قطعة من قلبي-بساطة 5-


لمى محمد
الحوار المتمدن - العدد: 6475 - 2020 / 1 / 28 - 23:40
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

أن تكون طبيباً هو أن تكون طيباً أولاً...
نقياً أولاً...
صادقاً أولاً...
مجتهداً أولاً...
طبيب وتاجر صفتان لا تجتمعان...

أن تكون طبيباً يعني أن ترى في وجه المسن شبابه...
في وجه الفقير شهامته...
ترى في وجه البسيط صدقه...
في وجه الأم أطفالها.. وفي وجه الأب عائلته...
طبيب وعنصري صفتان لا تجتمعان...

أن تكون طبيباً يعني أن ترى الله في أمل الناس بك...


-عندما كتبتُ ما سبق على صفحتي الفيسبوكية منذ أيام، رد الكثيرون يعلنون عن يأسهم بعد تحوّل الطب إلى تجارة.. وتحوّل الضمير من حياة الود والخير إلى حياة المال والغرور...

جزء من واقع الحال في تدهور الوضع الطبي -حول العالم- يتلخص في العوامل التالية:

1- إرهاق الطاقم الطبي:
خاصة في الدول الغربية يعمل الأطباء خاصة بدرجات كبيرة ليس بسبب المال فقط، بل بسبب النظام الطبي الحالي الذي يزدحم بالمرضى و يتطلب الكثير من الجهد أمام الحاسوب لإدخال البيانات و الوصفات.. و كتابة القصص المرضية.. إلخ...
الحل هنا هو بالتأكيد على الأطباء أن يعملوا حسب طاقتهم، ولوقلت مواردهم الماديّة..
الوقت مالٌ أيضاً...
وفي حال عدم إمكانية ما سبق:
الهوايات هي القادرة على إنقاذ أطبائنا..
طبيب بلا هوايّة لا يمنح الأمل بالشفاء.. بل فقط يكتب الوصفات...

2-الطب الدفاعي:
بسبب فتح مجالات كثيرة لمقاضاة الأطباء، هذا جعل الكثيرين منهم يطلبون تحاليل لا داع لها، وصور أشعة ليست ضرورية.. يعني من باب " في حال كان هناك شيء آخر، فالطبيب طلب كل شيء ممكن و لن يقاضيه أحد".
يسهم المريض في ذلك عندما لا يثق بطبيبه و يطلب كل التحاليل الممكنة بعد وضع أعراضه في غوغل مثلاً...
نصف العلم أخطر من الجهل لذلك لا تتوقع من غوغل أن يكون أصح من حكيمك...
الحل هنا هو دعم دور الأطباء و الثقة بهم -حتى ثبات العكس-

3- عالم الشهرة و المال الدنيء:
قالت لي إحدى الطبيبات أنها منزعجة جداً من مذيعة على إحدى القنوات العربيّة تعطي نصائح طب جلد متنوعة وكأنها اختصاصية..
و طبيب آخر حكى لي عن إعلاميّة أخرى تنصح في الطب النفسي الذي يحتاج إلى دراسة عشرة سنوات على الأقل...
و في حين تلك الطبيبة و ذاك الطبيب يعملون ليل نهار للحصول على قوتهم لأنهم يحبون مهنتهم..
يحصل المتسلقون على جدران المهن على الشهرة و المال بسهولة...
الحل هنا بعدم الالتفات لصغائر الأمور:
للأطباء أقول:
نحن لم نختر المهنة من أجل الشهرة ولا المال.. اخترناها لأن مساعدة الناس قطعة من قلبنا.. و لأنّنا نؤمن بالله...
أما عن الإعلاميين، فإن كانت مساعدتهم للناس مجانية وناجحة بالتخفيف عن البسطاء أو فقط بالعلاج بالتفكير الإيجابي : فلمَ لا؟!
نحن نحتاج بعضنا و جيوشاً من المساعدين في عالم الطب...

4- دخول الطب للمكانة الاجتماعية لا لحب المجال:

كثيرون من طلاب الطب ينتهون تجاراً.. لأنهم من الأساس لم يريدوا المكان بل المكانة...
كثيرات من طالبات الطب تزوجنّ -زيجات مدبرة غنيّة- فأهملوا دراستهم و انتهوا لا علاقة لهم بالطب إلا لقب دكتورة...

الحل بامتحان آخر يضمن شغف الطالب بالمجال.. ثم طرد الطلاب الفاشلين بشكل متكرر في الامتحانات العمليّة لقلة تواجدهم في المشافي...
طبيب مقيم من دون دوام عملي في المشفى هو (غوغل).. لن يكسب شرف المهنة.

5- التنافس اللاأخلاقي و غيرة الأطباء من بعضهم:
من منكم لم يسمع قبلاً:
- لماذا فعل الطبيب فلان ذلك؟
- الله لا يعطيهم العافية.. لقد عالجوك بطريقة خاطئة...
- لو كنت مكان طبيبك فلان لفعلت هكذا...
- لماذا انتظروا إلى الآن.. كادوا يقتلوك...
- هذا الطبيب الفاشل.. يظن نفسه فهيماً...

في الحقيقة الطبيب الذي يسيء لزميل هو لا أخلاقي.. و هو مجال شك.. الطبيب حمل لقب الحكيم عبر الزمان.. الحكيم لا يغتاب ولا يحكم من دون سماع رأي الطرفين..

حتماً لا ينفع الطبيب بلا حكمة.
********


أنت تكون طبيباً.. يعني أنك منحت قطعة من قلبك إلى الطب بلا مقابل في حالات كثيرة..
أن تكون طبيباً يعني أن تعمل أكثر مما تكسب.. فإن كسبت أكثر مما عملت.. اسأل نفسك:
- هل كنت ضحية أحد العوامل الخمسة السابقة؟ أم أنني الجاني؟

الحياة تحتاج الجميع من أصغر نملة مرت من هذا الطريق يوماً.. إلى الله الذي يسكن قطعة في قلبك...

يتبع...

* بساطة : مجموعة مقالات في غاية البساطة..
تناقش مفاهيم بسيطة.. أفكار بسيطة.. أحلام بسيطة في عصر التعقيد.. التشريد و المفاهيم المتشعبة.