أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - سوريا على مفترق الطرق: بين استحقاقات التغيير وصراعات المحاور














المزيد.....

سوريا على مفترق الطرق: بين استحقاقات التغيير وصراعات المحاور


وهاب شاه محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 20:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


السقوط والظلام الاقتصادي
لم يكن السقوط المدوّي لنظام الاستبداد والبعث في سوريا مجرد حدث سياسي عابر، بل كان زلزالاً هيكلياً أطاح بمنظومة أمعنت عقوداً في التدمير الممنهج وإراقة الدماء واستنزاف مقدرات الوطن. غير أن تداعيات هذا المخاض العسير أفرزت واقعاً معيشياً واقتصادياً كارثياً يغرق الملايين في ظلام حالك وعوز غير مسبوق، حيث باتت عائلات بأكملها تكابد لشطف العيش والاكتفاء بوجبة واحدة يومياً. وهنا يبرز السؤال المصيري: هل هذا الظلام الاقتصادي هو وليد التغيير السياسي ذاته، أم إنه الحصيلة الحتمية لتركة إرث ثقيل من الفساد والخراب الذي تركته عقود الاستبداد والحروب؟
الغليان المعيشي والاختناق الاقتصادي
إلى جانب الهواجس السياسية والأمنية الكبرى، يبرز اليوم الواقع المعيشي المتردي ليشكل جحراً إضافياً يثقل كاهل الملايين من السوريين دون استثناء. فلم تعد الأزمة الاقتصادية مجرد ظلام كهربائي أو نقص في الخدمات، بل تحولت إلى غليان معيشي عارم بدأ يخرج إلى السطح في الآونة الأخيرة؛ حيث بات الارتفاع الجنوني لأسعار السلع الأساسية والمحروقات والمواد الغذائية فوق طاقة الاحتمال البشري. عائلات بأكملها تقف عاجزة أمام أبسط مقومات البقاء، في وقت تتسع فيه رقعة الفقر والجوع لتشمل مختلف المدن والمناطق السورية، مما يطرح التساؤل الملحّ حول جدوى أي تغيير سياسي ما لم ينعكس فوراً على رغيف الخبز وتأمين لقمة العيش الكريمة للمواطن.
الاستبداد والواقعية السياسية
في قراءة موضوعية لطبيعة النظام البائد، يتكشف بوضوح أنه لم يكن يوماً مؤسسة لإدارة دولة جامعة، بل منظومة سيطرة أمنية مطلقة رفضت أي مراجعة سياسية أو إنسانية لسياساتها الطائفية والقومية، مفضلة الهروب إلى الأمام واستخدام العنف المفرط وإنكار الأزمات. وحين تآكلت قدراته الذاتية، تخلت عنه حتى القوى التي طالما وفرت له غطاء الحماية العسكرية، لتجد روسيا نفسها مرغمة على سحب شريان الحياة والانخراط في تسويات واقعية تماشياً مع مصالحها الجيوسياسية المتغيرة، مبدلة ولاءات الأشخاص بحسابات الجدوى والواقعية السياسية (Realpolitik).
الهندسة الإقليمية والغربية
ولكن، أين تكمن المعضلة الكبرى اليوم؟ إنها تتمثل في طبيعة السلطة الجديدة التي تصدرت المشهد بقيادة أحمد الشرع (الجولاني) وجماعات ذات جذور راديكالية متشددة، والتي أُعيد تدويرها وصياغة واجهتها السياسية عبر هندسة أجهزة استخباراتية إقليمية ودولية دقيقة. لقد التقت مصالح تركيا—التي وظفت أداة ضغط اللاجئين لابتزاز أوروبا—مع حسابات إدارة ترامب ودول الخليج، لإنتاج "استقرار ساكن" يحقق أهدافاً أمنية واقتصادية واضحة: تأمين الحدود، قطع دابر النفوذ الإيراني والروسي، ومنع تدفق المهاجرين نحو القارة الأوروبية المتعبة. وأمام هذه الصفقات الكبرى، سقطت القيم الحقوقية والإنسانية في اختبارها الحقيقي، حيث آثرت الدوائر الغربية غض الطرف عن الانتهاكات عبر صمت ممنهج يخدم أولوياتها الأمنية.
المأساة الكردية
وهذا ما يظهر جلياً في المأساة المستمرة التي يعاني منها المكون الكردي؛ فالقوة التي خاضت أشرس الملاحم دفاعاً عن العالم بوجه الإرهاب، باتت اليوم الضحية الأبرز لسياسات التهجير القسري والتغيير الديموغرافي الممنهج، عبر اعتداءات تقودها عصابات مسلحة متشددة بتنسيق بين أنقرة ودمشق، بهدف كسر أي إرادة قومية تنادي بالشراكة والاعتراف الدستوري.
جبل الدروز، العلويون، والقوى العلمانية
وفي قلب هذا المشهد المأزوم، تبرز المخاوف والمواقف الدرزية المتقدمة في السويداء وجبل العرب كعلامة فارقة في التعبير عن رفض هذا الواقع؛ إذ تشكل احتجاجاتهم امتداداً لرفض قاطع لسياسات التجويع والتركيز الأمني ومحاولات فرض السيطرة والإخضاع عبر الغلاء الخانق. ولا يختلف حال المكون العلوي والقوى العلمانية والمدنية كثيراً؛ إذ تطالهم سياسات الإخضاع والتهميش الميداني في ظل محاولات مستمرة لفرض نموذج أحادي يلغي التعددية التاريخية والاجتماعية لسوريا، وسط مباركة إقليمية وصمت غربي مخجل.
اليوم، يقف السوريون بكل أطيافهم أمام منعطف تاريخي حاسم ومقلق. هل ستنجح هذه السلطة في العبور بالبلاد نحو بر الأمان وبناء دولة مواطنة دستورية تحترم التشريعات الدولية وحقوق الجميع؟ أم أن هذه البراغماتية الحالية ليست سوى "تقية سياسية" مرحلية، تنتظر اللحظة المناسبة لاكتمال التمكين وفرض الأيديولوجيات الراديكالية التي تربت عليها؟ إن الرهان على "حسن النوايا" الدولية أو الإقليمية هو رهان خاسر تماماً، فمستقبل سوريا لن تُصاغه غرف المخابرات أو الصفقات العابرة للحدود، بل بمدى وعي القوى الوطنية والمدنية والمكونات السورية كافة وقدرتها على توحيد صفوفها لفرض عقد اجتماعي حقيقي، يحمي التنوع، ويصون السيادة الوطنية، ويمنع استبداد نظام قديم بنسخة جديدة أكثر خطورة وقناعاً.



#وهاب_شاه_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا بعد إلقاء السلاح، هل تتغير سياسة تركيا تجاه الكرد؟
- هل نحن أتباع الوطن أم الوطن تابعٌ لنا؟
- زلزال ما بعد هزيمة نتنياهو: خريطة التحولات الإقليمية والجيوس ...
- قراءة نقدية في إشكالية النسخ وتعدد التأويلات
- توم باراك وتركيا وصفقات الدولة العميقة
- دين السلطة أم سلطة الدين: قراءة نقدية في تسييس العقائد وتأثي ...
- برميل بارود أوروبا: أزمة فرنسا المعيشية كمرآة لتصدع القارة و ...
- هل يمثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة فرصة نوعية للكرد؟
- العشائر وسياسات الهدم الديموغرافي: قراءة في جذور التاريخ
- التطهير أم الإصلاح؟ أيهما يبني دولة المؤسسات وينقذ إقليم كرد ...
- عملية السلام مع أنقرة ليست إلا سراب ومصيدة لتذويب وإخضاع الك ...
- هل يُمكن تكرار عمليات الأنفال في ظل وجود التكنولوجيا الحديثة ...
- كيف تحول الأحزاب السياسية الإعلام الكردي إلى هندسة للقطيع؟ & ...
- خطورة الميليشيات المسلحة على مستقبل الدولة والمجتمع في العرا ...
- متى ستعتذر كل من بريطانيا وفرنسا للكورد؟
- صمت الضمير العالمي: من إبادة اليهود والأرمن إلى عمليات الانف ...
- صمت الضمير العالمي: من إبادة اليهود والأرمن إلى محارق الأنفا ...
- مصداقية تصريحات ترامب: عندما تتحول السياسة إلى شعارات عابرة ...
- العراق وسيناريو الانهيار الممنهج:
- تصريحات مسرور بارزاني في -فاينانشال تايمز-: قراءة نقدية في ه ...


المزيد.....




- خامنئي لقادته العسكريين: رد فوري على أي تهديد -من دون قيود ج ...
- لغز زجاج كأس رومانية يحل بعد 1600 عام
- كيف أصبح الكلب باري أسطورة في سويسرا رغم نفوقه قبل قرنين؟
- طهران تصعد ضد الإمارات بشأن أزمة الجزر الثلاث
- الرئيس الفنلندي : الاتصال ببوتين جاء بطلب من أوكرانيا لفتح ق ...
- ترامب يقترح تولي إيلون ماسك منصبا رفيعا في -مهنة المتاعب-
- الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان تتعهد بنزع سلاح كو ...
- ترامب ينشر صورة تظهر غرينلاند كقاعدة جوية أمريكية
- الخرطوم تتهم أديس أبابا وأبوظبي بشأن هجمات المسيرات
- أردوغان يدعو لوقف الهجمات على السفن في البحر الأسود ويعلن مو ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - وهاب شاه محمد - سوريا على مفترق الطرق: بين استحقاقات التغيير وصراعات المحاور