أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - أبو غريب: 1ـ محكمة الثورة















المزيد.....

أبو غريب: 1ـ محكمة الثورة


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 02:53
المحور: الادب والفن
    


من رواية قيد العمل
1ـ محكمة الثورة
في أروقة المحكمة والسرداب
حين انحرفت السيارة بنوري نحو مجمّع سجن "أبي غريب"، لم يشعر أنه يطأ مكاناً غريباً، كان المجمع في عينيه حلقةً جهمة أُضيفت إلى سلسلة الحديد التي التفت حول معصميه منذ لحظة الاعتقال الأولى، وجداراً صلداً آخَر يُفرض عليه فوق جدرانٍ سبقتْه.

دخلوا محكمة "الثورة" عبر بابٍ ضئيلٍ عادي الملامح، من تلك الأبواب التي تُغفلها العين العابرة، لكنه كان يبتلع القادمين نحو درجاتٍ ضيقة تنحدر بهم في عتمة سردابٍ جاثم تحت جسد المحكمة. هناك، انفتحت أمامهم قاعةٌ واسعة، تصطف فيها مساطب خشبية تتزاحم عليها أجساد المعتقلين، بعضهم ينتظر نداء المحاكمة، وبعضهم يرقب النطق بالأجل. وعلى الحواف، انطوت أقبية وزنازين أقام فيها معتقلين شهوراً طوالاً، حتى استحال العفن والرطوبة نسيجاً متغلغلاً في أنسجتهم واجسادهم. وفي أحد الجدران الكئيبة، أُشرِع بابٌ جانبي يفضي إلى سلّمٍ يصعد إلى قاعة المحكمة. كان الجميع يطوون صدورهم على ذلك السر الذي يُهمَس به ولا يُقال:
مَن يُنادى اسمه ليصعد إلى الأعلى ثم لا يعود، فقد عبر من بابٍ آخَر خلف الكواليس... بابٍ لا يطأه آيبٌ أبداً، وكان ذلك يعني الموت شنقاً أو رصاصاً.

أُنزِل نوري مع من معه إلى قرار ذلك السرداب. كان المكان ينبض بالزحام، وبوجوهٍ كاسية بالصفرة أكلت شهور التحقيق القاسية كل قطرة دمٍ في عروقها. أبصر بين الزحام عوائل يتشبث بها أطفالها، فانقبض صدره بعصرةٍ مريرة لمشهدٍ يمارس انتهاكاً صارخاً لبراءة الطفولة في هذا المكان.
وهناك، انطلق الحراس في صنيعهم بألفةٍ آلية وخبرةٍ جهمة دون حاجةٍ للحديث:

الشيوعيون في زاوية، والإسلاميون في ناحية، وبقية الموقوفين في زاويةٍ ثالثة. حتى الخوف في ذلك النظام كان مفهرساً، يُصنَّف ويُودَع على رفوفٍ ممهورة بأختام السلطة.

ثلاثة أيام مرّت كأنها دهورٌ كَبَلت زنازين السرداب وأقبيته. لم يطأ ضوء النهار أعينهم، واستحال الزمن يُقاس برنين الأقفال الثقيلة وصداح الأسماء التي تقتطعها النداءات من أحشاء العتمة. كل اسمٍ يُجهَر به كان يخلّف خلفه صمتاً ثقيلاً مُتراصاً، وفي تجاويف ذلك الصمت كانت الأسئلة تتلاطم في الصدور دون أن تُخرج صيحة:
أيعود صاحبه؟ أم هي آخر أثارةٍ لنبضه يسمعونها؟ أم أنه بدأ الساعة شواطئ رحلةٍ لا عودة منها؟

وفي صبيحة اليوم الرابع، صرخت الأبواب على مصراعيها، وصُعِد بهم إلى قاعة المحكمة.

كانت القاعة أفسح ممّا توهم، صفوفٌ ممتدة من المصاطب الخشبية العارية تجثم أمامه، يجلس عليها مئاتٌ من رفاق المحنة تجاوزوا المائتين، ومع ذلك، كان الفراغ يتسع لفيالق أخرى، كأنما شُيّدت هذه الجدران صرحاً هائلاً لاستيعاب سيلٍ لا ينتهي من البشر... مجرد أرقامٍ تُساق لِتُطوى، وأسماؤها هي آخر ما يكترث له هذا المكان. ومَن بلغه النداء مضى نحو قفص الاتهام لِيواجه مقصلة الاستجواب.

ألقى نوري نظرةً خاطفة حول المكان.
في كل زاوية، انبتَّ رجال الأمن بانتظامٍ عسكري صارم، بزّاتهم الزيتونية حادة الحواف، وأسلحتهم متصلة بأكتافهم كأنها جزءٌ من تكوينهم الجسدي. وجوههم آلاتٌ صلدة، خالية من أي أثرٍ إنساني، لا هي تشي بغضب، ولا تلوح برحمة. وأجسادهم المتكتلة بعضلاتٍ مشدودة تحت القماش العسكري جعلت منهم مجرد أداةٍ صُمّمت بعناية لبث الذعر في نفوس كل مَن تقع عليه أبصارهم.
لم يكن ضخامة أجسادهم مصدر الخوف الحقيقي... كان الرعب كلّه يكمن في ذلك الفراغ الموحش والممتد في أحداقهم.

جلس نوري متوارياً بين صفوف الموقوفين، يترقب اللحظة التي يُلقى فيها اسمه في الهواء، كسائر مَن حوله، لا يملك من أمره ولا من نصيبه شيئاً.

وشاءت المصادفة أن يجلس إلى جواره رجلٌ عجز نوري عن استقراء ملامحه، كان وجهه متورماً بزلزلةٍ زرقاء من شدة التعذيب، وقد أفسد الضرب تقاطيعه حتى استحالت براءته الأولى شيئاً ينأى عن سيماء البشر.

وحين دوّى اسمه في القاعة، انتفض الرجل قائماً في ثباتٍ مذهل، جمع ما بقي في هيكله من بقايا كبرياءٍ لم تُسحق. تقدم بخطواتٍ يثقلها الإعياء لكنها راسخة كالأوتاد، غير مبالٍ بالجهة التي يُساق إليها. وقف في القفص أمام الحاكم والمحقق، رافعاً رأسه، وفي وقفته تلك شموخ عجزت كل سياط الجلادين عن ثنيه.

سأله المحقق عن اسمه، فأجاب بنبرةٍ صلبة لم يخالطها هلع:
ـ أنا فالح... شيوعيٌّ شريف، وعاملٌ من...

لم يُمهِله المحقق لِيُتمّ عبارته، إذ شقّت القاعة صرخة المحقق الحادة كمدية:

ـ اخرس يا خائن! لا تنطق بحرفٍ إلا حين أأمرك!

عندها... انبعثت من صدر فالح ضحكةٌ مدوية بكل ما بقي في رئتيه من رمق، وهزّ رأسه في سخريةٍ مرّة. كانت تلك الضحكة هي الوثيقة الكاملة التي أراد أن يلطم بها وجوههم. عاد المحقق يسأله بنبرةٍ مشحونة:

ـ لصالح مَن تتجسس يا جاسوس؟

فردّ عليه بثباتٍ جلمودي لا يتزحزح:

ـ أنا مواطنٌ شيوعيٌّ شريف، أحب وطني ولن أخونه، ولن أبيع رفاقي، ولو قطّعتموني حيّاً!

ثم مسح بظهر يده الدم النازف من شفتيه، وأردف بصوتٍ ارتفع كالشُّهُب رغم الإجهاد:

ـ أنتم الخونة! أنتم الجواسيس! أنتم مَن...

انهالت ضربات خشبة الحاكم على المنصة متتالية، عاجلة، كأنما كان يخشى أن تتحول تلك الكلمات الملقاة في الفم إلى شظايا أفتك من الرصاص.
ثم اندفع ينطق بحكم الإعدام شنقاً حتى الموت، وأتبعها بقراءة مطالعة رئيس الدولة وتوجيهاته:
يُعاد الرجل إلى مسقط رأسه، وتُجرى محاكمته كرّةً ثانية داخل نقابة العمال، ليُنفّذ فيه الحكم هناك أمام مرأى زملائه ومسؤوليه، ليكون عبرةً لكل مَن تتجرأ نفسه على رفع صوته يوماً.

كان المشهد أمام نوري قداساً في الصمود، شهده وشهدَه كل مَن تكدّس في تلك القاعة، وقرأ كل واحدٍ منهم الرسالة على أسلوبه. خفق قلب نوري بإيقاعٍ متسارع كأنما يريد الخروج من أضلعه، وهو يراقب هذا السجين الجسور يُسحب إلى الخارج، وصوته لا يزال يهدر بسقوط الطغاة الذين تجرّؤوا على بيع العراق وأهله، متسربلاً بكبريائه، منتصباً رغم ما اعتور جسده من هشيم.

لم يغادر فالحٌ مخيلة نوري يوماً، لقد رآه بأمّ عينيه وهو يختار الهيئة التي يلقى بها الموت... وكفى بذلك ليبقى وجهه المضمّخ بالكرامة محفوراً في ذاكرته سنين طويلة.
ثم دوّى في القاعة صوتٌ آخر، جافٌّ حادٌّ كسابقه، يقطع أثير الصمت المريب:
ـ "نوري..."

نهض بخطوات ثابتة، ومضى نحو القفص الشاخص أمام منصّة الحكم، حيث انتصب ثلاثةُ قضاة، يتقدمهم رئيس المحكمة بوجهٍ عبوسٍ كالح، يقلّب صفحات الملفات بلا اكتراث، كأنما يطالع أوراقاً عارية لا تمتّ إلى دماء البشر وأرواحهم بصلة.

رفع القاضي بصره قليلاً بنبرةٍ تخلو من الحياة:

ـ "أأنت نوري؟"
أجاب بنبرةٍ خافضة الثبات:

ـ "نعم... أنا نوري."

عاد القاضي يحمل نظره إلى الصفحات، وجعل يتلو التهم بنبرةٍ رتيبة تنضح بالآلية:

ـ "ضُبطت بحوزتك أداةُ الجرم؛ مسدس، وعُثر على منشوراتٍ ورموزٍ شيوعية، بينها رسومٌ لرأس لينين، وثبت انتماؤك إلى الحزب الشيوعي... إلى عصابةٍ من الخونة والمجرمين."

رفع نوري رأسه، ومارَس رباطة جأشه محاولاً الردّ بوقارٍ هادئ:

ـ "سيدي، أنا لستُ شيوعياً، ولـ..."

غير أن الكلمات انخنق حشرجُها في منتصف الطريق، إذ هوت يدُ الرئيس على المنضدة بضربةٍ هزت القاعة، وصاح بنبرةٍ كالحديد الصدئ:

ـ "اخرس! لا تنطق بحرفٍ حتى تُسأل!"

ساد المكان صمتٌ ثقيل لا يطاق. أدرك نوري في توّها أن القضاء كان قد قُضي، وأن الحكم كُتب بحبرٍ مسموم قبل أن تطأ قدماه صحن القاعة. ومع ذلك، ثبت على قدميه منتصباً، فقد كان ينطوي في قرارة روحه على يقينٍ بنقائه يجهله جلادوه، وكان ذلك الخيطُ الخفيّ سنده الوحيد أمام طغيانهم.

لم تدم المسرحيةُ سوى دقائق معدودة، أُعيد إثرها إلى ظلمة السرداب، ومنه زُجّ به نحو مديرية الأمن العامة في بغداد، ليمضي في أقبيتها خمسةً وعشرين يوماً أخرى من النزيف النفسي الممتد.

تمطّطت الأيام هناك كالأفاعي، لا أحد يستشف متى يُساق إلى الذبح، ولا ما الذي كُتب في صحيفته المغلقة.
كانت الإشاعات تتسرّب بين الأسرى كالحمّى الخبيثة، يعتنقونها أملًا لبرهة، ثم يسحقونها يأساً بعد ساعات.
ومع انقضاء تلك الأيام الثقيلة، أُعيد إلى محكمة الثورة في أبي غريب.

هبط مجدداً إلى قرار السرداب ذاته، واستقبلته الوجوهُ عينُها تقريباً، وقد زادها نفقُ الانتظار شحوباً وعفناً. جلس يرقب أثير الهواء متلهفاً لنداء اسمه، فالجلسة هذه المرة لم تكن استجوابا أو تحرياً يُقلّب الحجج، بل كانت الكلمة التي ستخطّ الحد الفاصل لما تبقى من رمق حياته.

وحين سُحب أخيراً إلى القاعة، كان القضاء قد أُبرم:



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 2 الحقيقة التي لا تتبدل
- 1 جرعة ماء بين كركوك وبغداد
- نرجسية كاتب
- ـ محاولة الهرب*
- 3 الجاسوس
- المكيدة
- الفصل الثاني: مديرية أمن السليمانية
- 2 ـ البيت الذي اقتحمه الرعب*
- الصمود في وجه العواصف العنصرية في رواية -قبل أن يذبل القلب- ...
- شهادة في كامب الأنصار،
- مقدمة الدكتور حامد فضل الله لرواية - قبل ان يذبل القلب-.
- مرافئ الروح الموشومة بالأمل
- شال العتمة الاختياري
- تآمر الملفات واسترداد الحق
- طوق النجاة
- المعجب الشجاع
- قراءة لقصيدة -سباعيات مبعثرة- للشاعر عادل الحنظل
- صكوك الطبقية
- شذى خبز التنور
- السكينة المصنعة والساعة اليتيمة


المزيد.....




- السوبرانو المغربية سميرة قادري، من الغناء الأوبرالي إلى البح ...
- -سبيل الحوريات-.. حمّام الأميرات الذي يروي حكاية عمّان قبل أ ...
- موسيقى السيرك في المدرجات.. جماهير فالنسيان الفرنسي تحتج بسخ ...
- موسيقى السيرك.. جماهير نادٍ فرنسي تحتج بأسلوب ساخر على أداء ...
- 25 عاماً على أفلام هاري بوتر في السينما: إنتاج جديد كمسلسل ه ...
- قاعات أمريكية كبرى ترفض استضافة جولة الفنان ماكلمور الداعمة ...
- إليسا تعلن ارتباطها برجل ليس لبنانيا
- خمسون عاماً على انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
- مصر.. أول ظهور لمحمد الحلو بعد عمليات القلب
- -أرشيف الحياة-.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - أبو غريب: 1ـ محكمة الثورة