قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الثامن والعشرون)
أحمد رباص
الحوار المتمدن
-
العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 02:47
المحور:
الادب والفن
مباشرة بعد إغلاق جريدة "المحرر" بصفة غير قانونية يوم 21 يونيو 1981، زار الكاتب سفير العراق بالرباط الذي تضامن مع حزب الاتحاد الاشتراكي في هذا الإجراء التعسفي المعلق على شماعة الإضراب الوطني الذي دعت إليه كدش، ووعد باستعداد السفارة العراقية لصرف أجور الصحفيين وكافة العاملين في الجريدة.
أخبر سي باحدو إخوانه في الجريدة بمبادرة سفير العراق في المغرب، لكنه لم يعلم بما جرى بين الطرفين لاحقا، غير أنه اعترف بأن كل ما استفاده من الهبات والأعطيات الممنوحة من العراق للحزب والنقابة كليهما لم تتعد علب سجائر وزجاجات ويسكي. وفي الحقيقة، أقدر هذه الشجاعة الأدبية التي أبان عنها في هذا المقام. لكن تبين في ما بعد أن السلطات العراقية عبرت بلغة كلها سب وشتم عن استيائها من الحزب الذي لم يساند بلدها في حربه ضد إيران، رغم تسلمه منها ملايين الدولارات.
جاء كل ذلك مفصلا في الصفحة (390)، وفي التي تليها حدثتا الكاتب عن قرار النقابة الوطنية للتعليم بإنهاء تفرغه النقابي، ما أجبره آليا على العودة إلى القسم كأستاذ لمادة التربية الإسلامية في المدرسة الثانوية. بيد أن المعلومات التي ساقها هنا عن حذف الفلسفة من مناهج التعليم خاطئة تماما؛ لأني كنت من الطلبة الذين اكتووا بنار هذا التدبير الظلامي عندما اصطدموا لأول مرة بهذا المنع في خريف 1980، وليس في سنة 1979. ولولا ذلك العرق الذي ظل ينبض في جسد (أوطم) لما تم السماح لنا آنذاك بالتسجيل في السنة الأولى من الشعبة التي كانت تجمع بين الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، وكان على الطالب المنتقل إلى السنة الثانية اختيار تخصص واحد من تلك التخصصات الثلاثة ليجتاز في ما بعد ثلاث سنوات بنجاح قبل الحصول على الإجازة.
من الملاحظات العامة التي ظلت لحد الساعة مسكوتا عنها في هذه القراءة كوني مررت مرور الكرام على عشرات الصفحات التي تحدث فيهما الكاتب عن طفولته بمكناس لأنه لم يكن حينئذ اتحاديا. وللسبب الوجيه ذاته، استنكفت عن الإشارة إلى الصفحتين (394، 395) اللتين أفردهما سي باحدو لاستئنافه عمله التربوي.
في الصفحات الثلاثة (394، 395 و396)، يطالعنا في صدارتها عنوان "أريحية إدريس البصري". ندرك من ثنايا تفاصيله أن مناضلا متحدرا من مدينة آسفي وجد نفسه عاطلا عن العمل بسبب انخراطه في النضال، جاء عند الكاتب ليطلب منه التدخل لصالحه لدى رجل نافذ من أجل تشغيله. وافق سي باحدو على هذا الطلب واتجه صوب الأموي لنفس الغرض. لكن الأخير رفض معبرا عن موقفه بوصف المناضل المسفيوي بنعت غير لائق يستشف منه الخذلان ونكران الجميل.
لكن عندما توجه المناضل العاطل عن العمل إلى إدريس البصري بتوجيه من السكتاوي، تحقق مراده بتعيينه في نقابة الكدش بعد اتصال هاتفي باشره الوزير مع الأموي الذي لم يكن يرد له طلبا. وهكذا يتأكد لنا كيف كنا - نحن الاتحاديين المشكلين للقاعدة - ضحايا خدعة مارسها علينا دهاة الحزب الذين كانوا يوهموننا بأنهم قادة معارضون لنظام الحكم بشراسة، بينما هم في الحقيقة كانوا يبيعون مع دهاقنته ويشترون ونحن في دار غفلون.
تحت عنوان "من رئيس المجلس البلدي إلى باشا المدينة"، وعلى امتداد صفحتين (397، 398)، حدثنا سي باحدو عن نخبة مكناس وكيف أنها كانت تاريخياً مستقلة. لكن بعد الاستقلال، شهد الحقل السياسي المغربي تحولات كبيرة، حيث التحق شباب المدينة بالجامعة وانتموا إلى الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، متأثرين بقيم الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. كما ساهم دور المعلمين والنقابة الوطنية للتعليم (1966) في بروز شبكة من المناضلين الاتحاديين الذين آمنوا بمبادئ الحزب الإنسانية.
بفضل ذلك، برز مناضلون خاضوا معارك من أجل إرساء قواعد ديمقراطية حقيقية واحترام حقوق الإنسان. ورغم القمع والمضايقات، خاصة في أحداث مارس 1978، كسبوا ثقة المواطنين وفازوا في الانتخابات انطلاقا من سنة 1976. وتركت وزارة الداخلية انتخابات 1984 التشريعية في مكناس بدون تدخل لتكتشف الخريطة السياسية الحقيقية. فحصل الاتحاد الاشتراكي على أربعة مقاعد، منها دائرة المدينة التي فاز فيها المرحوم محمد الحوتي.
حاولت الإدارة تغيير النتيجة لصالح حزب آخر، لكن المواطنين حاصروا مقر البلدية واعتصموا دفاعاً عن نزاهة الانتخابات. اضطرت الإدارة للاعتراف بالنتيجة، وانتخب محمد الحوتي رئيساً للمجلس البلدي بأغلبية الأصوات.
لم ترض الإدارة بهزيمتها، فاقترحت على الحوتي التخلي عن رئاسة البلدية مقابل منصب باشا المدينة. قبل الحوتي العرض قبل أن يستشير عبد الرحيم بوعبيد الكاتب الأول للحزب الذي بارك له المهمة.
أكد الملك الحسن الثاني في كلمة التعيين على أن هذا هو أول تعيين لباشا ذي انتماءات سياسية واضحة، معتبراً أن هذا التوجه جديد ومرحب به. ورغم امتيازات المنصب، عاش الحوتي عزلة داخل الحزب والنقابة وحتى بين أصدقائه، حيث اعتبره البعض خائناً للمواطنين الذين وضعوا ثقتهم فيه باسم الاتحاد، فعانى الحوتي محنة الباشوية التي أضاعت سمعته ورصيد الاتحاد وشعبيته.
ساهم هذا السلوك في انحدار الحزب في مكناس، ولم يعد حزبا قويا في المدينة منذ ذلك الحين. وهكذا ثبت أن المخزن (السلطة) يفرض دائماً أن تكون كلمته هي العليا.
باختصار، يسرد لنا الكاتب في هذا الحيز من كتابه تاريخاً سياسياً مهماً في مكناس، مؤكدا على دور الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والمناضلين الاتحاديين في بناء ديمقراطية محلية، وكيف أن تدخلات السلطة والإدارة أضعفت هذا الحراك عبر تعيين محمد الحوتي باشا المدينة، مما أدى إلى عزلة الحوتي وتراجع شعبية الحزب في المدينة، وبان لنا بالتالي أن هناك صراعاً بين إرادة الشعب ومناضليه من جهة، وبين السلطة المركزية من جهة أخرى، مع تأكيد على أن السلطة كانت دائماً الأقدر على فرض إرادتها.
(يتبع)