أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - التطهير أم الإصلاح؟ أيهما يبني دولة المؤسسات وينقذ إقليم كردستان؟















المزيد.....

التطهير أم الإصلاح؟ أيهما يبني دولة المؤسسات وينقذ إقليم كردستان؟


وهاب شاه محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 22:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في قلب كل تحول تاريخي، وفي اللحظات الفاصلة التي تقف فيها الأمم على حافة الهاوية أو أعتاب النهضة، يطفو على السطح مصطلحان يحملان مصير الشعوب بين يديها: "الإصلاح" و"التطهير". وغالباً ما يدور النقاش السياسي في حلقة مفرغة حول أيهما يبدأ أولاً، وكأننا أمام مفاضلة بين دواءين لا يجتمعان.
لكن الحقيقة التي تثبتها التجارب الإنسانية أن بناء الدول لا يحدث بالصدفة، بل يتطلب فهماً دقيقاً للواقع وتحديد الجرعة الواجب استخدامها: متى نستخدم مشرط التطهير الاستئصالي، ومتى نبني هيكل الإصلاح المستدام؟
وفي مرحلتنا الراهنة، يقف إقليم كردستان العراق أمام هذا الاستحقاق المصيري متزامناً مع سيناريوهات إعادة انتشار أو انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي من العراق والإقليم، وهو تحول جيوسياسي يضع مسارات الإصلاح والتطهير واستقلالية القرار الكردي أمام اختبار وجودي غير مسبوق.
أولاً: التطهير.. الشرط البنيوي للنهوض في إقليم كردستان
في بيئة سياسية تعاني من إرث الثنائية الإدارية (أربيل والسليمانية) وتغلغل النفوذ الحزبي في مفاصل الحكم، يتحول الفساد وإهدار المال العام من حالات فردية إلى "نظام عمل موازي". في مثل هذه الظروف، يصبح الحديث عن إصلاحات إدارية مجرد استهلاك إعلامي ما لم تسبقه عملية تطهير (Purge / Cleansing) شاملة وحازمة.
العمق الاستراتيجي للمشرط الكردستاني: يشبه التطهير عملية إزالة الألغام من البنية التحتية للإقليم؛ فلا يمكن توحيد المؤسسات السيادية طالما أن هناك مراكز قوى حزبية وشبكات نفوذ تقتطع الإيرادات وتصنع "الوظائف الوهمية". التطهير هو الخطوة الشجاعة لكسر الاحتكارات، وإنهاء ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة، واستعادة هيئة القانون وثقة المواطن الكردي.
ضوابط العملية: يجب ألا يتحول التطهير إلى أداة للتصفية أو الصراع السياسي بين الأحزاب الرئيسية، بل يجب أن يخضع لمعايير قضائية ونزيهة تحمي المؤسسات ولا تشلها.
ثانياً: كلفة الفساد والانقسام على حيوية الإقليم والمواطن
إن الاستمرار في تعطيل عمليات التطهير والإصلاح في كردستان لا يهدد التجربة السياسية برمتها فحسب، بل يمتد أثره المباشر إلى يوميات المواطن ومستقبل الإقليم:
شلل المؤسسات وتأخر التوحيد:
القوات العسكرية والأمنية: يبقي الانقسام قوات البيشمركة مقسمة بين الوحدتين (70 و80) وتابعة للولاء الحزبي بدلاً من العقيدة الوطنية الموحدة تحت مظلة وزارة البيشمركة.
المالية والجمارك: يفتح غياب التطهير المالي الباب أمام تجزئة الإيرادات الداخلية بين المحافظات وتعدد المنافذ، مما يربك الخزينة العامة ويضعف الموقف التفاوضي للإقليم مع بغداد.
التأثير المباشر على معيشة المواطن الكردستاني:
أزمة الرواتب والخدمات: استشراء الفساد الإداري والمالي يلتهم ميزانيات التشغيل والتنمية، مما أدى إلى تكرار أزمات تأخر رواتب الموظفين والمتقاعدين وتردي الخدمات الأساسية.
البطالة وهجرة الشباب: محاباة النفوذ الحزبي في التوظيف تُفقد الشباب والأكاديميين الأمل في بناء مستقبلهم، مما يدفع العقول الشابة للتفكير المستمر في الهجرة.
ثالثاً: خروج القوات الأمريكية والتحالف.. التداعيات والامتحان الأخير للإصلاح
يُمثل احتمال أو بدء تقليص وانسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي من العراق والإقليم زلزالاً جيوسياسياً يعيد رسم خارطة التهديدات والفرص، وتكمن تداعياته على مساري التطهير والإصلاح في النقاط التالية:
فقدان الراعي والمحفز الخارجي للتغيير:
كانت القوات الأمريكية ودول التحالف تمثل "الضغط والغطاء الدبلوماسي والأمني" الذي يدفع الأحزاب الكردية بانتظام نحو توحيد قوات البيشمركة وتنفيذ إصلاحات هيكلية في وزارة الدفاع والمالية. خروج هذا الطرف قد يرفع غطاء الضغط الخارجي، مما قد يغري بعض مراكز القوى الحزبية بالتراجع عن التزامات التوحيد والعودة للسيطرة الحزبية المباشرة.
انكشاف الإقليم أمام الضغوط الإقليمية والمركزية:
غياب مظلة الحماية العسكرية الأمريكية المباشرة سيجعل الإقليم أكثر عرضة للضغط السياسي والعسكري من دول الجوار (تركيا وإيران) ومن الفصائل والحكومة الاتحادية في بغداد. هذا الانكشاف يعني أن الإقليم لم يعد يملك رفاهية الانقسام أو الفساد؛ فإما أن يُطهر مؤسساته ليبني جبهة داخلية تفرض احترامها، أو يتآكل من الداخل ويستسلم للضغوط والمحاصصة الإقليمية.
اختبار الإرادة الذاتية (من الدعم إلى الاعتماد على النفس):
يشكل انسحاب التحالف الاختبار الحقيقي والوحيد لمدى جدية القوى السياسية في الإقليم: هل كانت مساعي الإصلاح والتطهير مجرد "رضاوة ومداهنة" للغُرب لتأمين المساعدات، أم أنها قناعة إستراتيجية لبناء دولة مؤسسات قادرة على الصمود بذاتها؟
رابعاً: الإصلاح.. بناء دولة المواطنة والمأسسة المستدامة
حين تُزال عقبات الفساد وتنظف الأرضية الإدارية، ينطلق الإصلاح (Reform) كمعركة تنموية شاملة ومستمرة لا بديل عنها للاستمرار دون اعتماد كامل على الخارج.
البناء الفعلي لمستقبل كردستان: يتجسد الإصلاح في تحويل الإقليم من الاعتماد المفرط على اقتصاد الريع والنفط إلى اقتصاد متنوع (زراعي، صناعي، وسياحي).
الأتمتة والشفافية الرقمية: يُعد التحول الرقمي، وتطبيق نظام توطين الرواتب، وأتمتة المنافذ الحدودية، الركيزة الأساسية للشفافية؛ حيث تمنع التلاعب البشري وتضمن وصول الحقوق المادية لأصحابها دون وساطة حزبية.
خامساً: دروس من تجارب الشعوب.. بين النجاح والانزلاق
تستحضر تجارب الدول دروساً ملهمة تحاكي واقع الإقليم وتُحذره من سيناريوهات الفشل:
1. نماذج النجاح (الجرأة والأتمتة)
رواندا: استطاعت النهوض بعد انسحاب المجتمع الدولي وخلفيات الحرب الطاحنة من خلال تطهير مؤسسي صارم ضد الفساد، وتأسيس عقيدة وطنية تجمع ولا تفرق.
سنغافورة: أسست نهضتها عبر تطهير الأجهزة القضائية والأمنية، وإبعاد التعيينات عن أي انحيازات حزبية لصالح الكفاءة والنزهة.
جورجيا: قادت عملية أتمتة شاملة وتطهيراً جذرياً للإدارة، مما قطع شريان الرشوة بقرارات شجاعة.
2. نماذج الفشل (محاذير المحاصصة والاتكال)
لبنان: إن تكريس المحاصصة وتقاسم مؤسسات الدولة والمال بين الأحزاب مع الرهان على مظلات خارجية أدى إلى انهيار مالي واقتصادي أفرغ الدولة من سيادتها، وهو سيناريو يحذر منه إقليم كردستان بشدة.
سادساً: خارطة طريق لإنقاذ التجربة الكردستانية
لتجاوز عقدة الانقسام وتداعيات الانسحاب الخارجي، يتوجب العمل وفق مسارين متوازيين:
على المستوى الحكومي والمؤسسي:
التعجيل بتوحيد البيشمركة: دمج كافة القوات العسكرية والأمنية فوراً ضمن مظلة وزارتي البيشمركة والداخلية بعقيدة وطنية موحدة قبل استكمال أي انسحاب خارجي.
الشفافية الماليّة المطلقة: الاعتماد الكامل على الأتمتة والنظام البيومتري والأنظمة الرقمية في إدارة الجمارك والإيرادات والرواتب لقطع دابر الفساد.
استقلالية القضاء: تمكين هيئة النزاهة والإدعاء العام من محاسبة أي مسؤول دون النظر إلى انتمائه الحزبي.
على المستوى الشعبي والمجتمعي:
الضغط المدني الواعي: تعزيز دور منظمات المجتمع المدني والإعلام الحر والأكاديميين للضغط باتجاه حماية الكيان الدستوري من خلال الإصلاح.
التغيير عبر صندوق الاقتراع: ممارسة المواطن حقه الانتخابي كأداة محاسبة وتغيير حقيقي للبرامج والأحزاب السياسية.
ترسيخ الهوية الوطنية: تقديم معايير المواطنة والكفاءة على الولاءات الحزبية والمناطقية الضيقة.



#وهاب_شاه_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عملية السلام مع أنقرة ليست إلا سراب ومصيدة لتذويب وإخضاع الك ...
- هل يُمكن تكرار عمليات الأنفال في ظل وجود التكنولوجيا الحديثة ...
- كيف تحول الأحزاب السياسية الإعلام الكردي إلى هندسة للقطيع؟ & ...
- خطورة الميليشيات المسلحة على مستقبل الدولة والمجتمع في العرا ...
- متى ستعتذر كل من بريطانيا وفرنسا للكورد؟
- صمت الضمير العالمي: من إبادة اليهود والأرمن إلى عمليات الانف ...
- صمت الضمير العالمي: من إبادة اليهود والأرمن إلى محارق الأنفا ...
- مصداقية تصريحات ترامب: عندما تتحول السياسة إلى شعارات عابرة ...
- العراق وسيناريو الانهيار الممنهج:
- تصريحات مسرور بارزاني في -فاينانشال تايمز-: قراءة نقدية في ه ...
- أقنعة الأمم المتحدة: عندما تُسقط -استعراضات الغضب- مصداقية ا ...
- الأنفال وتسييس الدين: صمت العالم وتواطؤ المصالح في إبادة الك ...
- الهجرة والدولة المدنية: بين الاندماج المستدام ومخاطر الهندسة ...
- توحيد البيشمركة.. بين الاستحقاق القومي والفرصة الأخيرة
- المعادلة المثلثة: واشنطن والرياض وتل أبيب في مواجهة خطر الحو ...
- عندما يتقاطع اليسار السويدي مع الإسلام السياسي
- الكرد بين تآكل المؤسسات الداخلية وتحولات المعادلة الدولية
- الأمازيغ والشعوب المغلوبة وحقيقة الحضارة: قراءة نقدية في الق ...
- بغداد والمحكمة الاتحادية: لعبة سياسية أم خنجر مسموم في ظهر ك ...
- الاستفتاء للدولة الكردية: عندما غلّبت المصالح الشخصية على ال ...


المزيد.....




- مراسلة CNN تشرح ما نعلمه للآن عن تفتيش منزل إلهان عمر ضمن تح ...
- -أغنى رجل في العالم-.. كيف أصبح إيلون ماسك -أكبر متبرع للحزب ...
- هل توقف وساطة إيران التصعيد الحوثي السعودي؟
- الملكة رانيا: قلوبنا مع السعودية
- الخارجية الإيرانية: لا يمكن توقع المزيد من المرونة من طهران ...
- نوفاك: موسكو وواشنطن تتفاوضان على توريد الديزل الروسي إلى ال ...
- سجناء رومية في لبنان ينهون إضرابا عن الطعام والدواء دام 30 ي ...
- التحالف يعلن اعتراض وتدمير صاروخين باليستيين أطلقهما الحوثيو ...
- هجوم إلكتروني -غير مسبوق- يعطل أنظمة التبريد في مئات المتاجر ...
- بـــــــــــيـــــــــــــان تشكيل الأغلبية الحكومية


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - التطهير أم الإصلاح؟ أيهما يبني دولة المؤسسات وينقذ إقليم كردستان؟