أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - دين السلطة أم سلطة الدين: قراءة نقدية في تسييس العقائد وتأثيرها على الحريات الفردية















المزيد.....

دين السلطة أم سلطة الدين: قراءة نقدية في تسييس العقائد وتأثيرها على الحريات الفردية


وهاب شاه محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 12:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


على مر التاريخ الإنساني، ظلت الأديان تشكل المحرك الأكبر للتحولات الكبرى، سواء في بناء الحضارات أو في فرض الهيمنة والتوسع. وبينما شهدت المنظومات الدينية الكبرى مسارات متباينة في تكييف نفسها مع الحداثة وحقوق الإنسان، يظل النقاش محتدماً حول طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، ومدى تأثير التشريعات العقائدية على تفاصيل الحياة اليومية للأفراد وحرياتهم الشخصية.
مسارات متباينة: من الوصاية إلى الخصوصية والتطور الحضاري
شهد العالم المسيحي، بعد حقب طويلة من الصراعات والتحولات السياسية والاستعمارية التي طالت الأمريكيتين وإفريقيا وأجزاء واسعة من العالم، انعطافة تاريخية كبرى أفرزتها تحولات عصر التنوير والثورات الفكرية. أفضت هذه المسارات تدريجياً إلى فصل المؤسسة الدينية عن الدولة، وتحويل الديانة إلى فضاء روحي وثقافي واجتماعي بعيد عن القوانين المدنية الملزمة.
وفي مختلف الحضارات والشعوب الأخرى التي تبنت قيم الحداثة، شكّل الاعتراف بالحريات الفردية وحرية الضمير، وتحرير المرأة من قيد الوصاية الذكورية والمجتمعية، الركيزة الأساسية للنهضة العلمية والاقتصادية والاجتماعية. فعندما نالت المرأة حقوقها الكاملة في التعليم، والمشاركة السياسية، والاستقلال المالي والجسدي، وتساوت مع الرجل أمام القوانين المدنية، تضاعفت طاقات المجتمع وأبدعت مجتمعاتهم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والفنون، متجاوزةً التخلف الفكري والجمود التاريخي لتتحول إلى دول متقدمة تقود مسيرة العصر الحديث.
في المقابل، يبرز نموذج "الإسلام السياسي" بوصفه امتداداً لمنهجية تاريخية استندت إلى تداخل السلطة بالدين؛ وهي المنهجية التي أُرست جذورها الأولى وسط ملابسات معقدة رافقت وفاة النبي محمد. يبرز ذلك في السرديات التي تشير إلى اجتماع أبي بكر وعمر وعدد من المهاجرين في سقيفة بني ساعدة وانشغالهم بترتيبات السلطة والاستحواذ عليها بعيداً عن قرار المسلمين جميعاً، في وقت غاب فيه أبو بكر عن النبي في أصعب أوقات حياته وأيامه الأخيرة وهو يحتضر، رغم ما يُقال عن قربه منه، وغاب مع عمر عن مراسم الدفن والعزاء وتجهيز النبي، إضافة إلى غياب ابنتيهما (زوجات النبي عائشة وحفصة) عن تلك المراسم والمواقف الحرجة.
وتؤكد الروايات والنصوص التاريخية أن هذا الانقسام أفرز احتداماً سياسياً غير مسبوق، توج بخروج السيدة فاطمة الزهراء إلى المسجد النبوي في جمع من نسائها لتلقي "الخطبة الفدكية" الشهيرة. جاءت الخطبة احتجاجاً مباشراً على طريقة البيعة لأبي بكر والانشغال بالسلطة، وعلى منعها من إرث أبيها (ومنها أرض فدك) استناداً إلى حديث "إنا لا نورث"، ودفاعاً عن حق الإمام علي بن أبي طالب في الخلافة. وقد وجهت الزهراء من خلالها عتاباً لاذعاً للأنصار والمهاجرين لتخليِهم عن نصرة أهل البيت، واستخدمت تعبيرات بليغة من بينها قولها استنكاراً: "أحملوها على ظهوركم", في إشارة بليغة إلى تحمل أوزار وتبعات الانحراف عن الإرادة النبوية. وتصاعدت الخلافات لتصل إلى محطات مأساوية دامية، أبرزها حادثة الهجوم على دار فاطمة وما رافقها من تداعيات أدت، بحسب المصادر المؤيدة لهذا الطرح، إلى وفاتها بعد أسابيع متأثرة بجراحها وفقدانها لجنينها ("محسن").
وتُعد هذه الأحداث المحطة التأسيسية الفعلية لنشوء ظاهرة "الإسلام السياسي"؛ حيث تحول الدين جذرياً من رسالة روحية وأخلاقية تنظم علاقة الإنسان بخالقه إلى أداة سياسية وعسكرية بحتة للاستيلاء على الدول، وفرض الهيمنة، وإجبار الشعوب على الدخول في الدين بالقوة والسيف بعيداً عن إرادتهم الحرة وقناعاتهم الشخصية.
جمع المصحف والتوزيع الأولي للمناصب: صراعات النص والسلطة
ولم تقف مسارات التشكيل السياسي عند مرحلة السقيفة، بل امتدت لتشمل عهد الخلافة الثالثة؛ حيث تشير القراءات النقدية إلى قرار عثمان بن عفان بحرق المصاحف والنسخ الأخرى التي كانت بحوزة كبار الصحابة والتجميع على نسخة واحدة أصبحت المصحف المعتمد رسمياً. يرى نقاد ومؤرخون أن هذا الإجراء، الذي صحبه حظر ومنع للنسخ الأخرى وما قد تحتويه من قراءات أو اختلافات، كان خطوة سياسية لتوحيد السلطة الدينية والسيطرة على النص الرسمي وإغلاق باب الاجتهادات المتعددة.
كما ترافق ذلك مع سياسات اقتصادية وسياسية أثارت احتجاجات واسعة في ذلك العصر، تمثلت في إسناد الولايات والمناصب الكبرى لأقربائه وبني أمية، وتوزيع أموال بيت المال على المقربين والمؤيدين له، مما عمّق الفجوة الطبقية والسياسية وأدى في نهاية المطاف إلى اندلاع الاضطرابات الكبرى والاحتجاجات التي انتهت بمقتله، ليرسخ ذلك مبدأ التداخل بين المصالح السياسية والمؤسسة الدينية.
حراس الجمود: المؤسسات الدينية كعائق أمام التطور
تقف المؤسسات الدينية ورجال الدين والأئمة اليوم كإحدى أبرز العقبات أمام التطور الحضاري والانعتاق الفكري للشعوب؛ إذ يعمل هذا الجهاز المنبري بانتظام على إعادة فرض قوانين وطقوس وثقافة تشكلت في بيئة بدوية وجغرافية وسياسية تعود لألف وأربع مئة عام خلت. وعلى الرغم من الانقلاب الشامل في مجريات العصر والعلوم وطبيعة الحياة البشرية اليوم، تُصر هذه المؤسسات على إجبار المجتمعات المعاصرة على الامتثال القسري للأنماط الذهنية ذاتها.
إن الإصرار على فرض تلك التشريعات والأعراف التاريخية على الحياة اليومية للأفراد، تحت تهديد النبذ الاجتماعي والتكفير، يمثل محاولة لإلغاء الفوارق الزمنية والبيئية الهائلة بين العصر الحديث والعصور القديمة. هذا الإكراه لا يكتفي بإعاقة النمو الاقتصادي والتكنولوجي والاجتماعي، بل يجمد الفرد داخل حلقة مغلقة من الانصياع الأعمى لما يُلقى عليه يومياً، مما يحول بين الشعوب وبين التفاعل الحر والمتكافئ مع منجزات الحضارة الإنسانية.
الإسلام السياسي المعاصر: اختراق المجتمعات المفتوحة وعزل المهاجرين
ولم تقتصر تحركات "الإسلام السياسي" على المجتمعات الشرقية، بل امتدت نشاطاته إلى بلدان المهجر والدول غير الإسلامية؛ حيث تعمدت تيارته ومؤسساته استغلال القوانين المدنية، ومساحات حرية الاعتقاد، والتسامح الديمقراطي للتوسع الأفقي. وتجلى ذلك في التوسع السريع لبناء شبكات من المساجد والمراكز الإسلامية في الأحياء والمدن والغرب، ليس فقط كدور للعبادة، بل كمراكز توجيه أيديولوجي وسياسي.
يُمارس عبر هذه الشبكات ضغطٌ يومي لحشد المهاجرين والمسلمين داخل تلك المساجد، وعزلهم عن محيطهم الجديد بدلاً من تعزيز حرية التفكير والقرار الفردي خارج الأطر الدينية الضيقة. تهدف هذه الاستراتيجية إلى إعاقة الاندماج الحقيقي للأفراد في المجتمعات والدول التي هاجروا إليها واستقروا فيها، وإبقائهم داخل "غيتوهات" فكرية وثقافية تحت التهديد المعنوي، لضمان استمرار تبعيتهم للمشروع الأيديولوجي وحرماتهم من التمتع بنمط الحياة المدني والحضاري المتاح لهم.
الحريات الفردية واستبداد الوصاية على النساء: مفارقة التقدم والجمود
إن انعكاس هذه المنظومات السلطوية والتنفيذية على الحياة اليومية للفرد يتجلى في فرض هيمنة شاملة تشمل أدق الخيارات الشخصية؛ من الملبس والمأكل والمشرب، وصولاً إلى قمع حرية التعبير والتفكير النقيض، وترهيب الأفراد بخطر الخروج عن الدين أو الاتهام بالردة.
وفي الوقت الذي انطلقت فيه الأمم الأخرى نحو آفاق التقدم العلمي والمعرفي بفضل تحرير العقل وتمكين الفرد والمرأة، يبرز التناقض الصارخ في المجتمعات التي ما زال قطاع واسع منها حبيساً لأنماط معيشية واجتماعية تعود لـ ألف وأربع مئة عام. وتتضاعف هذه القيود بشكل صارم ومباشر على حياة المرأة، حيث حُجم دورها واستقلاليتها عبر منظومة تشريعية واجتماعية تقوم على مفهوم "القوامة الذكورية"، مما منح أولياء الأمور والرجال سلطة واسعة في التقدم للوصاية عليها، وتحديد خيارات زواجها ومصيرها الشخصي، وسلب إرادتها وحقها في تقرير حياتها بملء حريتها. كما تتجسد هذه الفوارق الهيكلية في مجالات الحقوق المدنية والقانونية، مثل تنصيف شهادة المرأة أمام القضاء مقارنة بشهادة الرجل، والتقليص من نصيبها في الإرث والتوزيع المالي، وهو ما يكرس نموذجاً ثابتاً من عدم المساواة الاجتماعية والحقوقية.
نحو أفق إنساني جديد
إن التحدي الأكبر أمام المجتمعات المعاصرة يكمن في إعادة الاعتبار للإنسان، فرداً وحراً، وتخليص الفضاء العام من الهيمنة الأحادية والوصاية الفكرية والدينية. إن بناء مجتمعات تسودها العدالة واحترام حقوق الإنسان يتطلب بالضرورة فصلاً واضحاً بين القيم الروحية العليا وبين السلطة السياسية والتشريعية، لضمان أن تكون الكرامة الإنسانية وحرية الضمير والمساواة الكاملة هي الأساس الذي تُبنى عليه الحياة المشتركة.



#وهاب_شاه_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- برميل بارود أوروبا: أزمة فرنسا المعيشية كمرآة لتصدع القارة و ...
- هل يمثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة فرصة نوعية للكرد؟
- العشائر وسياسات الهدم الديموغرافي: قراءة في جذور التاريخ
- التطهير أم الإصلاح؟ أيهما يبني دولة المؤسسات وينقذ إقليم كرد ...
- عملية السلام مع أنقرة ليست إلا سراب ومصيدة لتذويب وإخضاع الك ...
- هل يُمكن تكرار عمليات الأنفال في ظل وجود التكنولوجيا الحديثة ...
- كيف تحول الأحزاب السياسية الإعلام الكردي إلى هندسة للقطيع؟ & ...
- خطورة الميليشيات المسلحة على مستقبل الدولة والمجتمع في العرا ...
- متى ستعتذر كل من بريطانيا وفرنسا للكورد؟
- صمت الضمير العالمي: من إبادة اليهود والأرمن إلى عمليات الانف ...
- صمت الضمير العالمي: من إبادة اليهود والأرمن إلى محارق الأنفا ...
- مصداقية تصريحات ترامب: عندما تتحول السياسة إلى شعارات عابرة ...
- العراق وسيناريو الانهيار الممنهج:
- تصريحات مسرور بارزاني في -فاينانشال تايمز-: قراءة نقدية في ه ...
- أقنعة الأمم المتحدة: عندما تُسقط -استعراضات الغضب- مصداقية ا ...
- الأنفال وتسييس الدين: صمت العالم وتواطؤ المصالح في إبادة الك ...
- الهجرة والدولة المدنية: بين الاندماج المستدام ومخاطر الهندسة ...
- توحيد البيشمركة.. بين الاستحقاق القومي والفرصة الأخيرة
- المعادلة المثلثة: واشنطن والرياض وتل أبيب في مواجهة خطر الحو ...
- عندما يتقاطع اليسار السويدي مع الإسلام السياسي


المزيد.....




- كيف أصبحت -إيش كوديش- جزءًا من دائرة أوسع من العنف ضد الفلسط ...
- روسيا تتوعد اليابان برد قاس على تزويد أوكرانيا بالمسيرات
- العراق.. إجراءات قانونية بحق -مؤثرة- على خلفية محتوى -مخالف ...
- 10 سنوات سجنا لوزير جزائري وعقوبات تصل إلى 20 سنة للمتهمين ف ...
- أيزنكوت يتعهد: لن أخدم تحت نتنياهو حتى في اتفاق تناوب
- تطبيق ChatGPT يحصل على ميزة جديدة لحماية خصوصية البيانات
- مصر.. كاميرات المراقبة ترصد لحظة انهيار مروع لعقار في الإسكن ...
- الدفاع التركية تعلن توقيع مذكرة -بدر- مع قطر وإندونيسيا وباك ...
- الجيش الروسي يواصل التقدم في زابوروجيه ويحرر بلدتين
- إصابة جنديين سوريين خلال قيامهما بنزع ألغام من مخلفات النظام ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - دين السلطة أم سلطة الدين: قراءة نقدية في تسييس العقائد وتأثيرها على الحريات الفردية