الرؤية الموضوعية في الحكم على نظام التعليم العالي في الأراضي المحتلة 1967


غازي الصوراني
الحوار المتمدن - العدد: 7639 - 2023 / 6 / 11 - 01:29
المحور: القضية الفلسطينية     



شَكَّلَ التطور العلمي والبحث الحثيث في العلوم والمعرفة، واحداً من التحديات الأساسية الإستراتيجية، يوفر لنا – عبر تحققه – مدخلاً وأداة في مقاومة العدو الصهيوني ، وفي مواجهة سلبيات التحديات التاريخية الموروثة والمعاصرة الى جانب مواجهة تحديات التبعية والتخلف ، وهو أمر مرهون بتطوير النظام التعليمي ، ووقف هذا التدهور الذي تعرض له بسبب استمرار الاحتلال الصهيوني وممارساته العدوانية في الضفة وقطاع غزة من ناحية، وبسبب استمرار الانقسام والصراع على السلطة بين فتح وحماس من ناحية ثانية.
وفي مواجهة هذا التدهور، والانطلاق بالعملية التعليمية والتربوية في الضفة والقطاع صوب أهدافها الوطنية والمجتمعية الديمقراطية، فإنني أرى أن الرؤية الموضوعية في الحكم على النظام التعليمي في بلادنا، لا بد وأن تنطلق من أربعة معايير أساسية:
المعيار الأول: ديمقراطية التعليم، بمعنى توسيع قاعدته الاجتماعية بما يُؤمِّن مجانية مشاركة أبناء الفقراء الذين يمثلون الأغلبية الساحقة لشعبنا، في العملية التعليمية بكل مراحلها .
إن حديثي عن ديمقراطية التعليم هو تعبير عن رؤية موضوعية تستهدف خلق التوازن الحقيقي من الناحية الاجتماعية في تركيبة متخذي القرار في أجهزة السلطة أو الحكم، كشرط ضروري للاستقرار الاجتماعي والسياسي، وذلك أمر لن يتحقق دون إفساح المجال لأبناء الفقراء الحاصلين على معدلات القبول المطلوبة للالتحاق بالجامعات والدراسات العليا، إذ أن استمرار العقبات والتعقيدات بالنسبة للقبول في الجامعات راهناً، وخصوصاً في الكليات العلمية كالطب والهندسة والصيدلة والكمبيوتر وغيرها من الكليات سيراكم ويعمق الخلل في التوازن الاجتماعي الداخلي لحساب مصالح الأثرياء والشرائح العليا، الذين لا يعدمون وسيلة في إلحاق أبنائهم بالجامعات الخاصة في داخل أو خارج البلاد رغم محدودية قدراتهم وضعف معدلاتهم.
هنا لا بد من التأكيد على أن بناء المؤسسة التعليمية وفق المنطلقات والآليات الديموقراطية سواء في تشكيل هياكلها القيادية أو اتخاذ القرار، تتطلب التفكير الجاد بصورة موضوعية في إشراك العاملين في الجامعة بتعيين رئيس الجامعة عبر آلية ديموقراطية متفق عليها، وهذا يعني أيضاً التفكير الجاد بأن يقوم الاكاديميين في كافة أقسام الجامعة وكلياتها بانتخاب عميد الكلية، وقبل كل ذلك بالطبع لا بد من تفعيل الديمقراطية ومأسستها في أوساط الطلاب وتوفير كافة الفرص لتحقيق الانتخابات للهيئات الطلابية بصورة دورية ودائمة.
المعيار الثاني: الحرص على أن تبقى الجامعات منابر للتحرر الوطني تعزز إرادة التحدي للعدو الصهيوني الحرص على ان تبقى الجامعات منابر تعزز الوحدة الوطنية والديمقراطية وإرادة التحدي للعدو الصهيوني انطلاقا من تمسكنا بمبادئ ومواثيق م.ت.ف الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا ، يجسد وحدتنا الوطنية التعددية التي تحتضن اختلافاتنا ضمن منطلقات ميثاقها ومبادئها التأسيسية وقرارات مجالسها الوطنية ، ذلك ان نقطه الانطلاق الصحيحة صوب الاتفاق على برنامج سياسي في سياق النضال الوطني او من اجل الخلاص من الانقسام تفترض التمييز بين المنظمة باعتبارها كياناً معنوياً وتعبيراً سياسياً عن الشخصية والهوية الوطنية الفلسطينية وبين كونها اطارا جبهويا نتصارع فيه وحوله ديمقراطيا ، الامر الذي يعني ضرورة اصلاح المنظمة وتفعيل دورها كاطار جامع ومرجعيه وحيده لشعبنا وقواه السياسية بمختلف تلاوينها وهذا ما يجب ان يشكل المنطلق الوطني الرئيسي لكافه الجامعات الفلسطينيه بحيث يصبح الانسجام والتوافق الوطني التحرري مدخلاً هاما لتطوير جامعاتنا لكي تتمكن من اداء رسالتها الوطنية الديمقراطية والأكاديمية والتحول الى بناء المجتمع الوطني التحرري الديمقراطي وتحقيق الاقتصاد القائم على المعرفة .
في هذا الجانب، أشير إلى أن مؤسسات التعليم العالي في فلسطين على اختلاف توجهاتها، تواجه تحديات كبيرة تتطلب تطويرا جذريًا لتتمكن من أداء رسالتها في ظل بناء مجتمع المعرفة والتحول إلى الاقتصاد القائم على المعرفة، ويتطلب تحقيق هذه المهمة من هذه المؤسسات أو الجامعات تحقيق قدر كبير من التوازن بين أنشطة التعليم والبحث والتطوير، وذلك لتتوافق مع ما يعرف بالجامعات البحثية والتي تؤدي رسالتها في التعليم وخدمة المجتمع وإثراء المعرفة ونشرها من خلال التركيز على الأنشطة البحثية، خاصةً وأن الجامعات الفلسطينية تعاني من الغياب الكامل للمنافسة فيما بينها، وضعف تقديم حوافز مالية إضافية للجامعات الأكثر إنتاجًا للبحوث العالمية، وبالتالي فإن الإنتاج العلمي للجامعات الفلسطينية يتميز بكونه ضعيفًا أو شبه منعدم مقارنة بالإنتاج العلمي في دولة العدو الصهيوني أو في الدول المتقدمة وهذا يعود للأسباب التالية:
1. ضعف العلاقة بين الجامعات ومؤسسات الإنتاج، وغياب الخطط العلمية المطلوبة لإعداد وإنتاج الأبحاث في معظم الجامعات .
2. غياب العلاقة التكاملية للجامعة مع القطاعات الإنتاجية العامة والخاصة وانعدام مساهمة القطاع الخاص .
3. غياب ثقافة البحث العلمي والضعف الشديد لدى معظم الأساتذة في متابعة التطورات الثقافية والعلمية الحديثة.
4. عدم تبني السلطة الفلسطينية سياسات وآليات واضحه ومحددة ، لدعم البحث العلمي في الجامعات الفلسطينية من ناحية ولتأسيس ولإنشاء مراكز وطنية للبحث العلمي كما هو الحال في جامعات دولة العدو الاسرائيلي من ناحية ثانية .
المعيار الثالث: تحديث التعليم، وذلك أمر عسير المنال بدون فهم واستيعاب وتطبيق مفاهيم الحداثة الفكرية، أو الخطاب الفكري المعرفي العقلاني، وأساليب التفكير التي انبثقت في عصر النهضة الأوروبية منذ القرنين السادس والسابع عشر وامتدت بتواصلها إلى يومنا هذا.
مما سبق فإن شرط الحداثة أو التحديث في التعليم أو غيره من جوانب التطور الاجتماعي، هو التحرر من كافة المعوقات الخارجية والداخلية، الى جانب ضرورة تعميم الوعي بالهوية الوطنية والحقوق التاريخية في المناهج التعليمية، ورفض الاستجابة لمطالب العدو الصهيوني في تعديل تلك المناهج، بما يستجيب لعملية التطبيع السياسي والثقافي من جهة، وبما يستهدف شطب كل ما يتعلق بحقوق شعبنا التاريخية في وطننا من جهة أخرى .
فليست المشكلة هي مجرد تحديث المناهج فحسب، وإنما في تغيير الواقع من أجل التحرر والاستقلال وتأسيس النظام السياسي الديمقراطي وفق قواعد التنوير والعقل والحداثة في خدمة الهوية الوطنية، بما يمكننا من إنهاء الانقسام الراهن، واستعادة الوحدة الوطنية التعددية، وتوفير أسس ومقومات الصمود ومقاومة المحتل الصهيوني، إذ أن استمرار بقاء هذه القيود سيحول دون تحديث المناهج التعليمية في بلادنا من جهة، ويعزز بقاء عوامل الخلل وغياب التوازن الاجتماعي الداخلي لصالح أبناء رموز وشرائح الفساد والتحالف الطبقي الطفيلي الكومبرادوري البيروقراطي، مقابل استمرار حرمان أبناء الفقراء (الأغلبية الساحقة) من الحصول على فرص التعليم وممارسة دورهم الإيجابي الرائد في المشاركة السياسية الاجتماعية الفعالة في توجيه وقيادة المجتمع.
المعيار الرابع : ويرتبط بعملية تقييم المؤسسة التعليمية ومدى استجابتها، من حيث مخرجات عملية التعليم، لحاجات بناء اقتصاد تنموي مقاوم، فالتنمية المقاومة على مختلف تفرعاتها هي الكفيلة بتحقيق القدرة على بناء مجتمعي قادر على الصمود، وهنا يتجلى دور الجامعات بأن تنظم منهاجها واساليب تدريسها لبناء أجيال تأخذ على عاتقها الانخراط في التنمية وتحديداً الزراعية والصناعية بديلاً لتخريج افواج وظيفتها فقط خدمة رأس المال في قطاعات التأمين والاتصالات والبنوك، وهي قطاعات معنيه -في معظمها- بالاستغلال الرأسمالي والاستيلاء على فائض القيمة أو الربح وليست معنيه أبداً بعملية التنمية.
هنا أرى من الضروري الحديث عن أهمية البحث العلمي والتقني في تقدم وتطوير مجتمعاتنا منذ ان طرح مفكرو النهضة وروادها الاوائل سؤالهم النهضوي الكبير لماذا تقدم الاخرون وتخلفنا ؟ لكن الحاصل على مستوى المجتمعات العربية عامه ان العرب غير جادين في ميادين البحث العلمي وما زالوا بسبب التخلف والتبعية يعيشون اوهام الماضي .
وللمفارقة المؤلمة ان عندنا كثرة من الأدمغة العربية النابغة من خريجي جامعاتنا ، لكن المعضلة تكمن في البيئة المجتمعية الطاردة ، وضيق مناخ الحريات الفكرية المعوقة للإبداع ، وضعف التمويل المرصود للإنفاق على البحث العلمي ، لذلك لا يمكن لمجتمعاتنا العربية ان تحقق الازدهار العلمي المنشود الا اذا وجد علماؤنا ومبدعونا الملاذ الامن والمناخ الحاضن والبيئة الحريصة على توفير الاستقلال الفكري والحرية العلمية لأبنائها ، فالبحث العلمي في المجتمعات المتقدمة هو ركيزة التقدم والتطور والانتاج لان تلك المجتمعات تؤمن ايمانا حقيقياً بأهمية ودور البحث العملي وتراهن عليه في السباق المستقبلي ، لكن مجتمعاتنا العربية مازالت حتى اللحظة في حالة من القطيعة مع البحث العلمي وذلك لثلاثة عوامل معوقه :
العامل الاول : ان المجتمعات العربية اذا نظرنا اليها من منظور نمط الانتاج الحاكم لمعيشة المجتمع فإنها تنقسم الى مجتمعات ريعيه يأتيها رزقها من النفط فلم العناء والشقاء في ميادين البحث العلمي ، ومجتمعات عربية تعيش على المساعدات والقروض والمنح والديون ، ولا يبدو في الأفق القريب ما يبشر بحدوث تغيير ديمقراطي او ثوري في هذا الأسلوب .
العامل الثاني : البحث العلمي يتطلب مجتمعاً حراً شفافاً لا يقيد حرية الباحث بسلسلة من الممنوعات والتابوهات المحرمة ، وفي مجتمعاتنا المحكومة بسلسلة من محرمات تمنع الباحث التطرق الى أمور تثير حساسية الرأي العام علمياً او اجتماعيا او دينيا .
العامل الثالث : مجتمعاتنا مجتمعات تواكليه ترفض التغيير وتتشبث بالمألوف والسائد وتكره الخروج عليهما ، ونجاح البحوث العلمية يعتمد أساساً على إشاعة المنهج النقدي العلمي في المجتمع بدءا من الاسرة مروراً بالتعليم وصولا الى المنظمات المدنية والسياسية للمجتمع .