أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - انتصار كامل جفلان الخشت - حين تُكسر المرأة بصمت














المزيد.....

حين تُكسر المرأة بصمت


انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .

(Dr. Entsar El-khash)


الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 02:54
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


بقلم: انتصار الخشت

ليست كلُّ الندوب مرئية، وليست كلُّ الجراح تنزف دمًا؛ فهناك جراحٌ تسكن الروح، وتترك في أعماقها شروخًا لا تراها العيون، لكنها تغيّر ملامح الحياة بأكملها.

قد تمضي امرأةٌ في الطريق بكامل أناقتها، تبتسم لمن تصادفهم، وتؤدي واجباتها كما لو أن العالم لم يمسّها بسوء، بينما تخفي خلف ملامحها الهادئة حكايةً لا يعرف أحدٌ كم كلّفتها من وجع. وربما كانت قد تعلّمت أن تُخفي انكسارها جيدًا، حتى صار الآخرون يظنون أنها لا تنكسر.

العنف ضد المرأة ليس يدًا تمتد بالضرب وحده، وليس صرخةً تعلو في غرفة مغلقة؛ فقد يبدأ بكلمةٍ تنتقص من قدرها، ونظرةٍ تُشعرها بالدونية، وقرارٍ يُتخذ نيابةً عنها، وحلمٍ يُسلب منها بحجة الخوف عليها، حتى تجد نفسها غريبةً عن حياتها، لا تملك من أمرها إلا الصمت.

هناك عنفٌ لا يترك كدمةً على الجسد، لكنه يترك أثرًا عميقًا في النفس؛ حين تُحاصر المرأة بالتهديد، أو تُبتزّ بمشاعرها، أو تُحمّل مسؤولية أخطاء لم ترتكبها، وحين يصبح حقها في الاختيار موضع اتهام، ويُقدَّم خضوعها على أنه فضيلة، واحتمالها للإهانة على أنه صبرٌ محمود.

والأشد قسوةً أن تتحول بعض البيوت، التي يُفترض أن تكون ملاذًا للأمان، إلى أماكن تخشى فيها المرأة وقع الخطوات، وتترقب نبرة الصوت، وتحسب كلماتها قبل أن تنطق بها. عندها لا يعود الخوف عارضًا يمرّ، بل يصبح جزءًا من تفاصيل يومها، ويغدو الاطمئنان أمنيةً مؤجلة.

وما يزيد الجرح عمقًا أن تُحاصر الضحية بأسئلةٍ لا تُوجَّه إلى من آذاها، بل إليها هي: لماذا صبرتِ؟ لماذا لم ترحلي؟ لماذا لم تتكلمي؟ وكأن المجتمع، بدلًا من أن ينظر إلى الجريمة، ينشغل بمحاكمة من وقعت عليها.

أيُّ عدالةٍ تلك التي تطالب المجروح بتبرير جرحه، وتترك اليد التي امتدت إليه دون مساءلة؟

إن المرأة ليست كائنًا خُلق ليكون تابعًا لإرادة أحد، ولا مساحةً مباحةً لتفريغ الغضب، ولا روحًا يمكن إخضاعها باسم الحب أو الزواج أو القرابة. لها حقٌّ أصيل في الكرامة والأمان والاختيار، ولا تمنحها هذه الحقوق منّةٌ من أحد؛ فهي حقوق لا تنتقص منها علاقة، ولا تسقطها رابطة، ولا تبرر انتهاكها خلافات الحياة.

ولعلّ أخطر ما يخلّفه العنف أنه لا يتوقف عند امرأةٍ واحدة؛ فهناك أطفالٌ يشاهدون، وذاكرةٌ تتشكل، وأجيالٌ قد تتعلم أن القسوة لغةٌ طبيعية داخل الأسرة، وأن الأقوى هو من يملك حق الإيذاء. وهكذا لا يصبح العنف حادثةً عابرة، بل ميراثًا مؤلمًا تتناقله النفوس ما لم يُكسر هذا المسار.

ليس المطلوب أن تكون المرأة بطلةً خارقةً حتى تستحق الاحترام، ولا أن تخوض معارك لا تنتهي لتثبت أنها جديرة بالحياة الكريمة. يكفي أنها إنسان، وأن إنسانيتها لا تقبل المساومة.

إن المجتمعات لا تُقاس بما تشيّده من مبانٍ، ولا بما ترفعه من شعارات، بل بما تصونه من كرامة الإنسان، وبما توفره للضعيف من حماية، وبما تفعله حين تتحول البيوت إلى أماكن للخوف بدلًا من السكينة.

وأتساءل: كم امرأةً تعيش بيننا وقد أتقنت إخفاء وجعها؟ وكم صوتًا خافتًا لم يجد من يصغي إليه؟ وكم حلمًا دُفن تحت وطأة كلمةٍ قاسية أو تهديدٍ متكرر؟

ربما آن الأوان أن نفهم أن الصمت ليس دائمًا علامة رضا، وأن الاحتمال ليس دليلًا على انعدام الألم، وأن المرأة التي توقفت عن الشكوى قد لا تكون قد تعافت، بل ربما فقدت الأمل في أن يسمعها أحد.

فالمرأة لا تحتاج إلى عالمٍ يمنحها الشفقة، بل إلى عالمٍ لا ينتزع منها حقها في الأمان والكرامة.

وما من مجتمعٍ يستطيع أن يدّعي الرقي، بينما تُكسر فيه امرأةٌ خلف الأبواب المغلقة، ثم يُطلب منها أن تخرج إلى العالم مبتسمةً، وكأن شيئًا لم يكن.



#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)       Dr._Entsar_El-khash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من القمر بقلم: إنتصار الخشت
- الذين مرّوا من هنا ولم يرحلوا بقلم: إنتصار الخشت
- الذين يوقظون الأسئلة بقلم: انتصار الخشت
- الطائر الذي أخطأوا قراءة جناحيه بقلم: انتصار الخشت
- يا ويلتي!
- حين يتعلّم العقل ولا يستيقظ الإنسان بقلم: انتصار الخشت
- المرأة التي لا يراها أحد
- ولي بين الحشا وطن بقلم: انتصار الخشت
- المرأة… حين تصير الحياة أكثر اتساعًا بقلم: انتصار الخشت
- حين يدنو الحنين بقلم: إنتصار الخشت
- المرأة… حين تكون الحكاية أكبر من العالم بقلم: انتصار الخشت
- وُلِدتُ هناك، وُلِدتُ هنا… حين تتوزع الروح بين مكانين قراءة ...
- صوت الليل بقلم: انتصار الخشت
- رأيت رام الله.. الذاكرة والمنفى واستحالة العودة الكاملة.
- قصيدةٌ تبحث عن شاعر بقلم: انتصار الخشت
- حين يصبح الأمان حقًّا لا مِنّة بقلم: انتصار الخشت
- اليوم العالمي للطفلة: نَسِيجُ الأَمَلِ بَيْنَ الشِّعَارَاتِ ...
- على هامش «أقولك إيه عن الشوق» بقلم: انتصار الخشت
- حين يُتْعِبُ ما لا يُرى بقلم: انتصار الخشت
- نربي إنسانًا أم نصنع متفوقًا؟ بقلم: انتصار الخشت


المزيد.....




- ألمانيا أمام احتمال انتخاب أول امرأة للرئاسة مع اتجاه الاتحا ...
-  القومي للمرأة يهنئ البطلة سندس سنبل لحصولها على الميدالية ا ...
- القومي للمرأة يناقش الحوكَمة ومبادئها وأهميتها في بيئة العمل ...
- القومي للمرأة ينفذ برنامجًا تدريبيًا لتعزيز مهارات التعامل م ...
- تقرير استخباراتي أمريكي يربط رئيس إنفيديا بعلاقة مع امرأة يش ...
- القومي للمرأة ينظم معارض لمنتجات المتدربات بمشاغله في خمس مح ...
- الناخبون في واشنطن يوافقون على حظر مشاركة المتحولين جنسيا بر ...
- الأمم المتحدة: 6400 امرأة حامل بين النازحين في اليمن وسط تده ...
- ناخبو ولاية واشنطن يقرون حظراً على مشاركة المتحولين جنسياً ف ...
- جريمة طعن تودي بحياة امرأة في الطيرة وحصيلة الضحايا بالداخل ...


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - انتصار كامل جفلان الخشت - حين تُكسر المرأة بصمت