أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - 1 جرعة ماء بين كركوك وبغداد














المزيد.....

1 جرعة ماء بين كركوك وبغداد


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 16:19
المحور: الادب والفن
    


من رواية قيد الاعداد
قضى نوري تسعة أشهر على هذا الحال القاسي، استنطاقٌ يقود إلى تعذيب، وتعذيبٌ يُسلم إلى انفراد، فقد فيه القدرة على تتبع الأيام، وصار يحسب الوقت بالوجبات وساعات التعذيب. وبعدد المرات التي حاول فيها الهروب وقاوم فيها رغبته في الانتحار او الاستسلام. وكان يتساءل أحيانًا عما إذا كان الرحيل من هذا العالم أفضل من البقاء في هذا العذاب المستمر.
استنفدت غرف التحقيق كل ما تملكه من وسائل التعذيب والإذلال والضغط النفسي. وجد المحققون أن أقوال نوري باقيةٌ على حالها، كل جلسة تعذيب كانت تزيده إصرارا لا تراجعًا.
عندئذٍ صدر القرار بنقله، رفقة عددٍ من المعتقلين، إلى مديرية الأمن العامة في بغداد، حيث تنتظرهم مرحلةٌ جديدةٌ من التحقيق والتعذيب والإجراءات الأخرى، تمهيدًا لإحالتهم إلى محكمة الثورة.
في صباحٍ قائظٍ من أيام آب، أُخرجوا من زنازينهم معصوبي الأعين، مكبلين ببعضهم. أربع سيارات خاصة لنقل المعتقلين كانت بانتظارهم. في كل واحدةٍ سجينان وأربعةٌ من رجال الأمن المدججون بالسلاح. جلس السائق وإلى جانبه حارسان في المقصورة الأمامية، بينما جلس الآخران خلفًا، يحيطان بالسجينين من الجانبين. قُيدت اليد اليمنى لأحد المعتقلين باليسرى للآخر، وبقيت اليد الأخرى لكل منهما حرة، عاجزةٌ عن فعلٍ أي شيء، إلا تذكيره بأنه مقيد...
انطلقت السيارات تشقّ الطريق جنوبًا نحو بغداد. الشمس حارقة وهي ترسل شواظها على صفائح السيارة الحديدية، حتى الهواء داخلها بدا مشتعلًا. داخل الصندوق المعدني أخذ العرق يتصبب من الأجساد المنهكة، والتصقت الثياب بجلودٍ لم تبرأ بعد من آثار السياط. أحسّ نوري بالعطش يتسلل من جوفه إلى حلقه ببطء، ثم يتمدد في جسده كله، حتى غدت فكرة الماء وحدها تطغى على كل ما سواها. كل ما أراده جرعة ماء باردة لا غير.
بعد نحو ساعة ونصف، توقفت القافلة في مدينة كركوك للاستراحة. ترجّل بعض الحراس ودخلوا أحد المطاعم الشعبية القريبة، فيما تُرك السجناء داخل السيارات تحت الحراسة. كان نوري يسمع ضحكاتهم تتعالى، وأصوات قناني البيبسي وهي تُفتح، ثم ارتشاف الماء البارد بنهم. وبعد قليل زحفت رائحة الكباب المشوي مع الهواء الحار، فأيقظت في المعدة الجائعة ألمًا آخر غير ألم القيود والحر والعطش.
كان يعي أن الطعام هنا يبقى امتيازًا لحراسهم، محرما عليهم.
بينما كان الحراس منشغلين بطعامهم، لمح صاحب المطعم السجناء الجالسين داخل السيارات، فاقترب منهم بدافعٍ إنساني، وفي يده جرّةُ ماءٍ باردٍ يتصبّب منها الندى. اعترضه أحد رجال الأمن، ولوّح بكفّه في وجهه كمن يطرد كلبًا عن عتبة بيته:
ـ ابتعد، ممنوع الاقتراب. ارجع من حيث أتيت. لن أسمح لأحدٍ أن يشمّ رائحة شفقتك العفنة هنا اتفهم.
تطلّع الرجل إلى الوجوه المعصوبة والأيدي المقيّدة، ثم قال بهدوء:
ـ الجوّ شديد الحرارة يا أخي... وهؤلاء بشرٌ مثلك ومثلي.
ضحك الحارس ضحكةً مقزّزة، وبصق على الأرض قرب قدميه:
ـ احذرك، هؤلاء حثالةٌ لا يستحقون تعاطفك ولا حتى ظلّك. أتظنّ نفسك الوصيَّ عليهم او أن مصيرك لن يكون مثلهم لأنك صاحب مطعم؟
ـ لا أدّعي وصايةً على أحد. أنا أرى عطشانَ من حقه ان يشرب فأسقيه.
اقترب الحارس خطوةً، وانتفخت أوداجه:
ـ نحن نأكل وهم ينتظرون، وهذا عدلٌ لا يطاله عقلك المنخور بالسذاجة.
من جعلك أمًّا حنونًا عليهم؟
صرّ الحارس على أسنانه ومدّ إصبعه كالخنجر ليلامس صدره:
ـ اسمع، إن أعدتَ الكلام عن "الحقوق" فسأجعل جسدك هذا يتمرغ بالتراب قبل أن يبرد الشاي!
ـ كلنا إلى التراب يا سيدي، والباقي هو ما نتركه خلفنا.
التفتَ حارسٌ آخر من فوق لقمته، وقال ساخرًا:
ـ هؤلاء خونة، ونحن نحرسهم ليلًا ونهارًا، فمن أنت لتعلّمنا الإنسانية؟ لو كان الأمر بيدي لجعلتك تشاركهم الحرّ والجوع والعطش. لتتعلّم!
ـ لا أعرف ما فعلوه، ولا شأن لي بقضاياهم. أعرف شيئًا واحدًا: أنهم عطشى.
اشتدّ غيظ الحارس الأول، حتى كاد صدره يلامس صدر الرجل:
ـ ابتعد عن السيارة، فواللهِ لو اقتربتَ خطوةً لاعتقلتك واجلستك بينهم!
ـ الماء لا يُعتقل يا سيدي.
أطرق الحارس لحظةً غاضبةً، ثم نفث الكلمات من بين أسنانه:
ـ لا تنظر إليّ بهاتين العينين. هنا لا مكان للعواطف، هنا مسؤوليةٌ وتنفيذُ أوامر اتفهم؟
ـ لكن العطش قاتل يا سيدي.
ساد صمتٌ ثقيل، وتبادل الحرّاس نظراتٍ مرتبكة، ثم قال أحدهم بحدّةٍ تُخفي ارتباكه:
ـ انت تتعاطف مع هؤلاء؟ هؤلاء ليسوا بشرًا، هؤلاء خونةٌ ومجرمون يستحقون الموت!
ظلّ الرجل واقفًا، يحمل الجرّة بكلتا يديه كأنها أمانة، مكررًا قوله بصوتٍ خفيضٍ ثابت:
ـ لا أعرف ما فعلوه يا سيدي... أعرف فقط أنهم عطشى.
فردّ أحدهم متهكّمًا:
ـ اسقهم إذن.. على حسابك! لن ندفع فلسًا لهؤلاء. اذهب، أو ابتلع لسانك وامضِ، قبل أن أُنسيك اسمك واسم مطعمك هذا!
ابتسم الرجل بهدوء، كأنه توقّع هذا الردّ، ثم استدار، وعاد بعد دقائق يحمل لفافات الكباب والماء، يوزّعها على السجناء واحدًا بعد آخر، والحرّاس يتبعونه بعيونٍ يغلب عليها الغضب والتوعد.
هزّ أحد رجال الأمن كتفيه بازدراء:
ـ دعهم يأكلون ويشربون... لعلّ السمّ يسري في أجسادهم.
وصلت لفافة الكباب إلى يد نوري الحرة. أحسّ بحرارتها تتسلل إلى كفّه قبل أن يتذوقها. كان طعامًا عاديًا، لكن طعمه لم يكن عاديًا بالنسبة له. كانت تفوح منه نكهة الكرامة وليست المنة.
أكل ببطء رغم جوعه، وسؤالٌ يدور في ذهنه لا يفارقه:
"رجل لا يعرفهم، ولا يعرف خلفياتهم، خاطر من أجلهم بكأس ماء ولقمة. كم يحتاج هذا من الشجاعة؟"
لم يعرف نوري مصير ذلك الرجل بعد أن غادرت القافلة المكان.
راوده خاطرٌ مؤلم بأن تلك اللفتة الكريمة قد تكلفه مساءلةً أو تهمةً بالتعاطف مع المجرمين، وربما إغلاق مطعمه أو ما هو أقسى من ذلك.
ظل موقف ذلك الرجل عالقًا في ذاكرته سنوات بعدها.
*



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نرجسية كاتب
- ـ محاولة الهرب*
- 3 الجاسوس
- المكيدة
- الفصل الثاني: مديرية أمن السليمانية
- 2 ـ البيت الذي اقتحمه الرعب*
- الصمود في وجه العواصف العنصرية في رواية -قبل أن يذبل القلب- ...
- شهادة في كامب الأنصار،
- مقدمة الدكتور حامد فضل الله لرواية - قبل ان يذبل القلب-.
- مرافئ الروح الموشومة بالأمل
- شال العتمة الاختياري
- تآمر الملفات واسترداد الحق
- طوق النجاة
- المعجب الشجاع
- قراءة لقصيدة -سباعيات مبعثرة- للشاعر عادل الحنظل
- صكوك الطبقية
- شذى خبز التنور
- السكينة المصنعة والساعة اليتيمة
- صنم البطاقة الالكترونية
- الجلساتُ العلاجية وسقف اللوائح


المزيد.....




- شاكيرا تؤجل حفلها في مصر
- فيلم الرسوم المتحركة الروسي -مغامرات الماموث الصغير- يعرض في ...
- قراءة في رواية -ليلة القبض على يونس- للكاتبة عبير محمد
- رحلة من باكو إلى عوالم جديدة تتجاوز حدود المكان عبر الأدب وا ...
- مدحت صالح يحيي ليلة الختام في مهرجان الموسيقى العربية بدار ا ...
- دار حبيبة مسيكة في تستور.. قصر يستعيد ذاكرة فنانة تونسية
- نقل الكينغ المصري محمد منير للمستشفى.. مدير أعماله يعلق على ...
- أشرف زكي يطلب حق الرد بعد تشبيه نجوى إبراهيم فساتين الفنانات ...
- أشرف زكي يطلب حق الرد بعد تشبيه نجوى إبراهيم فساتين الفنانات ...
- بين رهبة الحبر المطبوع وسيولة الرقمي.. شهادة حسين جلعاد على ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - 1 جرعة ماء بين كركوك وبغداد