أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - من العقيدة إلى الأيديولوجيا: كيف اختطفت السياسةُ الدينَ وقادت المجتمعاتِ نحو الاستقطاب؟














المزيد.....

من العقيدة إلى الأيديولوجيا: كيف اختطفت السياسةُ الدينَ وقادت المجتمعاتِ نحو الاستقطاب؟


وهاب شاه محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 22:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



يُشكل السؤال عن طبيعة حركة "الإسلام السياسي" وعلاقتها بالعقيدة والمجتمع أحد أهم الأسئلة المحورية التي شغلت المفكرين والمتابعين للشأن السياسي في عقودنا الأخيرة. وعند العودة إلى التاريخ الممتد لنحو 1400 عام، نجد أن المجتمعات الإسلامية مارست طقوسها وشعائرها الدينية بحرية طوعية وبساطة اجتماعية دون قيود تُذكر؛ فالإيمان كان يشكل الإطار الروحي والأخلاقي الذي ينظم حياة الأفراد ويمنحهم السكينة، دون أن يتصادم مع شكل الدولة أو طبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية التقليدية.
ومع حلول القرن العشرين وبزوغ عصر التحضر والتصنيع، طرأت تغيرات عميقة على هيكلية الأسرة والمجتمع؛ إذ خرجت المرأة إلى التعليم وسوق العمل، ومارست دورها الطبيعي جنباً إلى جنب مع الرجل، كما كانت تفعل دائماً في مجتمعات الريف والإنتاج التقليدي. غير أن هذه التحولات الحديثة أثارت تخوفاً لدى بعض التيارات المحافظة ورجال الدين من فقدان السلطة الاجتماعية. ومن هنا، بدأت نواتات الحركات والأحزاب السياسية التي تتخذ من الدين عباءة لها، حيث عملت على تحويل "الدين كإيمان فردي روحي" إلى "أيديولوجيا سياسية شمولية" تسعى للسيطرة على الفضاء العام، وتنميط حياة الأفراد، وإعادة ترتيب المجتمع وفق خياراتها الحزبية.
لم تقتصر أدوات هذه الحركات على الطرح السياسي الصريح، بل اعتمدت بالأساس على آليات السيطرة النفسية والاجتماعية؛ وفي مقدمتها استغلال "لغة الترهيب والخوف الأخروي"، واحتكار مفاهيم النجاة والصلاح، وصياغة نمط حياة يفرض رقابة صارمة على الفكر والفردانية. وقد وجدت هذه الأيديولوجيات نفوذها الأولي في أحضان الطبقات الفقيرة والمهمشة عبر التكافل الاجتماعي وتغليف الفقر بقدسية دينية بدلاً من معالجة أسبابه الهيكلية. وما إن ثبتت أقدامها حتى امتدت إلى الطبقة الوسطى عبر الضغط الاجتماعي والمناسبات والسيطرة على النقابات المهنية، مما أدى إلى شلل هذه الطبقة وتحييد دورها التنويري التاريخي. وفي المقابل، أدى هذا التحول إلى إرباك الطبقة الغنية ورؤوس الأموال، بين خيار المسايرة والتحالف أو الهرب والاستثمار خارج الأوطان.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، التقاطعت مصالح هذه الجماعات مع سياسات بعض القوى الدولية والإقليمية التي رأت في التجييش الأيديولوجي سلاحاً فعالاً لمواجهة التيارات الوطنية والمدنية المطالبة بالاستقلال والسيادة. وأدى هذا التخادم المتبادل بين استبداد السلطات الفاسدة وأيديولوجيا الحركات الدينية إلى إدخال العديد من دول المنطقة في أزمات دموية وحروب أهلية، وتفتيت نسيج الدولة الوطنية الجامعة لصالح الاستقطابات المذهبية والطائفية الحادة.
ومع تصاعد الأزمات في بلدان المشرق وشمال إفريقيا، انتقلت هذه الحركات للعمل في بيئة المغترب ودول الغرب، مستغلةً القوانين المدنية وحريات الاعتقاد والتعبير المكفولة لتأسيس بنى تحتية ومؤسسات موازية. ورغم أن القوانين الغربية أُقرت لضمان كرامة الإنسان وحريته الفردية، إلا أن التيارات الأيديولوجية اتخذت منها مساحة لتشكيل مجتمعات موازية وأحياء مغلقة، مارست من خلالها الضغط النفسي والاجتماعي على أبناء الجاليات لمنع اندماجهم الطبيعي والمستقل في مجتمعاتهم الجديدة.
إن هذا التغير الديمغرافي والبصري والتراجع الملموس في كفاءة الخدمات العامة في بعض المدن الأوروبية، ولد في المقابل قوة مضادة تمثلت في صعود أحزاب اليمين القومي والتطرف المضاد، والتي باتت ترى في هذا التمدد تهديداً لوجودها وثقافتها وسيادة قوانينها المدنية. وكان ضحية هذا الاستقطاب المزدوج هو المواطن والمهاجر العادي الذي يسعى للعيش بسلام، وبناء مستقبله تحت مظلة القانون والعدالة.
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة وتجنب الصراعات المستقبلية يتطلب مواجهة فكرية وشجاعة معرفية تبدأ بـ تحديث وإصلاح المنتج التعليمي والمناهج الدراسية في العالم الإسلامي؛ عبر تنقيتها تماماً من الفكر الراديكالي والأيديولوجي الذي يُكرس التعصب والتخوين، وزرع مناهج التفكير النقدي والعلوم الحديثة وحقوق الإنسان. ويجب أن يرافق ذلك إعادة الدين إلى نصابه الروحي والأخلاقي والوجداني البحت كإيمان فردي وعلاقة سامية بين العبد وربه، وفصله التام عن التوظيف السياسي والحزبي. إن حماية أجيال المستقبل تنبع من ترسيخ "مفهوم الدولة المدنية الوطنية" القائمة على المواطنة الشاملة، وسيادة القانون، واحترام الحرية الفردية، ليكون الجميع سواءً أمام القانون بعيداً عن الاستبداد السياسي والأيديولوجي على حد سواء.



#وهاب_شاه_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف تحول حلم الدولة الكردية إلى رهينة للسلطة والمصلحة الحزبي ...
- كردستان أمام عاصفة الانسحاب الأمريكي


المزيد.....




- طائرة شحن تنحرف عن مسارها في مطار ميامي بالولايات المتحدة
- -خسائر فادحة في العتاد والأرواح-.. القوات الحكومية اليمنية ت ...
- إيران توضح طبيعة إصابات طياريها الأسيرين في قطر وتكشف عن طرق ...
- بعد تثبيت أحكام قضية -التآمر على أمن الدولة-: الاتحاد الأورو ...
- وزير أمريكي يربط بين التوصل لاتفاق نووي مع إيران بوصول إدارة ...
- البرهان يحدد ملامح المرحلة الانتقالية
- لأول مرة.. طهران تعلن اختبار صاروخ مضاد للمدمرات فوق سفينة ح ...
- المبعوثان الأمريكيان يأملان بإجراء مفاوضات ثلاثية بين موسكو ...
- هدم مسجد تاريخي في الهند يثير غضبا واسعا في باكستان واتهامات ...
- حديث عن زلزال سياسي في ألمانيا على وقع نتائج انتخابات ساكسون ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - من العقيدة إلى الأيديولوجيا: كيف اختطفت السياسةُ الدينَ وقادت المجتمعاتِ نحو الاستقطاب؟