الفقيه البصري، وعمر بنجلون، مع خلفيات سياسية معقدة تشمل علاقات شخصية مع الملك الحسن الثاني، مواقف من العمل المسلح، وتباينات في الاستراتيجيات السياسية بين التواصل مع الحكم أو المواجهة الراديكالية. الفقيه البصري يظهر كشخصية مثيرة للجدل، متناقضة في مواقفه، ومثيرة للانقسامات داخل الحزب. عبد الرحيم بوعبيد، رغم الانتقادات، كان محورياً في المرحلة السياسية، مع دعم خاص من بعض القيادات رغم خلافاتهم.
يعترف الكاتب بأن الفقيه البصري، كسياسي محترف، أظهر معرفة دقيقة بتاريخ ومسار عبد الرحيم بوعبيد السياسي والمهني، مما أوحى بقدرات استخباراتية عالية. وخلال مشية على ضفة نهر السين بين "سان جرمان" و"نوييي"، تناولا وضعية الحزب، أخطاءه، وآفاق إعادة البناء والتصحيح. وكان عشاء في بيت محمد أبو ميزر، قائد منظمة "فتح" الفلسطينية وممثلها في أوروبا، مناسبة مواتية للنقاش السياسي.
في هذه المناسبة، انتقد البصري بوعبيد بحقد، مذكراً بمواقفه الموالية لفرنسا في مفاوضات إيكس ليبان، تأسيس الاتحاد، تقلده مناصب وزارية، ومعارضته للعمل المسلح في الصحراء، مشيرل إلى لقائه ومصافحته لشمعون بيريز، وزير الكيان الصهيوني، في لقاء بالبرتغال، وهو حدث غير مسبوق في تاريخ الاتحاد. كما ناقش باحدو مع البصري جمود الحزب، عدم حسم اختياراته الإيديولوجية والتنظيمية، وضع الإعلام والنقابة، وقضية الصحراء.
وأثار البصريقضية تغييب رسالته إلى المؤتمر الاستثنائي، رغم عدم تأييده للمؤتمر الذي تلت فيه رسالة صوتية لليوسفي.
وتشير مذكرات امبارك بودرقة إلى لقاء في باريس ديسمبر 1974 جمع عبد الرحيم بوعبيد، عبد الرحمن اليوسفي، والفقيه البصري، حيث تقرر عقد المؤتمر الاستثنائي دون ضم زعماء الحزب في الخارج. غير أن بوعبيد عبر عن عدم رغبته في قيادة الحزب واقترح عمر بنجلون لقيادته. فيما تمسك الفقيه البصري واليوسفي ببوعبيد كقائد للحزب، مع تحفظات على "تحليل تقاطع فيه الذاتي والموضوعي".
كانت علاقة بوعبيد الخاصة مع الملك الحسن الثاني، التي تعود لما قبل الاستقلال، عاملاً مهماً في تفضيله على عمر بنجلون، الذي كان يُعتبر أكثر صلابة وربما يؤدي إلى صراع مع الحكم. وهذا يعني أن المرحلة تتطلبت تعميق التواصل مع الحكم وليس الدخول في معارك راديكالية.
من جانبه، وصف عبد السلام الجبلي البصري بـ"الكذب والجنون وتلفيق الكلام والتعطش لجمع المال"، واتهمه بإثارة الشقاق وتوسيع الخلافات داخل الحزب والنقابة والمقاومة.
أما محمد آيت قدور العقل، المدبر لانقلاب 16 أغسطس 1972، فقد وصف البصري بأنه متناقض في مواقفه ويبرر المواقف المشوهة.
كان البصري ينتقد بوعبيد بسبب التبرؤ الرسمي للحزب من أحداث 3 مارس 1973، ويرى أنه كان يجب أن يشكل حكومة منفى ويقود المواجهة مع النظام. ورغم معرفته بالقيادة الجزائرية ودعمها المالي، لم يسع البصري لإنشاء حكومة منفى. هنا تساءل الكاتب حول ما إذا كان البصري يفتقر للثقة أو كان يفضل أن يختبئ وراء بوعبيد رغم انتقاده له.
لكن بوعبيد دافع عن البصري في محاكمة مناضلي القنيطرة 1973، مبرراً أفعاله بسبب القمع والعنف الذي تعرض له الحزب، وناشد المحكمة أن تأخذ في الاعتبار أن اليأس قد دفع بعض المتهمين للعمل المسلح.
(يتبع)