أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - إقليم كوردستان أسير الصراعات الحزبية: حين يُرهن مصير الوطن في غرف مغلقة














المزيد.....

إقليم كوردستان أسير الصراعات الحزبية: حين يُرهن مصير الوطن في غرف مغلقة


وهاب شاه محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 14:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بين عشية وضحاها، استيقظ المواطن في إقليم كوردستان على واقع مألوف في مرارته، غريب في عبثيته؛ حيث تحولت الدوائر الرسمية ومؤسسات الدولة إلى ساحة خاوية بقرار حزبي فوقي. من المدير العام وحتى نائب رئيس الوزراء، طُلب من الجميع تعليق مهامهم ومقاطعة الدوام، لا لشيء سوى لفرض إرادة حزبية صِرفة بعيدة كل البعد عن هموم الشارع واحتياجاته اليومية.
هذا المشهد يعيد طرح السؤال الأوليّ المؤلم: هل هؤلاء المسؤولون هم في خدمة الشعب والوطن، أم أنهم مجرد أدوات طيعة تُدار بالريموت كنترول، أشخاص ليس لديهم أي قرار شخصي، تابعون للحزب حتى العظام وخالون من أي إرادة شخصية وحرة ذات طابع وطني، تملى توجيهاتهم من مقار الأحزاب؟
المفارقة الأكثر إيلاماً تكمن في أن رموز هذا القرار وأبطاله تلقوا تعليمهم في عواصم العالم الغربي المتقدم، حيث الديمقراطية وسيادة القانون وفصل السلطات هي مقدسات لا يمكن المساس بها. لكنهم، وبمجرد عودتهم لممارسة السلطة، أصرّوا على إدارة المشهد بعقليّة أيديولوجية متخلفة وعقلية قبائلية وعائليّة زعامية وحزبية ضيقة، من تلك السائدة في مجتمعات العالم الثالث كالسودان والصومال، اللتين تكتويان بنار الصراعات العسكرية والحزبية منذ عشرات السنين؛ عقلية تتلخص في قاعدة واحدة: "الحزب أولاً، والدولة والناس خلف الحدود".
أين الشعب والبرلمان في معادلة القرار؟
وهنا يبرز التساؤل الدستوري والأخلاقي الأهم: هل يعقل ومن المنطق اتخاذ قرار بهذه الخطورة والمساس بمستقبل كيان بأكمله دون الرجوع إلى القضاء والبرلمان والشعب؟
أين الشعب وأين دوره في هذه المعادلة السياسية؟ ألم ينتخب المواطنون هؤلاء المسؤولين عبر انتخابات يروجون لها ليل نهار في إعلامهم التابع على أنها "حرة ونزيهة"؟ إن ما يحدث اليوم يكشف زيف هذه الشعارات؛ فالانتخابات تُستغل فقط لإعطاء شرعية شكلية، بينما تُصادر الإرادة الشعبية فور إغلاق صناديق الاقتراع. يُهمّش البرلمان ويُغيب القضاء، وتُتخذ القرارات المصيرية في الغرف المغلقة بعيداً عن أي رقابة أو محاسبة قانونية، وكأن صوت المواطن كان مجرد "شيك على الأبيض" يمنح الأحزاب حق التلاعب بمصيره ومستقبل أجياله كما تشاء.
الخطر الأكبر: كيان غير مستقل في مهب التفكك
وما ضاعف من فدامة هذه السياسات هو الطبيعة الجيوسياسية الهشة للإقليم؛ فالكيان الكردي ليس دولة مستقلة ذات سيادة كاملة ومعترف بها دولياً، بل هو مجرد "إقليم" داخل حدود دولة مركزية، وهذا بحد ذاته يمثل الخطر الأكبر والدافع الأكثر إلحاحاً لتجنب أي عبث داخلي. فالكيانات غير المستقلة التي تُدار بمنطق المحاصصة والصراعات الحزبية تكون أسرع عرضة للتآكل والتفكك الداخلي عند أول هزة سياسية، لكونها تفتقر إلى مظلة السيادة المطلقة والحصانة الدولية التي تحمي الدول المستقلة.
مواطن بلا حول ولا قوة
إن المتضرر الأكبر من هذا العبث المستمر هو المواطن العادي، المغلوب على أمره، الذي لا ذنب له سوى أنه يعيش في جغرافيا تُدار بمنطق "الكانتونات" والتقاسم الحزبي. تتجمد معاملاته، وتتعطل مصالحه، ويهتز أمنه المعيشي والنفسي، دون أن يكون له أي صوت أو دور في تقرير مصيره. إنه ليس سوى ورقة ضغط رخيصة في صراعات كسر العظام بين قطبين لا يهزهما أنين جائع ولا يأس شاب يفتقد أبسط مقومات العيش الكريم.
وما يزيد الطين بلة هو وجود قوات عسكرية وأمنية تابعة لتلك الأحزاب. وحين تمتلك الأحزاب السلاح إلى جانب النفوذ السياسي، تتحول الدولة شكلياً إلى مجرد واجهة هشّة، وتصبح الأحزاب هي الآمر الناهي. هذا الانفصام التام بين القيادة والشارع يجعلك تشعر حقاً أن هؤلاء القادة يعيشون على كوكب آخر، منفصلين تماماً عن الواقع المؤلم الذي يكتوي بناره المواطن كل يوم.
شبح التاريخ وخطيئة التكرار
إن الذاكرة الجمعية للكرد ليست بعيدة عن المآسي. فالتاريخ القريب يحمل في طياته جراحاً عميقة عندما أدت الصراعات السياسية البينية والصفقات الخارجية إلى خسارة أجزاء غالية من الوطن، وتحويل مناطق بأكملها إلى أثر بعد عين، ليصبح استعادتها اليوم ضرباً من المستحيل. والأسوأ من ذلك كله، هو أن نرى التاريخ يُعاد كتابته اليوم بالدقة ذاتها، وكأن شيئاً لم يكن.
إن أخطر ما في هذا المشهد هو أنه يُقدّم هدية مجانية على طبق من ذهب للقوى الإقليمية المتربصة. تلك الدول التي لا تريد لهذا الكيان أن يرى النور، وتعمل ليل نهار على تقويضه وتفكيكه، لا تحتاج إلى بذل جهد عسكري؛ فحسبها أن تترك هذه الطبقة السياسية تدمر الجبهة الداخلية بنفسها، وتفتح الأبواب واسعة أمام التدخلات الخارجية تحت مسميات مخادعة.
إلى متى يبقى مصير الأجيال الحالية والقادمة رهيناً لمزاجية أشخاص ذات نفوذ مطلق وعوائل ضيقة ومجموعات تعيش في عالمها الخاص لا يهمهم سوى البقاء على كراسي السلطة؟ إن استمرار هذا النهج العبثي لا يقود سوى إلى كارثة وجودية كبرى تبتلع ما تبقى من مكتسبات.
إن الأوطان لا تُبنى بسياسات الإقصاء وشلل المؤسسات، ولا تُحرس بالولاءات الحزبية الضيقة. وحدها الصحوة المجتمعية، والضغط الشعبي الواعي لفرض فصل الحزب عن الدولة وتوحيد المؤسسات الأمنية والخدمية تحت راية الوطن الواحد، هي السبيل الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل ألا ينفع الندم.



#وهاب_شاه_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جذور الأنفال وإبادة الإيزيديين: هل هي امتداد تاريخي لفلسفة ا ...
- المعضلة الكردية: بين سياسات الاستبداد المركزي وثغرات القانون ...
- خسارة ترامب في الانتخابات النصفية: نقطة تحول أمنية وسياسية ف ...
- المشهد الإعلامي والسياسي الكردي: من أسر -الحزبية- إلى أفق ال ...
- تداعيات دخول سوريا إلى حلف مكة على الكرد من خلال الخطط الترك ...
- سوريا على مفترق الطرق: بين استحقاقات التغيير وصراعات المحاور
- ماذا بعد إلقاء السلاح، هل تتغير سياسة تركيا تجاه الكرد؟
- هل نحن أتباع الوطن أم الوطن تابعٌ لنا؟
- زلزال ما بعد هزيمة نتنياهو: خريطة التحولات الإقليمية والجيوس ...
- قراءة نقدية في إشكالية النسخ وتعدد التأويلات
- توم باراك وتركيا وصفقات الدولة العميقة
- دين السلطة أم سلطة الدين: قراءة نقدية في تسييس العقائد وتأثي ...
- برميل بارود أوروبا: أزمة فرنسا المعيشية كمرآة لتصدع القارة و ...
- هل يمثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة فرصة نوعية للكرد؟
- العشائر وسياسات الهدم الديموغرافي: قراءة في جذور التاريخ
- التطهير أم الإصلاح؟ أيهما يبني دولة المؤسسات وينقذ إقليم كرد ...
- عملية السلام مع أنقرة ليست إلا سراب ومصيدة لتذويب وإخضاع الك ...
- هل يُمكن تكرار عمليات الأنفال في ظل وجود التكنولوجيا الحديثة ...
- كيف تحول الأحزاب السياسية الإعلام الكردي إلى هندسة للقطيع؟ & ...
- خطورة الميليشيات المسلحة على مستقبل الدولة والمجتمع في العرا ...


المزيد.....




- إصابة 64 شخصًا جراء تصادم قطارين في مصر
- هجوم كراكوف.. الضحايا مواطنو روسيا وبريطانيا والنمسا وألماني ...
- إيران: أي جهة تتعاون مع واشنطن وتهددنا ستصبح هدفا مشروعا لنا ...
- مشاهد اشتعال ناقلة نفط ثالثة في مضيق هرمز
- -بوليتيكو-: -الناتو- يبحث عن 7 مليارات يورو إضافية لتسليح أو ...
- بريطانيا تحيي ذكرى ضحايا الحربين العالميتين
- الحوثيون يعلنون عن عمليات عسكرية نوعية نفذت اليوم في العمق ا ...
- السيسي: مصر لن يكفيها إلا أن يكون لديها 10 آلاف مجدي يعقوب
- أقدم دليل أثري على استخدام القنب في طقوس التضحية بسيبيريا
- إصابة أكثر من 60 شخصاً في انقلاب قطار بمصر


المزيد.....

- جون ميرشايمر - فخ الحروب الثلاثة الذي وقع فيه ترامب / زياد الزبيدي
- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - إقليم كوردستان أسير الصراعات الحزبية: حين يُرهن مصير الوطن في غرف مغلقة