اسمها محمد -عودة إلى البدايات 1-


لمى محمد
الحوار المتمدن - العدد: 6654 - 2020 / 8 / 22 - 21:38
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

صوتكَ حزنٌ جميل.. تبعني وأتعبني.. حتى قررتُ الفرح!

عندما أخبرتني دار النشر الأمريكية تلك أن كتابي الجديد معهم حقق مبيعات خياليّة.. تحوّل الحزن في قلبي إلى زبدة.. فالحزن كان قد تأرجح كثيراً بين بطينات قلبي و أذيناته…
أكتبُ منذ أكثر من عشرين عاماً، وإلى الآن تلاحقني الرقابة العربيّة لتقص من كتاباتي.. حتى العالم الأزرق الافتراضي تمت السيطرة عليه من قبل المتزمتين المتأسلمين، فأصبحوا يحاولون بشتى الطرق منع انتشار المقالات التي تشجع المساواة، المحبة والسلام.. فيما يدعمون التزمت الديني في أعتم حالاته بطرقهم الملتويّة وغير المباشرة.. ما يحدث في العالم الافتراضي الأزرق يشبه ما تفعله سفارات الدول الغربيّة عندما تفتح أبواب بلدانها للمتزمتين وحملة الأعلام السوداء، بينما تغلقها جهلاً وغباءً في وجه العقول الشابة.

حدثني الناشر في صباح يوم صيفي هارب من حضن الشمس.. قال لي:
-دكتورة .. مارأيك أن تكملي ما كتبته في الكتاب السابق حدثينا عن رحلة طبيبة عربيّة مسلمة في الولايات المتحدة…
قلت له:
-إن قصدت الجنسيّة فأنا أمريكية أيضاً…
-هذا يجعل لحديثك وقعك أكبر.. سنتكفل بجميع المصاريف.. وسندفع لك راتباً شهرياً من الآن، حتى تتفرغي للكتابة…
-لا أستطيع ترك عملي، ليس من أجل المال، بل لأني أحبه.
-هذا يعود لك، لكن نظراً للوضع الحالي على الساحة السياسية، الاجتماعية، والاقتصادية.. فكلما أسرعنا.. كلما كان للكتاب وقع أفضل…

أنهيتُ الاتصال دون وعود.. فليس أكره على نفسي من الكتابة المشروطة، أو استدراج الوحي الكتابي.. هذا يعني فشل أي سطر…
في نفسي شيء ما يقول أن تجربتي هنا تستحق الكتابة.. ليس لكونها تجربة عظيمة، بل ببساطة لأنها مليئة بالفشل.. الفشل الذي يلد النجاحات الصغيرة، وليس أقرب إلى الروح من النجاحات الصغيرة.

ملأتْ رائحة الخبز البيت.. فمع انتشار فيروس الكورونا، أصبحتُ أصنع الخبز في البيت.. من أجمل صباحات العالم صباح حيّ برائحة القهوة… ومطمئن برائحة الخبز…

تأملتُ قالب الخبز.. طرياً منفوخاً كمنطاد سعادة.. أو ديمة توزع الهدايا البيضاء على المحتاجين…
لو أنّ الخبز هنا يطير غيوماً فوق أطفال ناموا جائعين.. لو أنّ الواقع عادلٌ كالحياة.. ربما كلن ليكون لرغيف الخبز هذا شأن كبير!
لكن لو امتناع لامتناع.. فما عليّ سوى الكتابة، علّ الخبز يطير...
*******

في المساء العراقي لذات صباح عليا الأمريكي.. جلست عبير تخاطب الأوراق:
“في الفرح تعرف الأصدقاء..
في الحزن تعرف حشائش القلب…
وأنا عرفتك في حزني يا عمار، فكيف لي أن أتركك.. هكذا بسهولة؟
أنتَ متيّم ب هبة.. أرى ذلك في عينيك.. لكن كيف لي أن أحرق هذا المركب التي صنعته لأحلامنا معاً في قلبي.. أغرق دونه ودونك…”

بعد أن كتبتْ كل ذلك، مزقتْ الورقة للمرة السابعة…
حياتها مع ديار أصبحت أقل صعوبة في العراق..
ديار يعمل مدرساً في مدرستين واحدة حكوميّة والأخرى.. حبه ل عبير واضح يشبه شمس بغداد.. حارق ومشع .. أما هي فمن بعد لقاء صُدفَتِها مع عمّار ، لم تعد هي.. من يقول أن لقاء صدفة واحدكفيل بنفض الغبار عن قراراتٍ كثيرة، و فكّ أذرع الأخطبوط الكبير الذي ربطته في عقله، وأسمته ذكرى…
مازالت تقطن غرفة وهو في غرفة مجاورة في ذات المنزل الطلابي الذي ضم علي معهم لأشهر…
سمعت دقاً على الباب..
-من الطارق؟
-ديار.. مارأيك أن نخرج اليوم؟
-نخرج ألم تسمع بالفيروس المنتشر؟
-وسمعت أيضاً عن سياسة الدول الكبيرة في تغطية ديونها، وإنقاذ اقتصادها…
-طيب نخرج أيها الشجاع.. لكن ضع كمامة…
-حاضر في حضرة الطاقم الطبي…
**********

لم يخطر شكلها في بال ذلك الطبيب العنصريّ ذو اللحية الحمراء.. فهذه الطبيبة التي تبدأ من الصفر في الولايات المتحدة تحمل لقب محمد!

تخيلها مغطاة بالسواد من رأسها لأخمص قدميها.. قال في نفسه هي حتماً بلا رأي.. بلا صوت..
يريدون أن يملؤوا البلاد.. “الوباء الإسلامي”.

فتح السيرة الشخصيّة على مكتبه بقرف شديد.. أوراق كثيرة؟ لماذا؟ هل ملأتها بعدد أولادها؟

قرأ السطور الأولى:
طبيبة حاصلة على البورد في أمراض الجلد.. ماذا؟
لماذا تهتم بالتطوّع في الطب النفسي إذاً؟
حتماً هي لم تقدر على تحصيل طب الجلد في أمريكانا.. هذا الاختصاص تنافسي جداً هنا.. والآن تريد أن تختص في الطب النفسي: الاختصاص الذي يجب ألا تدخله إن لم تغرم به.. مرحباً دكتور محمد.. وتريدينني أن أقبلك…

انتقل إلى سطور لاحقة:
عضو في الجمعية الأمريكية لطب الجلد، أنهت اختصاص الطب الباطني الابتدائي في أمريكا!

دُهِشَ الطبيب ذو اللحية الحمراء، هو الآٌن يعلم أنه كان بإمكان هذه الفتاة أن تعمل في مجال طب الجلد.. تمتم لنفسه: ربما لم يروا وجهها.. كيف لها أن تعطي انطباعات لمرضاها الجلديين؟

انتقل بعشوائية إلى صفحة أخرى من السيرة الذاتية وهو مستمر في محادثة نفسه:
كاتبة.. عمّا تكتب هذه العربيّة؟ ربما في الطبخ وطاعة الزوج…
قرأ عنوان أحد كتبها.. جدائل الثالوث المحرّم: رحلة في عالم الجنس، السياسة والطوائف.. مترجم إلى الانكليزية.. ابتسم.. وهو يتخيّل ما يمكن أن يحويه هذا الكتاب، ممتع.. ممتع..
صفحة عشوائية أخرى تتحدث عن عمل دكتور محمد مع منظمات حقوق الإنسان.. ماذا؟
صفحة أخرى كثير من جوائز الشرف التعليمية في مواد كثيرة.. تعلّم طلاب الطب!
بلع البروفسور ذو اللحية الحمراء ريقه.. وتحرك في لاوعيه صوت ضميره كطائر طنان قرر الطيران خلفاً:
-تبدو شخصية متفردة.. لنقابلها.. لن يجبرني أحد على قبول تطوعها في المشفى بعد المقابلة…

يتبع…