أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - الأنفال وتسييس الدين: صمت العالم وتواطؤ المصالح في إبادة الكرد















المزيد.....

الأنفال وتسييس الدين: صمت العالم وتواطؤ المصالح في إبادة الكرد


وهاب شاه محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 09:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة: الجريمة المنظمة وإلغاء الوجود
لم تكن "حملات الأنفال" العسكرية التي شنها النظام البعثي القومي في العراق عام 1988 مجرد رد فعل عسكري عابر أو إجراء أمني محلي في إطار النزاعات الإقليمية، بل كانت عملية إبادة جماعية (Genocide) شمولية ومخطط لها بعناية فائقة. استهدفت الحملة اقتلاع مجتمع كامل من جذوره ومحو وجوده الديموغرافي والجغرافي والثقافي عبر ثماني مراحل عسكرية متتالية، استخدمت فيها الدولة كافة إمكانياتها العسكرية والإدارية والإعلامية للوصول إلى هدف واحد: التصفية الجسدية والتغيير الديموغرافي الشامل.
تجلت بشاعة هذه الجريمة في الانضباط الصارم والمثير للدهشة للمؤسسات العسكرية والأمنية العراقية؛ إذ أظهرت تلك المؤسسات انصياعاً كاملاً وتنفيذاً دقيقاً للأوامر الصادرة من القيادات العليا، والتي قضت بنقل مئات الآلاف من المدنيين الكرد العزل — من أطفال ونساء وشيوخ — ودفنهم أحياء في مقابر جماعية شاسعة بصحاري الجنوب والغرب العراقي (مثل نُقرة السلمان وغيرها)، دون أن تُسجل حالة رفض أخلاقي أو تمرد ذاتي تُذكر داخل تلك المنظومة.
أولاً: تسييس النص الديني لشرعنة التطهير العرقي
في خطوة ذات دلالة أيديولوجية خبيثة، اختار النظام تسمية "الأنفال" — وهي سورة قرآنية تناولت أحكام الغنائم وإدارة الصراع في صدر الإسلام — ليطلقها رسمياً على حملات التطهير العرقي. لم يكن هذا الاختيار مجرد مصادفة لغوية، بل كان توظيفاً أيديولوجياً ممنهجاً يهدف إلى:
إسباغ الشرعية الدينية (Bestowing Religious Legitimacy): تحويل عملية الإبادة إلى "جهاد مقدس" لإقناع المنفذين بأنهم يخوضون معركة لحماية "دار الإسلام" والوحدة الوطنية.
تجريد الضحية من إنسانيتها (Dehumanization): إظهار الكرد المسلمين بمظهر "الخارجين عن الدين" أو "العصاة"، مما أتاح التعامل مع المدنيين وممتلكاتهم وقراهم وأراضيهم كـ "غنائم حرب" تُستباح شرعاً وقانوناً.
رفع الحرج الأخلاقي: توجيه العقيدة العسكرية نحو إلغاء التعاطف الإنساني مع الضحايا، وتبرير التدمير الشامل لأكثر من 4,000 قرية كردية ومحو معالمها بالكامل.
ثانياً: الأنفال والسياق التاريخي للإباديات الجماعية (المقارنة الحقوقية)
عند قراءة الأنفال في أطُر التاريخ الحديث، يتضح أنها تقف في محاذة الجرائم الكبرى ضد الإنسانية؛ إذ تحمل ذات الأركان والمنهجية التي شُهدت في إباديات تاريخية فارقة:
الهولوكوست (Holocaust): على غرار الإبادة الجماعية لليهود على يد النازيين الألمان خلال الحرب العالمية الثانية، اعتمد النظام البعثي على بياضات وإجراءات إدارية ومؤسسية صارمة، وتشييد مراكز تجميع وعزل للمدنيين، وتوظيف قطاعات الدولة وآلتها العسكرية لإعدام ومحو فئة سكانية محددة بناءً على الهوية القومية والعرقية.
الإبادة الأرمنية (Armenian Genocide): تتشابه الأنفال مع الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأرمن على يد السلطات العثمانية/التركية خلال الحرب العالمية الأولى، من حيث استخدام تغطية النزاعات العسكرية والحروب كغطاء لتنفيذ التهجير القسري، ومسيرات الموت، والتدمير الممنهج للقرى والمجتمعات التاريخية لإعادة تشكيل الديموغرافيا لصالح مشروع قومي شمولي.
ثالثاً: الشراكة الغربية والتواطؤ الدولي (أسلحة ومصالح)
تضع مأساة الأنفال وقصف حلبجة بالسلاح الكيميائي الأصبع على واحدة من أكثر المحطات قسوة في تاريخ العصر الحديث: تواطؤ الشركات والحكومات الغربية بغرض تحقيق المصالح الجيوسياسية والاقتصادية.
فلم تكن الآلة العسكرية البعثية لتصل إلى تلك القدرة الفائقة على الإبادة بالغازات السامة (مثل غاز الخردل والسارين) لولا التكنولوجيا والتسهيلات التي قدمتها عشرات الشركات الغربية (من ألمانيّة وهولنديّة وبريطانيّة وغيرها). لقد زودت هذه الشركات النظام بالتقنيات، والمفاعلات المجهرية، والمواد الكيميائية ذات الاستخدام المزدوج، بتغاضٍ وتسهيل غير مباشر من حكوماتها. فضّلت تلك الدول الحفاظ على المكاسب المالية لشركاتها وميزان القوى الجيوسياسي لضمان استقرار تدفق النفط واحتواء التحولات الإقليمية، على حساب المبادئ الأخلاقية والقوانين الدولية التي تحظر تسليح الأنظمة بالأسلحة المحرمة دولياً.
رابعاً: التعتيم الشامل في الإعلام العربي (من المشرق إلى شمال إفريقيا)
إلى جانب الصمت الدولي، لعب الإعلام العربي على اختلاف توجهاته الأيديولوجية — القومية والإسلاموية والإقليمية — دوراً شريكاً ومباشراً في حجب الجريمة وتضليل الرأي العام.
دور الإعلام المصري والخليجي: فرضت الأجهزة الإعلامية في دول الخليج العربي والشرق الأوسط، وفي مقدمتها المؤسسات الإعلامية المصرية المؤثرة، حظراً كاملاً على نشر أي أخبار تتعلق بالمجازر والمقابر الجماعية واستخدام الغازات السامة، استجابة للتوافقات السياسية والتحالفات الإقليمية في تلك الفترة.
إعلام دول شمال إفريقيا: اعتمدت الوسائل الإعلامية في دول شمال إفريقيا الخط الرسمي ذاته، إما بسبب الاصطفاف السياسي مع بغداد، أو تحاشياً لفتح ملفات حقوق القوميات والأقليات غير العربية في المنطقة.
التكذيب وشيطنة الضحية: لم يقتصر الأمر على الصمت، بل تعداه إلى صياغة خطاب هجومي يُكذب أدلة الإبادة، ويدّعي أن التقارير الغربية والحقوقية التي تتحدث عن المقابر الجماعية ليست سوى "دعاية صهيونية وغربية مغرضة تستهدف تشويه سمعة العرب والمسلمين". أدى هذا التجييش الموجه إلى عزل المظلومية الكردية تماماً عن الوعي الجمعي للشعوب العربية من الخليج إلى المحيط.
خامساً: الاستحقاق التكنولوجي والواجب التاريخي للأجيال
أمام هذا التاريخ المليء بالتعتيم والتزييف، لم يعد الواجب الملقى على عاتق الأجيال الكردية الحالية والقادمة يقتصر على مجرد التذكر العاطفي أو إقامة مراسم العزاء، بل تحول إلى مشروع عمل حقوقي وتوثيقي مؤسسي محترف.
إن استغلال أدوات الذكاء الاصطناعي، والتحليل الرقمي المفتوح المصدر (OSINT)، والتقنيات السحابية يُشكل اليوم سلاحاً استراتيجياً لمواجهة سياسات الإفلات من العقاب:
الأرشفة والترجمة العالمية: ترجمة آلاف الوثائق والشهادات الشفهية وصور المقابر الجماعية إلى اللغات الحية (الإسبانية، الإنجليزية، الفرنسية، وغيرها) وتوفيرها للباحثين والمؤرخين والمحاكم الدولية.
تتبع سلاسل التوريد: توثيق اسم كل شركة أو جهة ساهمت في تزويد النظام بالتكنولوجيا الكيميائية، وصياغة ملفات قانونية تُثبت "المشاركة غير المباشرة في الجريمة" (Complicity in Genocide).
تفكيك التضليل الإعلامي: أرشفة المقالات والصحف التي شاركت في التغطية على الجريمة وتفنيدها بالدليل المادي الموثق.
المقارنة الأكاديمية الحقوقية: إدراج الأنفال ضمن أدبيات الإبادة الجماعية العالمية، وربطها بالجرائم الكبرى في التاريخ الحديث — كـ الهولوكوست ضد اليهود والإبادة الأرمنية — لضمان حفر هذه المأساة في الذاكرة الإنسانية، وحماية المستقبل من تكرارها.



#وهاب_شاه_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهجرة والدولة المدنية: بين الاندماج المستدام ومخاطر الهندسة ...
- توحيد البيشمركة.. بين الاستحقاق القومي والفرصة الأخيرة
- المعادلة المثلثة: واشنطن والرياض وتل أبيب في مواجهة خطر الحو ...
- عندما يتقاطع اليسار السويدي مع الإسلام السياسي
- الكرد بين تآكل المؤسسات الداخلية وتحولات المعادلة الدولية
- الأمازيغ والشعوب المغلوبة وحقيقة الحضارة: قراءة نقدية في الق ...
- بغداد والمحكمة الاتحادية: لعبة سياسية أم خنجر مسموم في ظهر ك ...
- الاستفتاء للدولة الكردية: عندما غلّبت المصالح الشخصية على ال ...
- حلف مكة الدفاعي: هندسة الجيوسياسة الإقليمية في زمن ما بعد ال ...
- من العقيدة إلى الأيديولوجيا: كيف اختطفت السياسةُ الدينَ وقاد ...
- كيف تحول حلم الدولة الكردية إلى رهينة للسلطة والمصلحة الحزبي ...
- كردستان أمام عاصفة الانسحاب الأمريكي


المزيد.....




- العاهل السعودي يوجه بإطلاق اسم الملك المؤسس على جامع سيتم بن ...
- أطفال غزة لا يخشون سيارة الإسعاف هذه.. إنها -حافلة الأحلام- ...
- اكتشاف آلية تلف الأوعية الدموية في ألزهايمر
- موسكو: نظام كييف عاجز يعيله الدعم الغربي
- حكم الأغلبية في أمريكا – استبداد ونقص في الخبرة السياسية
- ضربات جوية على منشآت سرية في كييف تشلّ قيادة الجيش الأوكراني ...
- البرازيل تحظر المراهنات ذات الاحتمالات الثابتة
- -أوبن إيه آي- تكشف تسريب 53 صورة قدمها مستخدمون عبر وكلاء ال ...
- البيت الأبيض يستبعد CNN من مرافقة ترامب على الطائرة الرئاسية ...
- طريقة آمنة وفعالة لخفض ضغط الدم


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - الأنفال وتسييس الدين: صمت العالم وتواطؤ المصالح في إبادة الكرد