عندما شُفِيتُ من (الكورونا)… -بساطة 11-


لمى محمد
الحوار المتمدن - العدد: 6525 - 2020 / 3 / 28 - 00:52
المحور: ملف: وباء - فيروس كورونا (كوفيد-19) الاسباب والنتائج، الأبعاد والتداعيات المجتمعية في كافة المجالات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

اليوم: الثلاثاء 3/آذار/2020:
أثناء جلسة تقييم مع طلبة اختصاص من الأطباء المقيمين قالوا لي:
-دكتورة أنت تعملين أكثر من كلّ الزملاء.. نريد أن نقول لك أننا نلاحظ ذلك و أننا نقدره…
قلت لهم:
-لا تقولوا لأحد.. لكنني إن طلبوا مني أن أدفع للجامعة من أجل القيام بهذا العمل.. سأفعل، فكيف لا أفعل وهم يدفعون لي..
أنا لا أحب الطب فقط بل أقدسه.. لا أعشق طب النفس فقط بل شغوفة به…


اليوم: الجمعة 13/آذار/2020:
منذ عدة أسابيع، بدأ وباء الكورونا بالدق على أبواب مشافينا.. ثمّ أُعلِنَت حالة الطوارئ…
الجميع خائف إلا أنا.. يسألونني: -لماذا لا تخافين؟
أجيبهم بترجمة الأمثلة العربيّة و الآيات القرآنية…

فعلاً أنا لست خائفة.. ربما لأنني ولدت في دول الحروب.. لأنني عشت الثورات، الخيبات، الحروب الأهلية.. الثورات المضادة..
ربما لأنني بكيت أياماً لصورة طفل جائع.. قصة صبيّة ايزيديّة (سبيّة).. طفلة فقدت رجلها في حروب الكرسي..

ربما لأنني خفت سنيناً من القتل بدافع الطائفية.. من الاحتيال تحت اسم الدين.. من أنصاف الحقائق التي تكورت بها كلّ فيروسات الأرض.. فأحرقت وطناً وألغت هويّة!

أو أنني لست خائفة لأنيّ أحب الله وأعلم علم اليقين أنّ ما فعلته في حياتي كان لوجه الله.. لأنني لم أتحزب في وقت كان التحزب ليمدّ في نفوذي ومالي..
لأنني لم أتطرف في أمكنة كان تطرفي فيها ليجعلني سيدة المكان…

لكل ما سبق ولأسباب أخرى لستُ خائفة من الكورونا..
ما يقويّ المناعة حقاً هو السعادة.. والسعادة تكمن في الرضى عن النفس.. التفكير الإيجابي.. للأفكار طاقة و الطاقة تسكنك حتماً.


اليوم الأربعاء 18/آذار/ 2020:
مضى عليّ أيام و أنا أذهب إلى العمل منهكة.. متعبة وكأني أحمل حملاً ثقيلاً فوق جبهتي.. إن كان هذا عادياً للبعض، فبالنسبة لي هو شيء غريب.. عملي هو مَصْدَرُ سَعَادَة لا مُصَّدِرُ تعب…
ليس عندي أي أعراض خلال النهار.. لكن في الليل: استيقظتُ على وجع في الحلق، صداع، عرواءات ( ما نسميه في العاميّة هبات ساخنة)…

أرسلت بريداً إلكترونياً لعملي آخذ فيه إجازة.. فكرت ربما أنا مصابة بالتهاب الحلق، كان عندي الأسبوع الماضي عدة طلاب طب ومقيمين مصابين بالتهاب مجاري تنفسية علوي فيروسي (غالباً بسبب الرينو فيروس) .. هذا فيروس حميد.. لكن بسبب وباء الكورونا، و بما أن أعراضي مبهمة سأبقى في المنزل…
عدت إلى النوم.. و لدهشتي نمت أربعة عشرة ساعة!


اليوم الخميس 19/آذار/ 2020:
استيقظت متأخرة.. حكة في الحلق، شعور بضيق صدر.. سعال جاف.. صداع.. تعب شديد..
لا يوجد أعراض ترجح إصابة جهاز تنفسي علوي كسيلان الأنف، الخمج يبدو في الحلق و الجهاز التنفسي السفلي…

قررت أن أتصرف وكأنني مصابة بالكورونا لهذا اليوم.. شربت الكثير من الماء و السوائل.. أكلت عسل.. خضروات.. برتقال.. أخذت فيتامينات.. كتبتُ -و الكتابة علاج روحي من أي سقم- و نمت..
قضيت أغلب اليوم نائمة…


اليوم الجمعة 20/آذار/ 2020:
العرض الأبرز هو السعال و التعب الشديد.. احتقان وحكة الحلق، عرواءات.. صداع..
لجأت إلى عدة مراكز للعناية المستعجلة لتأكيد التشخيص.. و لهذا قصة أخرى -تالية- .
فيروس الكورونا يغزو العالم، و يحوّل الكلام عن البيئة و حقوق الحيوان والإنسان إلى أولويات.

من الناس من يسميّ الفيروس بالصيني.. يا للعار..
قتل فيروس التأسلم المتطرف الملايين..
يَتَّمَ ملايين الأطفال تحت اسم الدين و حرق أحلام ملايين النساء في حق المساواة .. لم نسمع أن الصينين عمموا الإرهاب على المسلمين…

أُعرّف الثقافة دائماً: بأنها قدرتك على استخدام عقلك في تحديد الخطأ و الصواب، بدلاً عن إتباعك لموروث قديم أو تقليدك مجتمعك و من حولك.. أو إتباعك لنصف الحقيقة المناسب لمصلحتك الشخصيّة…


اليوم السبت 21/آذار/2020:
آخذ أدوية مضادة للسعال تضبطه لساعات.. و (سيتامول) من أجل الصداع.. تعب وإنهاك يجعلني أنام أغلب الوقت، عدا عن ذلك الوضع مقبول…
يقولون في الطب طالما أنك تأكل وتشرب بشكل جيد فالفيروسات تندحر في غالبها.. و بالنسبة لي أنا أيضاً أكتب بشكل جيد .. إذاً لست في حاجة إلى مستشفى…
أجريت عدة مكالمات هاتفيّة لمعايدة البعض بعيد الأم.. سألوني كيف الحال: و قلت تمام.. في داخلي إيمان مطلق بأنّ كل شيء سيكون تمام…

حدثتني صديقتي المصريّة عن سبب عدم اتصالها لمعايدة أحد.. قالت لي:
-بينما أنا أعمل هنا ليل نهار.. أجد وقتاً على حساب أطفالي لأطمئن على أحد الأقرباء في الوطن، فأجده يعاتبني .. و أجدها تلومني.. على نسياني للمناسبة الفلانيّة.. و إهمالي لواجب آخر..
لا أدري ولكن هل يخطر في بالهم يوماً أننا وحيدون هنا.. نمرض لوحدنا.. نبكي لوحدنا.. نفرح لوحدنا.. هل يعلمون أننا نعمل طوال النهارات، أننا في حاجة لأيام العطل القليلة لبناء حياة اجتماعية لأولادنا و لنا في بلاد جديدة.. أننا لا نستطيع الاتصال بعشرات الأصدقاء أسبوعياً.. بينما من السهل عليهم إرسال رسالة إلكترونية مجانيّة لشخص واحد هو أنا أسبوعياً ..
في الطب النفسي هم يدارون انتفاخ مشاعر الحسد و الغيرة .. أو أنهم من الأساس لم يحبونا و كنّا رقماً آخر في عدادات أقاربهم و معارفهم…

قلت لها: الحياة صعبة، و كل يحاول حلّ مشاكله.. لا أحد يخطر في باله أنّ الوقت هنا أثمن من المال.. و أننا نعمل كلّ الوقت…
-خصوصاً مع هذا الكورونا.. الجميع جلس في المنزل إلا قلة…


اليوم الأحد 22/آذار/2020:
الأعراض كما هي لا تزيد و لا تنقص.. لكن التعب مستمر.. أنام كثيراً وعندما أستيقظ أشعر بالتحسن لمدة نصف ساعة فقط.. بعدها يعود التعب.
عدم تفاقم الأعراض مع قدرتي على الأكل و الشرب الطبيعية علامات عدم احتياجي للمستشفى.. و بالنسبة لي قدرتي على الكتابة -ترياق روحي-.

كورونا إيطاليا تتصدر عناوين الأخبار .. تكسر القلوب، كما كسرتها أخبار الصين.. الناس هناك استهتروا بالفيروس و تابعوا حياتهم وكأن شيئاً لم يكن، فانفجر عدد المصابين كثيراً دفعة واحدة، هذا جعل المشافي غير قادرة على الاعتناء بهم…

الايطاليون عبر التاريخ ينظرون للمستقبل و الماضي.. لذلك سينجون… هذا الوباء سينتهي إن نظر البشر جميعاً إلى الماضي و المستقبل في آن..

يحمل نبوءة نجاتهم يانوس Janus وهو واحد من أساطير آلهة الحضارة الرومانية، البعض يقول أنه إله إيطالي قديم ، وصيّ على المداخل والبوابات وحامي الدولة في وقت الحرب- يتم تمثيله بشخص بوجهين ينظر أحدهما إلى الأمام و الثاني إلى الخلف-..
أعتقدُ أن الكناية في هذا تكمن في كون الحروب مع أي شيء في هذه الحياة- بما فيها الفيروسات- لن تنتهي إلا إن اعتبرنا من الماضي.. و حددنا أهدافنا في المستقبل.



اليوم الاثنين 23/آذار/2020:
بدأ عندي ارتفاح طفيف في الحرارة، السعال مستمر لكن أقل، وجع الحلق مستمر، الصداع..
آكل و أشرب و أكتب و أنام طوال الوقت..
تظهر الحالات في دول العرب تباعاً.. يحاول الناس لوم أصحابها.. هذا لا داعٍ له.. طالما تسكنون هذا الكوكب ستصابون آجلاً أم عاجلاً.. لكن كما قلت في مقالات سابقة.. نحن نحاول تقليل ذروة العدد المصاب في الوقت نفسه.. حتى تستطيع المشافي استيعاب المرضى.

يحاول الناس إعطاء نصائح تزيد المناعة.. كطبيبة أقول لكم:

يوجد عناصر غذائية مفيدة للصحة حتماً مثل: العسل، الثوم، البرتقال، الليمون، القمح النابت…

يوجد مكملات غذائية مفيدة: ك الريسفيراترول وهو مادة موجودة بشكل طبيعي في قشر العنب و في كثير من الفواكه و الخضراوت، تنتشر الدراسات حولها في عالم الطب كمادة مضادة للسرطان و الأمراض الخمجية و ربما يكون لها مكان في علاج الكورونا يوماً…

يوجد توابل مفيدة: ك الكركم والذي يسمى ترياق الحياة في بعض الحضارات.. وتمت دراسته في علاج كثير من الأمراض أيضاً…

لكن الأهم من كل ذلك أن تتذكر أنّ ما يقويّ المناعة حقاً هو السعادة.. و السعادة تكمن في الرضى عن النفس.. التفكير الإيجابي.. للأفكار طاقة و الطاقة تسكنك حتماً.



اليوم الخميس 26/آذار/2020:
وضعي أفضل بكثير، قليل من الصداع وأعراض خفيفة..
تنتشر صور أطباء و ممرضين يحملون علامات الماسكات الطبية على وجوههم، وهذا ما يحدث بشكل شائع عندما يرتدي الشخص الذي يعتني مباشرة بالأمراض الخمجية الماسك الطبي لفترة طويلة.. إن ارتداء الماسك الطبي دون شده في تلك الحالات بلا جدوى لأن تنفسك و المصاب لذات الهواء خطير جداً.

هل يا ترى تتغير أولويات احترام الناس في بلاد الشرق إلى احترامهم بحسب نفعهم لعيال الله؟
في هذه المحنة يتزايد شكري لله على نعمة قدرتي على العمل المتواصل، على نعمة قدرتي على الجد و الاجتهاد.. كل قرش حصلته في حياتي كان ثمنه أضاعفه من تعبي و عرق جبهتي…

الشكر أيضاً و مجدداً لجميع العاملين في الحقل الطبي .. عمّال التنظيفات في المشافي وخارجها .. الكادر التمريضي.. الطبي.. الإداري.. طلاب الطب و المقيمين.
الشكر للأدباء و أصحاب القلم الذي حملوا أقلامهم أسلحة ضد العنصريّة وضد أنصاف الحقائق…


اليوم الجمعة 27/آذار/2020:
لا أعراض، حالتي العامة جيدة.. جبهتي مساحة من صفاء…
في قلبي إيمان كبير بالله.. إيمان أكبر من ترهات مدعيّ الدين.. إيمان قادر على رؤية أنصاف الحقائق.. إيمان قادر على تحويل أفكاري إلى طاقة إيجابيّة...
كتابتي هي ترياق روحي.. وهي رزقي من الله، لن أستخدمها في تلميع تيجان ولا غسل عمائم...

ما يقويّ المناعة حقاً هو السعادة.. والسعادة تكمن في الرضى عن النفس.. التفكير الإيجابي.. للأفكار طاقة و الطاقة تسكنك حتماً…


يتبع…