أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - كيف تحول الأحزاب السياسية الإعلام الكردي إلى هندسة للقطيع؟ ​بقلم: وهاب شاه محمد















المزيد.....

كيف تحول الأحزاب السياسية الإعلام الكردي إلى هندسة للقطيع؟ ​بقلم: وهاب شاه محمد


وهاب شاه محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 01:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الوقت الذي تُقاس فيه قوة الشعوب بمدى قدرتها على بناء مؤسسات إعلامية احترافية تنقل قضاياها العادلة إلى الرأي العام العالمي، يشهد المشهد الإعلامي على امتداد أجزاء كردستان انتكاسة هيكلية حادة؛ إذ تحول القطاع الإعلامي التابع للأحزاب الحاكمة والمهيمنة في مختلف أجزاء كردستان من "سلطة رابعة" مفترض بها حماية المجتمع وكشف الحقائق، إلى ماكينات حظر وتوجيه مغلقة تُدار بعقلية الاستبداد، والمحسوبية، والإملاءات الفوقية.
من ثنائية "نحن وهم" إلى تصنيع الأعداء في الشارع الكردي
لم يكن فشل هذا الإعلام الحزبي الكردي في الوصول إلى العالم ونقل المعاناة التاريخية للشعب الكردي مجرد مصادفة أو نقص في التمويل؛ بل هو نتيجة طبيعية لانغلاقه في ثنائية حادة "نحن وهم" (In-group vs. Out-group). إن الخطاب القائم على تصوير الحزب كـ "الملاك والمخلص الوحيد" والخصم كـ "الشر مطلق"، هو خطاب تبشيري موجه للداخل الكردي فقط، يفقد أدنى درجات المصداقية أمام المنصات الدولية والمؤسسات الحقوقية.
والأدهى من ذلك، هو أن المنظومات الحزبية في جميع الأجزاء احتصت تكتيك "صناعة العدو الداخلي"؛ فتحولت رماح الإعلام نحو الشريك الكردي في الوطن أو الحزب المنافس، لتصويره كـ "خطر وجودي" يتجاوز في خطورته الأعداء الخارجيين والأخطار الإقليمية المحيطة بالقضية الكردية. هذا "العدو المجهز مسبقاً" يُسحب من الأدراج الإعلامية الحزبية في كل مرة تواجه فيها السلطة الحزبية أزمة خدمية أو تنظيمة، لتشتيت انتباه الشارع الكردي وشيطنة كل صوت يطالب بالشفافية بتهمة "التآمر والخدمة لأجندات خارجية".
هندسة التخويف وبناء "القطيع المطيع"
تعتمد الماكينات الحزبية الكردية في مختلف الأجزاء الكردستانية في سلب إرادة المواطن على استراتيجية تاريخية مستعارة من أدبيات الترهيب والترغيب: الترهيب بـ "جحيم المؤامرات وضياع المكاسب القومية" لمنع أي تفكير نقدي، والترغيب بـ "المكافآت الحزبية والمناصب" لكل من يظهر الولاء المطلق للقيادة.
إن هذه البيئة القائمة على الخوف والتعقيدات التعمّدية في الحياة اليومية للمواطن الكردي (أزمات المعيشة المتكررة، تعطل الخدمات، والضغط الأمني الحزبي) تهدف في جوهرها إلى نقل المجتمع إلى حالة من "العجز المكتسب"؛ حيث ينشغل المواطن بتأمين قوت يومه وبديهيات عيشه، ليتنازل طوعاً عن حريته ومساءلته للمنظومة الحاكمة. وهكذا، تُستبدل المواطنة الواعية بالانقياد الشامل، ويتحول الشارع إلى مجتمع مشلول الإرادة يُقاد كـ "القطيع" تحت تأثير المخاوف المصنوعة.
مسرحية الصراع ونفاق المحاصصة والمصالح
وفي مقابل هذا الشحن الإعلامي الحاد الموجه للجماهير الكردية عبر الشاشات والقنوات التابعة للأحزاب المتنافسة، تكشف التغذية الاستقصائية للواقع عن نفاق سياسي صارخ؛ فالأحزاب المتصارعة إعلامياً هي ذاتها التي تتوافق خلف الكواليس وفي الغرف المغلقة على تقاسم الإيرادات، الثروات، توزيع السلطة، واقتسام كعكة الاقتصاد والنفوذ. إن الصراع الإعلامي ليس إلا مسرحية لإبقاء القواعد الشعبية في حالة استقطاب، بينما تحمي هذه القوى نظام "المحاصصة" الذي يضمن استمرار مصالحها العائلية والحزبية.
البنية العائلية واحتكار القرار الإعلامي
إن هذا الإعلام الحزبي الكردي في الأجزاء كافة ما هو إلا مرآة وطبق الأصل للبنية التنظيمية التي بُنيت عليها السلطات والأحزاب الحاكمة؛ سلطة تأسست على المحسوبية، العلاقات العائلية، والعشائرية، أو التوليفات الأيديولوجية المغلقة، وليس على أساس الكفاءة والعلم والنزاهة.
لا يمكن صياغة أو بناء إعلام حقيقي وناجح دون الاعتماد الصارم على الكفاءات المستقلة، النزاهة الأخلاقية، وأسس الإعلام العلمي الحديث. والمأساة هنا تكمن في أن المكاتب السياسية والقيادات الحزبية هي التي تقرر وتملي ما يجب نشره أو حجبه في هذه الماكينات الإعلامية، مما جعلها منبراً للبروباغاندا والتبرير بدلاً من أن تكون منصة احترافية تنقل آلام ومعاناة الشعب الكردي وتضحياته النبيلة إلى الرأي العام العالمي والمحافل الدولية.
في هذه القنوات الحزبية، يُستبعد الصحفي المهني الكردي الشريف صاحب الفكر النقدي لأنه يُصنف كـ "عنصر غير مضمون"، ليصعد بدلاً منه "أهل الثقة" والولاء المطلق ممن يجيدون تطبيق الإملاءات الشفهية والتطبيبل للقيادات. ولأن خروج أي صحفي عن طاعة "الخط الحزبي" يُصنف فوراً كـ "خيانة للقضية" تُقابل بالعقاب الوظيفي والأمني القاسي، فقد أُجبر الإعلاميون على ممارسة "الرقابة الذاتية المطلقة"، ليتحول الإعلام إلى صحافة إنشائية فارغة فاقدة للروح والمصداقية.
سقوط الاحتكار في زمن العولمة والتقنية
غير أن هذا التكتيك الاستبدادي الممتد لعقود في كافة أجزاء كردستان بات اليوم يصطدم بفرامل التاريخ؛ فاليوم، وبفضل العولمة الفائقة، والتطور التقني السريع، والانفتاح على وسائل الإعلام العالمية الحرة الناطقة بمختلف اللغات، لم يعد بمقدور الماكينات الحزبية الكردية في أي جزء من كردستان الاستمرار في النهج القديم نفسه.
لقد انكسر احتكار الحقيقة، وأصبح المواطن الكردي في مختلف الأجزاء يمتلك نافذة مباشرة يستطيع من خلالها مقارنة رواية حزبه بالواقع الدولي المفتوح. لم يعد ممكناً خداع الشعب الكردي واستغلال تضحياته ومقدراته بالأساليب ذاتها التي مُورست لعشرات السنين خدمة للمصالح الشخصية والعائلية والحزبية الضيقة؛ فالوعي التكنولوجي العابر للحدود أطاح بجدران التضليل، وأسقط قدرة السلطة على الحجب والإملاء الشفهي.
جائحة غياب الإعلام الحر: تجريف الفكر والأجيال
إن الخطر الأكبر لا يقف عند حدود التضليل السياسي المرحلي، بل يتعداه إلى تجريف كامل للبنية الحضارية والفكرية للمجتمع الكردي. إن غياب إعلام كردي حر ومستقل يترك آثاراً كارثية وعواقب وخيمة على المستويات كافة:
العلمي والفكري: يُغيب الخطاب العلمي الرصين وحرية البحث والنقد، لتُستبدل العقلية التحليلية بثقافة التلقين والانقياد، مما يعطل الفكر والعقل الكردي ويحرمه من مواكبة التطور العلمي العالمي.
الاقتصادي والبيئي: يُحجب الإفصاح عن ملفات الفساد والتنمية المستدامة، مما يحرم المجتمع من تخطيط اقتصادي علمي سليم ويُكرس التبعية والفقر.
السياسي والإداري: يُشل العمل المؤسساتي والحوكمة الرشيدة، ليصبح التعيين والإدارة قائمين على الولاء الحزبي بدلاً من الكفاءة، مما يؤدي إلى انهيار كفاءة المؤسسات الخدمية والسياسية.
المستقبل والأجيال الكردية: تكمن المأساة الكبرى في الجيل الحاضر والأجيال القادمة؛ حيث يُنشأ الشاب الكردي في بيئة مشوهة تُعلي من شأن المحسوبية وتُحارب الإبداع، مما يزرع اليأس والاغتراب داخل الوطن ويحرم الأمة الكردية من طاقتها الشبابية الحية التي ينبغي أن تبني المستقبل.
كلمة أخيرة
إن الاستثمار في إبقاء الناس في حالة خوف وعوز مستمرين، وتحويل الإعلام الكردي إلى بوق لحماية العائلات والأحزاب الحاكمة في كل أجزاء كردستان، قد يحقق حماية وقتية للطبقة المتنفذة، ولكنه يقود المجتمع ونشاطه القومي والوطني إلى جدار مسدود. إن التحرر الحقيقي لن يبدأ إلا عندما يعي الفرد الكردي أنه ليس مجرد رقم في قطيع حزبي، وأن الحرية والكرامة والعدالة هي جوهر الوطنية الحقيقية، وليست الولاء للأشخاص والكيانات المستبدة.



#وهاب_شاه_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خطورة الميليشيات المسلحة على مستقبل الدولة والمجتمع في العرا ...
- متى ستعتذر كل من بريطانيا وفرنسا للكورد؟
- صمت الضمير العالمي: من إبادة اليهود والأرمن إلى عمليات الانف ...
- صمت الضمير العالمي: من إبادة اليهود والأرمن إلى محارق الأنفا ...
- مصداقية تصريحات ترامب: عندما تتحول السياسة إلى شعارات عابرة ...
- العراق وسيناريو الانهيار الممنهج:
- تصريحات مسرور بارزاني في -فاينانشال تايمز-: قراءة نقدية في ه ...
- أقنعة الأمم المتحدة: عندما تُسقط -استعراضات الغضب- مصداقية ا ...
- الأنفال وتسييس الدين: صمت العالم وتواطؤ المصالح في إبادة الك ...
- الهجرة والدولة المدنية: بين الاندماج المستدام ومخاطر الهندسة ...
- توحيد البيشمركة.. بين الاستحقاق القومي والفرصة الأخيرة
- المعادلة المثلثة: واشنطن والرياض وتل أبيب في مواجهة خطر الحو ...
- عندما يتقاطع اليسار السويدي مع الإسلام السياسي
- الكرد بين تآكل المؤسسات الداخلية وتحولات المعادلة الدولية
- الأمازيغ والشعوب المغلوبة وحقيقة الحضارة: قراءة نقدية في الق ...
- بغداد والمحكمة الاتحادية: لعبة سياسية أم خنجر مسموم في ظهر ك ...
- الاستفتاء للدولة الكردية: عندما غلّبت المصالح الشخصية على ال ...
- حلف مكة الدفاعي: هندسة الجيوسياسة الإقليمية في زمن ما بعد ال ...
- من العقيدة إلى الأيديولوجيا: كيف اختطفت السياسةُ الدينَ وقاد ...
- كيف تحول حلم الدولة الكردية إلى رهينة للسلطة والمصلحة الحزبي ...


المزيد.....




- رويترز: تركيا تقدم دعما دفاعيا وتقنيا للسعودية في مواجهة الح ...
- إعلام: الدعم السعودي يشجع الجيش السوداني على رفض مقترحات اله ...
- جدل سياسي في أنقرة بسبب اتفاق مكة.. قوات كوماندوس وطيارون أت ...
- الحيتان الجنوبية الصائبة تعود إلى جنوب أفريقيا وتجذب الزوار ...
- ترامب يفتح الباب أمام ضربة جديدة على إيران.. البنتاغون يجهّز ...
- الجيش السوداني يرفض التفاوض مع قوات الدعم السريع.. البرهان: ...
- حرب المطارات.. السعودية تعلن تدمير منصة إطلاق صواريخ بالستية ...
- -نجاح تاريخي- ـ ألمانيا تلقي القبض على أحد أبرز قادة مجموعة ...
- ترامب -يغازل- جائزة نوبل للسلام ويتعهد بإنهاء الحرب التاسعة ...
- اليمن.. العليمي يعرض العفو والأمان على مسلحي الحوثي ويحدد هد ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - كيف تحول الأحزاب السياسية الإعلام الكردي إلى هندسة للقطيع؟ ​بقلم: وهاب شاه محمد