الأصول الأربعة (٤ - ٤)


جمال البنا
الحوار المتمدن - العدد: 3799 - 2012 / 7 / 25 - 09:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     


الخلافة (التراث الذى ضلل الإخوان المسلمين)

القضية الرابعة التى على الإخوان المسلمين تصفية حسابهم معها هى قضية «الخلافة» التى تشتق عن حكم الرسول بالمدينة، وما أدى إليه هذا من نتائج، وما اتسم به من حكمة أسبغت عليها ثوبًا من القداسة، وسنرى أن هذه النقطة ــ القداسة ــ هى مما يجعل أى مقارنة معها أو محاولة لتقليدها ومطها هى أمر لا يمكّن لحقيقة أن الحكم كان فيها للرسول متصلا بالسماء يوجهه الوحى ويصلح له اجتهاداته، وبالطبع فلا يمكن أن نتصور حكمًا يخضع لرسول من الله بعد أن انتهت فترة النبوة بظهور خاتمها محمد بن عبدالله، وظلت هذه الحقبة التى بدأت بحكم المدينة وتوسعت خلال عشر سنوات حتى جذبت للإسلام كل العرب حتى وإن ظهر أن إيمان أغلبهم لم يكن عن صدق وإخلاص ولكن عن استسلام لشمس الإسلام الصاعدة، وأمكن القضاء على هذه الردة بحكم السياسة الحازمة لأبى بكر الذى اختير خليفة للمسلمين بعد موت الرسول، والقيادة الصارمة لخالد بن الوليد، وكانت خلافة أبى بكر ثمرة لتطور الأحداث، فقد عقد الأنصار مجلسًا عامًا فى سقيفة بنى ساعدة ليعلنوا سعد بن عبادة أميرًا عليهم بعد وفاة الرسول، وسمع أبوبكر وعمر بنبأ هذا الاجتماع، فهرعا إليه واستطاع أبوبكر بلباقة ودبلوماسية أن يجعل الأنصار تؤمن بقيادة عرب قريش، لأن العرب لا تذعن إلا لهم، وكسب تأييدهم بحيث بايعوه بالخلافة، وانصرف أبوبكر من هذا الاجتماع التاريخى المهم منتصرًا يضع أول دستور لدولة عربية إسلامية جاء فى منتهى الإيجاز والقوة والوضوح «وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينونى، وإن أخطات فقومونى، واعلموا إنما أحكمكم بشرعة الله، فأطيعونى ما أطعت الله، فإن لم أفعل فلا طاعة لى عليكم».

نقول إن هذه السطور القصيرة تقدم أفضل دستور لدولة ديمقراطية فى العالم.

لم يستمر أبوبكر فى الخلافة طويلاً، وبعد سنتين ونصف من خلافته، وعندما أحس بمرض الموت استشار المسلمين فيمن يحبون أن يكون الوالى عليهم؟! فكلهم قالوا عمر، عندئذ وقع أبوبكر العهد الذى كتبه ونصح فيه المسلمين باستخلاف عمر.

فى عهد عمر بن الخطاب انتقل الحكم الإسلامى من حكم مدينة إلى حكم إمبراطورية، ففتحت الشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا، وامتلأت طرقات المدينة بالأسرى من هذه البلاد المفتوحة وبوجه خاص فارس، وقامت مؤامرة بين أحد هؤلاء الأسرى الفارسيين وبقية قياداتهم لقتل عمر بن الخطاب، وتطوع لذلك أبولؤلؤة المجوسى، فاندس بين الناس فى صلاة الصبح، وعندما كبر عمر هجم عليه بخنجر فأصابه بجروح جسيمة قبل أن يستطيع المسلمون الإمساك به، وعندما وجد أن الخناق قد ضاق عليه قتل نفسه، وماتت بموته هذه المؤامرة الأولى فى التاريخ الإسلامى.

بمقتل عمر بدأت مرحلة الفوضى، وبدأت مرحلة القلق، لأن الخليفة الثالث الذى انتخب وهو عثمان بن عفان لم يكن فى مثل كفاءة وصرامة عمر بن الخطاب، فبدأت أطراف الإمبراطورية تشتعل فيها الشكاوى والثورات، وساروا إلى المدينة التى كانت مجردة من أى جيش يحمى الإمبراطورية وتسلل بعضهم إلى الخليفة الذى كان يقرأ القرآن وطعنوه طعنات أدت به إلى الوفاة، وخلا مركز الخليفة لأول مرة دون الاتفاق على من سيخلفه حتى انتهى أخيرًا إلى على بن أبى طالب، وهو فارس الإسلام والمسلمين وابن عم الرسول، لكن معاوية بن أبى سفيان الذى كان واليًا على الشام خرج عليه مطالبًا بدم عثمان، وتحرج الأمر حتى وصل إلى حد اللقاء المسلح، فسارت مجموعة وحاصرت هودج السيدة عائشة وضربته بالسهام، بينما من ناحية أخرى استمرت الحرب بين على بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان فى معركة صفين حتى كاد يهزم معاوية، فتفتق ذهن عمرو بن العاص عن حيلة رفع المصاحف على أسنة الرماح، والدعوة إلى تحكيم القرآن، ونجحت هذه المقولة فى تفرقة جيش على بن أبى طالب.

وفى السابع عشر من رمضان كان الإمام على يدخل المسجد داعيًا لصلاة الفجر عندما استقبله أحد المتآمرين بالسيف مجردًا وضربه فقتله.

وبمقتل على بن أبى طالب انتهت الخلافة الراشدة التى استمرت ثلاثين عامًا.

هذه هى الصورة الكلاسيكية التى فى ذهن الإخوان المسلمين عن الحكم، ومنها نرى أنه لا يمكن استخلاص مبدأ سليم باستثناء ما وضعه أبوبكر عقب توليه الحكم وأن الحروب والدماء استغرقت المرحلة حتى أعلن معاوية بن أبى سفيان بدء مرحلة جديدة من الحكم حملت اسم «البيعة» والجماعة، وكانت شر حكم فى تاريخ الإسلام، وهذا الحكم يطلق عليه «الملك العضوض»، وهو ملك ملكى وراثى مستبد مخالف مخالفة كاملة لـ«الشورى» التى كانت على عهد الرسول.

نقول إن هذا الاستعراض لا يكشف عن بطولات باستثناء ما حدث فى المرحلة الأولى «النبوية» والخلافة الراشدة وما حدث فى هذه الحقبة نفسها من اغتيال الخليفة الثانى «عمر» وهو يصلى، واغتيال الخليفة الثالث «عثمان» وهو يقرأ القرآن، واغتيال الخليفة الرابع «على» وهو ينادى لصلاة الفجر.

دع عنك ما حدث فى حرب الجمل التى عرّضت السيدة عائشة للمهانة، وحرب صفين التى كاد نصف المسلمين فيها يحارب النصف الآخر، وانتهت بنهاية مفجعة بإعلان الملك العضوض على يدى معاوية وأبنائه.

لهذا فنحن ننصح الإخوان المسلمين بإعادة النظر فى قضية الخلافة من زاوية التاريخ والواقع حتى لا تضللهم الأمانى، فالخلافة طويت ولن تعود.. وإذا عادت فستكون فى صورة غير التى يتصورها الإخوان المسلمون.