الإسلام القياسي (1-3)


جمال البنا
الحوار المتمدن - العدد: 3946 - 2012 / 12 / 19 - 09:42
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     


كنت أتمنى لو توصلت إلى «الإسلام القياسى»، أى الإسلام كما أنزله الله، لأن هذا يجعل تحت يدى أداة أتأكد بها من صحة إسلامية وضع ما، إذ ليس علىَّ إلا أن أتأكد من انطباق الثوب الجديد على الثوب القياسى، فإذا لم ينطبق دلّ ذلك على شذوذ. لقد يبدو هذا الأسلوب ساذجاً أو يدخل فى باب البرامج والأساليب الأكاديمية، ولا يعنينا هذا فى شىء إذا كانت التجربة سليمة، وسأعرض على القراء محاولتى فى هذا الصدد.

(1) القرآن: القرآن هو أعظم ما فى الإسلام بدءاً من الفاتحة حتى المعوذتين، فإذا قارنا أوضاعه بالأوضاع الأخرى لكان فى هذا اختلاف لم يأذن به الله ولا يُعد جزءاً من الإسلام القياسى.

والقرآن الكريم هو كلام الله المرتبط بين دفتى المصحف مبدوءاً بالفاتحة ومختوماً بالمعوذتين، وهو فى الحجم يأخذ كتاباً وسطاً، فإذا قارنا ذلك بتفاسير القرآن التى لدينا بدءاً من الطبرى من القرن الرابع ونهاية بسيد قطب فى القرن الرابع عشر لتملكنا العجب لأن كلاً من هذه التفاسير فى عشرة مجلدات أو أكثر طبقاً للطبعات الموجودة عن كل منها، ومعروف أن الرسول لم يفسر من القرآن إلا قرابة ثلاثين آية، ولم يطالب الصحابةُ الرسول بتفسير كما لم يطالب التابعون الصحابة بتفسير، فكيف إذن نفسر وجود هذه المجلدات الضخمة عن التفسير؟.. فمن أين جاء المفسرون بهذه المادة التى حشوا بها تفسيراتهم؟.. والحل أن المفسرين أدخلوا فيما ادعوه تفسيراً كل ما كان ذائعاً بين بنى إسرائيل من بقايا كتبهم البائدة، كما أباحوا لأنفسهم إثبات أحاديث ضعيفة أو موضوعة والاستدلال بأبيات من الشعر ركيكة ومنحولة، وبهذه المادة استطاعوا أن يملأوا مجلداتهم، فإذا قارنا القرآن القياسى بهذه التفاسير اتضح أننا نفهم القرآن عبر خرافات وإسرائيليات ونقول شائعة وما إلى ذلك كله مما لا يمت إلى القرآن بصلة قريبة أو بعيدة.

قد يقولون إذا لم نقرأ هذه التفاسير، فكيف إذن نفهم القرآن؟.. فنرد عليهم بكلام الله تعالى «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ»، وأن الأمر ليس كما فهموا، فالقرآن الكريم منزل من الله تعالى الذى خلق البشر ويعلم حق العلم، كيف يتفاعل البشر وأن الأمر ليس أمر قراءة أو معلومة، وحتى الأمى يتأثر ويتفاعل مع القرآن، لأن الله أنزل آيات من القرآن مشفرة تتفاعل مع النفس البشرية كما تتفاعل الأذن مع سماع الموسيقى دون حاجة إلى معلومة أو دراسة وإنما بمجرد الانطباع، وهذا من رحمة الله بالبشرية.

وهذا كله يعود إلى أن الصيغ القرآنية لها طبيعة تتفاعل مع الوجدان البشرى دون حاجة إلى تفسير أو بيان، فكما أن الذى يستمع إلى سيمفونية لبيتهوفن ينفعل بها بمجرد سماعه لها دون حاجة إلى تفسير أو بيان أو شرح فكذلك الذى يستمع إلى الآيات القرآنية يجد أن هذه الآيات تجذبه نحو الإسلام جذباً، ومن ناحية أخرى فإن القرآن يساعدهم على الفهم وذلك بأنه يكرر المعانى مرة بعد أخرى ويعرضها فى قوالب متعددة وأنه يشرح ما أجمله فى ناحية بتفصيل فى ناحية أخرى وأن من ألف القرآن يعرف أن له لغته الخاصة به التى يتجاوب معها عندما يتلو أو عندما يسمع، وأخيراً فإن القرآن يشرح قيمه ومعانيه العظيمة فى قصار سوره مثل «العصر - والإخلاص»، وأنه ليس من المهم أن يلم الإنسان بكل ما جاء فى القرآن، فحسبه آيات تزوده بالقيم المطلوبة وتهديه سواء السبيل، وقد تحير عمر بن الخطاب من كلمة «وَأَبًّا» هذا والله هو التكلف.

(2) النسخ: من أعجب ما تطرق إلى العقيدة الإسلامية فكرة النسخ فى القرآن الكريم، وإنما قلنا إن هذا أمر عجيب لأن فكرة الله تعالى فى الإسلام لا تماثلها فكرة أخرى، وهى تستبعد تماماً أى إثارة لنسخ يحتمل أن تعرض له لأنه الكمال كله والحقيقة كلها، فلا يتصور معه مثل هذا، وإنما يمكن أن يتصور مع آلهة الديانات الأخرى، كما أن القرآن الكريم هو آخر ما يتصور حدوث تغيير أو تبديل به وإنما يحدث التغيير والتبديل نتيجة الاختلاف ما بين تاريخ نزوله وتاريخ كتابته، وهذا ما لم يحدث للقرآن الذى كان الرسول ينادى أحد كتبة الوحى ليكتب هذه الآية فى المكان الفلانى من السورة الفلانية وقت نزولها، فلا يكون هناك مجال للخلاف، وقد حدث هذا الخلاف فى الإسلام فى السُـنة، إذ حدث التدوين بعد 150 سنة من الهجرة.

وليس أدل على تهافت دعوى النسخ من الخلاف الكبير فى عدد الآيات المزعوم نسخها، فقد وصل بها بعض المفسرين إلى خمسمائة بينما انخفض البعض بها إلى اثنتين وعشرين آية، واجتهد البعض فى جعلها آيتين أو ثلاثاً، وذهبنا نحن إلى انتفاء النسخ بالكلية، وإنما أوقع الفقهاء فى مأزق النسخ أمران:

الأول: أنه تبادر إلى أذهانهم أن الإسلام إنما أنزل لهم ولعهدهم ووجدوا أحكاماً مختلفة لحالات واحدة فحسب ذلك يقتضى أن ينسخ حكم الآية الأخيرة حكم الآية الأولى وأن هذا أمر سائغ فى الشرائع ولا ينقص من قيمتها، والحكمة الخافية التى دقت على أفهامهم هى أن القرآن إنما أنزل لكل العهود ولكل العصور ولكل الأجناس من البشر وأن تعدد الأحكام للحالة الواحدة إنما يمثل درجة من الخيار للمفسر، فتؤثر على درجة إعماله لهذا الحكم أو ذاك تبعاً لما تقتضيه المصلحة الأفضل.

فالقضية قضية بدائل كما جاء فى سورة النحل ونصها «وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ»، وليست قضية نسخ ولكل واحد يتمسك بآية أن يعملها ولا يرد عليه بأن هناك آية أخرى مختلفة، لأن القرآن لا يضرب بعضه بعضاً ولكن يكمل بعضه بعضاً.

والثانى: نص الآية (106) من سورة البقرة «مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ»، فاعتبروا أن كلمة آية هنا تعنى النص القرآنى، وصحيح أننا نقول آية كذا ونعنى بها نصاً قرآنياً، ولكن القرآن يختلف فلا يأتى القرآن بآية آية إلا بمعنى واحد لا يختلف وهو المعجزة أو القرينة، وقد جاءت الكلمة ثمانين مرة فى القرآن كلها بلا استثناء بهذا المعنى، وإذا كان القرآن الكريم يريد بها هذا المعنى فلا يحق لنا أن نخالفه ونعنى بها معنى آخر.

ولاحظ بعضهم أن السُـنة تنسخ القرآن، فدل ذلك على أن فهمهم للنسخ يتجاوز نسخ آية لآية وإنما نسخ آية بحديث، وعندما استبعد الشافعى أن تنسخ السُـنة القرآن ثار عليه فريق من الشافعية أنفسهم وحاولوا أن يتأولوا كلامه أو أن يفتئتوا عليه، وهذا ما يوضح عظم منزلة النسخ لديهم وأنه حتى السُـنة قاضية على القرآن، وبهذا المعنى يكون لهم حق عندما قالوا «جهلت النسخ هلكت وأهلكت»، وهكذا نرى أن الإسلام القياسى ينقذنا عندما نرى آيات متعددة ولكن حكمها مختلف رغم أن ظاهر الحال قد يوحى بغير ذلك.