أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - المعضلة الكردية: بين سياسات الاستبداد المركزي وثغرات القانون الدولي















المزيد.....

المعضلة الكردية: بين سياسات الاستبداد المركزي وثغرات القانون الدولي


وهاب شاه محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 18:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تُشكل المسألة الكردية واحدة من أكثر القضايا الجيوسياسية تعقيداً في العصر الحديث وأعمقها مأساوية. فهي تتلخص في وجود شعب أصيل يتجاوز عدده ما بين 40 إلى 50 مليون نسمة، وهو ما يجعله أكبر قومية في العالم تعيش بلا كيان سياسي مستقل (دولة قومية). لقد جرى تقطيع جغرافيتهم التاريخية وتوزيعهم قسراً بين دول تفتقر بمعظمها إلى الديمقراطية الحقيقية والمؤسسات المدنية والحضارية، لتتحول أرضهم التاريخية إلى ساحة صراع مفتوحة على الاستبداد الداخلي، والتواطؤ الإقليمي، والخذلان الدولي المستمر.
تكمن المفارقة الناصعة التي يعلمها العالم أجمع في أن الكرد -وعبر كامل تاريخهم الحديث والقديم ومنذ تأسيس هذه الدول الإقليمية- لم يسلبوا يوماً شبراً واحداً من أراضي الشعوب المجاورة، ولم يمارسوا النزوع التوسعي العدواني، بل كانوا على مر التاريخ عماداً ودعامة قوية لشعوب المنطقة في مواجهة الأخطار المشتركة ودفع الظلم ودحره. غير أن جزاء هذا الثقل الحضاري والتاريخي كان استمرار محاصرة طموحاتهم المشروعة وحرمانهم من حقوق المواطنة الأصلية.
1. جغرافية التمزق وأنظمة الاستبداد المركزي
تتوزع الأغلبية العظمى من السكان الأكراد بين الدول الأربع الرئيسية. وتتبنى هذه الدول -بدرجات تباين شكلي في الخطاب- أيديولوجيات قومية شوفينية أو أنظمة مركزية شمولية تتعامل مع "المسألة القومية" بمنظور أمني-عسكري بحت لا بمنظور حقوقي أو ديمقراطي:
في تركيا: خضعت السياسة لعقيدة المركزية الصارمة، وقُمِعت الهوية الكردية لعقود تحت مسميات إقصائية، وتم تجريم المطالب الثقافية والسياسية وملاحقة نواب الشعب وممثليه الأحزاب عبر آليات أمنية وقضائية مُسيسة.
في إيران: يرفض نظام المركزية المطلقة الدينية والقومية الاعتراف بالتعددية القومية، وتواجه المناطق الكردية قمعاً أمنياً مشدداً وإعدامات سياسية تهدف لإسكات أي حراك ثقافي أو مدني.
في سوريا: عانى الأكراد عقوداً من التهميش الممنهج وسلب الحقوق الأساسية وتجريد مئات الآلاف منهم من الجنسية (كما في إحصاء عام 1962 الجائر)، وصولاً إلى سياسات الحزام العربي وتغيير الديموغرافيا.
أما في العراق: فرغم استثنائية الفدرالية الدستورية لإقليم كردستان منذ عام 2005 وتأسيس تجربة حكم ذاتي، إلا أن النظام السياسي المركزي في بغداد لا يزال يمارس ضغوطاً مالية وسياسية وأمنية مستمرة تروم تقويض الفدرالية وإعادة تجميع السلطات.
2. هشاشة المواطنة وسياسة "الشك الدائم"
إن غياب المؤسسات المستقلة في هذه الأنظمة -وفي مقدمتها غياب القوانين المدنية والحضارية المستندة إلى المعايير الدولية، والقضاء النزيه، والأجهزة الأمنية المهنية، والاقتصاد التنموي العادل- لا يمثل مجرد خلل إداري أو تنظيمي، بل يتحول إلى أداة سياسية مُسيّسة تُبقي المواطن الكردي في حالة دائمة من الهشاشة والاضطهاد.
يُعامل الكردي داخل هذه الدول بوصفه "متهماً حتى تثبت براءته" ومواطناً من الدرجة الثانية، حيث تخضع المناطق الكردية لحرمان اقتصادي متعمد وتهميش في خدمات البنية التحتية والاستثمارات الحكومية. هذا التضييق المنظم يُلزم المجتمعات المحلية إما بالهجرة أو مواجهة أزمات معيشية حادة، مما يكرس شعوراً عميقاً بانعدام الأمان ووجود تهديد وجودي يستهدف الهوية والعيش الكريم.
3. معادلة "العداء والتضامن الإقليمي" ضد التطلعات الكردية
على الرغم من وجود خلافات عميقة وصراعات تاريخية وأيديولوجية دموية بين الدول التي تقاسمت كردستان (مثل الصراع العراقي-الإيراني الطاحن في الثمانينيات، أو التوتر السوري-التركي)، إلا أن الملف الكردي ظل دائماً بمثابة "الخط الأحمر" الذي يجبر هذه الأنظمة على تناسي أحقادها والاتحاد فوراً لإحباط أي مشروع حقوقي أو سياسي كردي.
ويبرز التاريخ الحديث شواهد ساطعة على هذا التضامن الأمني ضد الكرد:
اتفاقية الجزائر (1975): حين تنازل النظام العراقي عن حقوق مائية وسيادية في شط العرب لصالح شاه إيران، فقط مقابل إغلاق الحدود الإيرانية وتوجيه ضربة قاضية للثورة الكردية بقيادة مصطفى البارزاني.
اتفاقية أضنة الأمنية (1998): التي تحولت بموجبها دمشق من داعم ومحتضن لزعيم حزب العمال الكردستاني إلى شريك أمني مباشر لأنقرة يلاحق الأكراد لمنع أي تطلع قومي.
التكتل الإقليمي ضد استفتاء (2017): كشفت هذه المحطة بوضوح كيف اتحدت بغداد وأنقرة وطهران فوراً لمواجهة ممارسة ديمقراطية سلمية وعملية استشارية قانونية تعبر عن إرادة شعب وتنسجم مع مبادئ التعبير الحر والقوانين الدولية. فرُفِع الحصار المالي والعسكري والجوي المشترك لإجهاض هذا الحق الشرعي.
إن هذه المحطات تثبت أن توظيف الأنظمة للملف الكردي في صراعاتها البينية لم يكن يوماً اعترافاً بحقوق هذا الشعب، بل مجرد "تكتيك مرحلي" ينتهي لتعود تلك الدول إلى صف واحد متراص في مواجهة أي تطلع كردي مشروع.
4. المادة 51 والقانون الدولي: مظلة الأقوياء وسوط المستضعفين
تتجلى ذروة المأساة الكردية في توظيف النصوص القانونية الدولية ضد الشعوب غير المتمتعة بدولة. فـ المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي صُممت في الأصل لحماية الدول الأعضاء القائمة من العدوان الخارجي، جرى استغلالها وتطويعها ببراعة من قبل الأنظمة الإقليمية لتبرير عملياتها العسكرية العابرة للحدود وقصفها للمناطق الكردية بحجة "الدفاع عن النفس" و"مكافحة الإرهاب".
وهكذا، يجد المواطن الكردي نفسه محاصراً بمعادلة دولية ظالمة:
استبداد داخلي يحرمه من أبسط حقوق المواطنة والقوانين المدنية.
تكتل إقليمي يعطل حراكه ويخنق طموحاته التنموية والسياسية.
غطاء قانوني دولي ومزدوج يمنح الأنظمة الشرعية لسحقه وتدمير مناطقه تحت يافطة "سيادة الدول وحماية الأمن القومي".
الخلاصة والآفاق
إن المعضلة الكردية ليست نزاعاً حدودياً عابراً ولا ملفاً أمنياً طارئاً، بل هي أزمة بنيوية متجذرة في غياب الديمقراطية الحقيقية في الشرق الأوسط، وفي استمرار النظام الدولي في تغليب المصالح الأحادية للدول القائمة على حساب حقوق الشعوب المُستضعفة.
ورغم أن الكرد برهنوا عبر عقود من النضال على نبل مواقفهم وعدم اعتداءاتهم على حقوق الشعوب المجاورة، إلا أن الأنظمة الإقليمية تصر على إدارة التنوع بالحديد والنار والحلول العسكرية. إن التأسيس لاستقرار حقيقي ومستدام في المنطقة لن يتحقق إلا عبر كسر سياسات التهميش، والاعتراف الصريح بالحقوق السياسية والثقافية للشعب الكردي، والانتقال من عقلية "الشك والتخوين" إلى أطر المواطنة الكاملة أو تقرير المصير المكفول بالمواثيق الدولية.



#وهاب_شاه_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خسارة ترامب في الانتخابات النصفية: نقطة تحول أمنية وسياسية ف ...
- المشهد الإعلامي والسياسي الكردي: من أسر -الحزبية- إلى أفق ال ...
- تداعيات دخول سوريا إلى حلف مكة على الكرد من خلال الخطط الترك ...
- سوريا على مفترق الطرق: بين استحقاقات التغيير وصراعات المحاور
- ماذا بعد إلقاء السلاح، هل تتغير سياسة تركيا تجاه الكرد؟
- هل نحن أتباع الوطن أم الوطن تابعٌ لنا؟
- زلزال ما بعد هزيمة نتنياهو: خريطة التحولات الإقليمية والجيوس ...
- قراءة نقدية في إشكالية النسخ وتعدد التأويلات
- توم باراك وتركيا وصفقات الدولة العميقة
- دين السلطة أم سلطة الدين: قراءة نقدية في تسييس العقائد وتأثي ...
- برميل بارود أوروبا: أزمة فرنسا المعيشية كمرآة لتصدع القارة و ...
- هل يمثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة فرصة نوعية للكرد؟
- العشائر وسياسات الهدم الديموغرافي: قراءة في جذور التاريخ
- التطهير أم الإصلاح؟ أيهما يبني دولة المؤسسات وينقذ إقليم كرد ...
- عملية السلام مع أنقرة ليست إلا سراب ومصيدة لتذويب وإخضاع الك ...
- هل يُمكن تكرار عمليات الأنفال في ظل وجود التكنولوجيا الحديثة ...
- كيف تحول الأحزاب السياسية الإعلام الكردي إلى هندسة للقطيع؟ & ...
- خطورة الميليشيات المسلحة على مستقبل الدولة والمجتمع في العرا ...
- متى ستعتذر كل من بريطانيا وفرنسا للكورد؟
- صمت الضمير العالمي: من إبادة اليهود والأرمن إلى عمليات الانف ...


المزيد.....




- تحدّى إعاقته وجاب القارات السبع.. إليك قصة مسافر لا يعرف الم ...
- احتجاجات بنغلاديش تهدد إمدادات الملابس في أوروبا
- ترامب ينفي نيته استبدال هيغسيث
- الحوثيون: لا نستهدف المدينة المنورة وعملياتنا تقتصر على الأه ...
- خسارة ترامب الانتخابية تقرّب ميلوني من أوروبا
- السودان.. معارك طاحنة بين الجيش والدعم السريع في كردفان
- عبد العاطي وفيصل بن فرحان يبحثان جهود التهدئة في الشرق الأوس ...
- نصائح لحماية الطفل من الإدمان على الشاشات
- الملابس الداخلية الضيقة قد تهدد خصوبة الرجال
- -ترامب للشرق الأوسط: عليكم أنفسكم!- – مقال في وول ستريت جورن ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - المعضلة الكردية: بين سياسات الاستبداد المركزي وثغرات القانون الدولي