اللكنة والطب النفسي التشخيصي- اسمها محمد 18-


لمى محمد
الحوار المتمدن - العدد: 6834 - 2021 / 3 / 7 - 22:31
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

“ البرتفاح” لا يصنع الأفراح.. بل يضيع سنوات من طريق حلمك.. لا علاقة لأي زارع في أحلامك.. ازرعها بنفسك.

إنّ من يسخرون من مقولة: “ كل شيء يحلّ بالحب.. بالمحبة.. بالتسامح وبالأمل” .. يشبهون من يسخرون من الطب النفسي.. و يصفون المريض النفسي بالمجنون…

هكذا قلت في نفسي عندما بدأت في كسب الناس هنا في الولايات المتحدة…
دخلت مجال الطب النفسي كطبيبة جلدية متمكنة، فلا مكان في العالم تصبح فيه أبرع في طب الجلد من مشفى الأمراض الجلدية و الزهرية الجامعي في دمشق…
لكني لم أرد يوماً أن أصبح طبيبة أمراض جلد، بل كان أحد الآراء القليلة جداً والتي اتخذتها بمشاركة آخرين..
مع تفوقي في طب الجلد وبراعتي فيه.. ومع قدرتي على تعديل شهادتي في أمريكا وممارستي لهذه المهنة الجميلة مجدداً.. ومع كمّ الخبرة الكبير الذي أخذته في تشخيص أمراض المناعة الذاتية خاصة والأمراض الباطنة بشكل عام.. فلا يمكن أن أقول أن اختيار طب الجلد كان -بأي شكل من الأشكال- قراراً صائباً.. بل على العكس تماماً.
لقد كان قراراً خاطئاً أن أنسى حلم الطب النفسي، و أساير الآخرين في مجال طب الجلد.. فقط لأن علاماتي ممتازة.. و الطب النفسي في سوريا في حاجة إلى تطوير، ويلمّ من قلت علاماته و معدلاته بينما طب الجلد يتفوق على نفسه..
كان قراراً خاطئاً كأن تخيط نصف برتقالة فوق نصف تفاحة و تقول هذه “برتفاحة”.. مميزة تذوقها…
كنت في ذلك الوقت في الرابعة و العشرين، ولم تكن الحياة أرتني معادن الناس بما يكفي، بل طلاء معادنهم.. وطلاء المعادن يسرق بريق الأحلام…
أردت أن أصبح طبيبة نفسيّة مذ كنت في الإعدادية.. أتذكر أنني كنت في سبب إقناع كثير زميلاتي في المدرسة بهذا الاختصاص وحتى دفع بعضهم إلى محيطه..
سحرني مجالٌ تسطيع معرفة الناس فيه كعوالم ساحرة.. ليس أبيض و أسود.. ككاتبة لطالما رأيت القصص بأدق تفاصيلها .. و تخيلت نوى الخير و أسباب الشر.. أما أن تصبح طبيباً نفسيّاً فشيء آخر..
الطبيب النفسي يعرف القصة كلها.. يحلل أسبابها.. وفوق ذلك يسهم في إخراج فلم حياتك معك.. يحاول قدر الإمكان تغيير الواقع، وفهم الماضي.. لتتحول النهايات من تعيسة إلى سعيدة…
أي اختصاص أجمل من ذلك!

بعد أن قبلني ذو اللحية الحمراء كمتطوعة في قسم الطب النفسي، في تلك الجامعة الأمريكية الكبيرة.. كانت مهمتي في كسب من حولي سهلة، لكن ليس جداً..
حب الناس دون تمييز تحت أي مسمى خصلة فيّ، تظهر واضحة في لغة جسدي ونبرات صوتي.. مهما ثقلت لكنتي أو ما يسمونها ال “ accent هنا…
بدأت العمل كل يوم من الخامسة والنصف صباحاً، و انتهيت في السابعة و النصف مساء.. وبعض الأحيان في الحادية عشر ليلاً..
كنت نحيلة، متعبة، أرى المستقبل ضبابياً.. خطر في بالي الاستسلام مرات.. وبكيت في سيارتي أكثر…

تكلمتُ لغة الطب.. قبل أن أتقن الانكليزية…
مع كل ثقل اللغة المحكيّة، قمت بتشخيص ذئبة حمامية جهازية عند مريضة ذهان مستعصي على العلاج.. و تحسنت المريضة تماماً بعلاج المرض المناعي الذاتي (الذئبة)…
شخصت ساركوئيد عن مريضة اكتئاب مزمن..
شخصت ورم دماغي عند مريض إهلاسات مزمنة…
بورفيريا عند مريض ذهان معند على العلاج…
استقصيت -بطريقة صحيحة- ما لا يعد و لا يحصى من حالات الهذيان delirium وبفضل الله ومن عملوا معي أنقذنا حيوات كثيرة…

هكذا انتشلني فنّ التشخيص التفريقي من ثقل اللكنة و جعلني أنط فوق حواجز اللغة نطاً..
كنت أكثر من يرى المرضى، و أبرع من يشخص أمراض المناعة الذاتية كسبب للأمراض النفسية.. و استطعت بذلك -صدقوا أو لا تصدقوا- كسب تأييد صاحب اللحية الحمراء…
لم أعلم وقتها أنني سأصبح الطبيبة النفسية التي أوجدت فرع “ الطب النفسي التشخيصي” يوماً.. ولا أني سأصل لحظة أحتار فيها بين كبرى جامعات أمريكا..
كان الله في قلبي يشعل الشموع في كل لحظة يطفئها عرق جبيني أو تذهب ببريقها دموع عيني.. الله بارع في إشعال شموع من يعملون بجد…

كل ما سبق كان من البداية فقط.. فالحديث يطول، وجيد الأعمال يستحضر شر وعنصرية بعض البشر أيضاً…
**************

أحب من يحبك في حزنك قبل فرحك..
من يفهمك دون أن تتكلم..
من يداري هفواتك..
من يلاحقك بقلبه قبل عينيه.. فلا يرى في الازدحام سواك...
أحب من يحبك كما أنت بكل أخطائك.. بعيوبك وبماضيك..
أحب من لا يمكن له قط أن يضربك بحجارة أحزانك...هكذا يستمر الحب، يكبر ويثمر...
الحب الذي تقص ذراعيه إن تعبتا ليس حباً..

-قرأتُ ما كتبت لا أعلم لماذا أحسست أنك تعنيني و لؤي.. لا تحبينه يا عليا، أليس كذلك؟
-لا لم أقصدك أبداً، لكن الجمل طرقت بابك لأن لاوعيك يعلم أنكما لا تصلحان لبعض..
-لماذا؟ كطبيبة نفسيّة..هل تعتقدين أنه نرجسيّ يا عليا؟
-من غير الأخلاقي الحكم في مرض نفسي دون مقابلة (طبية) مع المريض.. وعندها أيضاً لا أستطيع إخبارك.. لكن أجل .. نغمة الصوت.. حركات الجسد.. النقطة.. الفاصلة.. الصمت المؤقت.. الاندفاع في الكلام..
السؤال في العلن.. السؤال في الخاص.. المديح علناً.. أو المديح سراً.. تجاهل بعض الأخبار.. الجري وراء أخرى..
كلها إشارات لا لفظية في الواقع والافتراض..

-لقد قلت لي أنكم في الطب النفسي تتعلمون قراءتها جيدًا، وإن تعمق الطبيب النفسي في الموضوع أصبح خبيراً في اضطرابات الشخصيّة.. أخبريني إذاً…

-لا أستطيع كطبيبة يا أختي، لكن من وجهة نظر كاتبة ترسم الشخصيات لا لفظياً، ابتعدي عنه يا أمنية.. ابتعدي...
لا أقبح في الدنيا ممن يفكر في نفخ أناه.. بعد أن يقف على مشاعرك...

“ البرتفاح” لا يصنع الأفراح.. بل يضيع سنوات من طريق حلمك.. لا علاقة لأي "زارع" في أحلامك.. ازرعها بنفسك.


يتبع…