سعاد الراعي
كاتبة وناقدة
(Suad Alraee)
الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 22:49
المحور:
الادب والفن
الفصل العاشر: من رواية تحت الطبع
كانَ من المَقضيِّ، وِفقَ حُكم البرنامجِ العلاجيِّ المثبَّتِ فوقَ الجدارِ والمطبوعِ بعنايةٍ مفرطةٍ توحي بكمالٍ زائف، أن تستغرقَ جلسةُ العلاج الفرديّ كما جلسة العلاج الجماعي ساعةً كاملةً على الأقل، ساعةً يُفترضُ بها أن يمنح المريض مساحةً آمنةً للبوح، وأن تفتحَ في رتاج روحه المظلمة كوةً تخفف عنه ثقلَ ما تحمله أحشاؤه من مرارة.
غير أن ندى كانت، في كل مرة، تجد نفسها واجفةً أمام باب غرفة المعالجة قرابةَ نصفِ ساعة، تنتظر في سكونٍ مجهدٍ رتيب أن يُؤذن لها بالدخول، كأنها تقف صاغرةً على عتبة دائرةٍ حكومية معقدة، لا أمام محرابِ استشفاءٍ نفسيٍّ يداوي الكسور.
وحين يُفتح البابُ موارباً في نهاية المطاف، لم تكن المعالجةُ تبادرها بنظرةِ احتواءٍ دافئة أو سؤالٍ حانٍ مشبعٍ بالرأفة، كما تراءى لندى في فيافي خيالها الأول، بل كانت تتركها لتنشغل ببرودٍ متعمد بترتيب الأوراق السائبة وتقليب الملفات لعشر دقائق أخرى، فيما تظل هي جالسة قبالتها، كأنَّ وجودَها الإنساني كله مؤجلٌ وموقوفٌ حتى إشعارٍ آخر.
كانت ندى تراقب حركة أصابع المرأة وهي تنقل الأوراقَ من جهةٍ إلى أخرى بآليةٍ ميكانيكية، وتشعر بأفول الوقت وهو يذوبُ كالشمع بلا معنى.
ومن المفترض أيضاً، كما توجب قواعِدُ الفلسفة العلاجية المصونة، أن يُمنح المريضُ فرصةً كاملة لإفراغ شحنته الكلامية، أو أن يأخذ المعالجُ بيده بلطفٍ ليفضَّ مغاليقَ ذاكرته الثقيلة، لكن الطقس مع ندى كان مغايراً. فالمعالجةُ نادراً ما سبرت غور ما يؤلمها بحق، بل كانت تفتتح اللقاء غالباً بنبرةٍ تقريعٍ بائسة، هي إلى اللوم أقرب منها إلى العلاج:
"لماذا لا تتناولين وجبة الغداء في المطعم العام برفقة النزلاء يا ندى؟"
"لماذا لا تذهبين إلى المسبح الجماعي مع المجموعة؟"
"لماذا لا تشاركينهم طقوسَ ركوب الدراجة أو التهديف بالقوس؟"
ولماذا؟ ولماذا؟.. تتوالى الأسئلةُ الجافة كشظايا صغيرة لا غايةَ منها سوى مخرز اللوم. وفي كل مرة، كانت ندى تعيد سرد الشرح ذاته بصبرٍ راح ينفد بمضاضة، تخبرها بحرقةٍ أن التقريرَ الطبيَّ المفصل المرسل إليهم يوضح بجلاءٍ قاطع أنها تعاني ضعفاً شديداً في تحريك ذراعيها إثر عمليةٍ جراحيةٍ حديثة خضعت لها في كتفيها، وأن أيَّ نشاطٍ بدني يتطلب جهداً عضلياً عنيفاً قد يزيد ألمها ضراوة.
كانت تذكرها بعنادٍ بأنها أخبرتها منذ الصباح الأول أنها لا تجيد ركوب الدراجة أصلاً، وأنها جاءت تنشد علاجاً يناسب عطب جسدها، جلسات تدليكٍ رفيقة، أو حماماً بخارياً دافئاً، أو أيَّ وسيلةٍ تسهم في تخفيف الألم المتراكم في عظامها المنهكة.
لكن المعالجة كانت تقاطعها باستهانةٍ جافة، كأن كلماتِ ندى وشكاواها لا تستحق عناء الإصغاء أو التدوين، إذ لم يكن يعنيها في العمق إن كانت قادرةً على المشاركة الفعلية أم لا، كان مَكمنُ همّها ينحصر في الحضور المادي، أن تجلس هناك فحسب، قرب حافة المسبح أو في ساحة الأنشطة، حتى لو بقيت عاجزةً مشلولة الحركة، فالمهم في عُرف المؤسسة أن يُسجَّل حضورُها الرسمي في الجداول.
شيئاً فشيئاً، بدأ يتسلل إلى وجدان ندى إحساسٌ مخيف بأن الأمر هنا لا يمت للطب بصلة، بقدر ما يحاكي عملية ترويضٍ قسرية، وطقوساً شكليةً باردة تُؤدى بحذافيرها المملة كي يبدو كلُّ شيءٍ نموذجياً ومثالياً على الورق الإداري.
وكان أكثر ما يبعث المرارةَ والنكاية في روحها، ذلك الولعُ الوثني البارد بالبطاقة الإلكترونية المعلّقة في أعناق النزلاء، كأنها هويةٌ بديلةٌ ومسخٌ عن أرواحهم الآدمية. كانت المعالجة تكرر بآليةٍ ميتة لا يتبدل في رنينها تفصيل، ضرورةَ تمرير تلك البطاقة عبر جهاز المسح الرقمي المثبّت عند مداخل القاعات، عند بوابات الجلسات، وموائد الطعام، وغرف الأنشطة اليومية.
بدا الأمرُ لندى، مع تعاقب الأيام، أشبه بطقسٍ مقدّس يفوق في أهميته وعلو شأنه سؤالاً واحداً بسيطاً وفطرياً عن عمق وجعها:
"هل تنامين جيداً يا ندى؟
هل خفّ ارتجافُ قلبكِ المذعور ليلاً؟
هل ما زلتِ تذرفين الدمع في عتمة الليل دون أن يسمع صرختكِ أحد؟"
وكان ذلك الاكتشافُ المُر يتسلل إلى داخلها ببطءٍ موجع، كالماء القارس يتسرب خفيةً في شقوق جدارٍ متصدع: لعلَّ كلَّ ما يدور في هذا المكان ليس سوى آلةٍ جهنميةٍ متقنة لصياغة تقاريرَ مثالية، تقاريرَ محشوةٍ بكلماتٍ منمّقة ومزوقة عن الانضباط، والاندماج، والتحسن التدريجي، تُرفع بانتظام إلى شركات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي بوصفها شواهدَ دامغة وأدلةً قاطعة على نجاح الخطة، بينما الحقيقة القابعة في الغياهب كانت شيئاً آخر، حقيقةً عاريةً لا تظهر في الجداول البراقة ولا تلتقطها مجسّاتُ أجهزة المسح، حقيقةَ بشرٍ يتآكلون في عتمة الصمت، ويتعلمون بقهرٍ كيف يوارون خرابهم الداخلي ويهندمونه لئلا يفسدوا الصورة الرسمية البهية للمصحة.
كانت تراقب النزلاء من حولها بدهشةٍ حزينة، فالجميع يلتزمون صمتاً مدروساً، وبعضهم يبالغ بسذاجةٍ أو تملق في تقريظ المعالجين والثناء على النظام برمته، كأنهم يرددون نصوصاً مقدسةً محفوظة غيباً. أن الأمر وان يبدو نفاقاً في بعض الأحيان، فهو نوعٌ من التواطؤ الإنساني الذليل الذي تصنعه الحاجة حين تضيق الحياةُ بالناس.
فقد كانوا يتوقون لانتزاع تقاريرَ طبيةٍ جيدة تُقنع شركاتِ التأمين الصارمة بأنهم ما زالوا عاجزين عن العودة إلى طواحين العمل، أو تستبقي لهم إجازاتهم المرضية ورواتبهم الكاملة، وربما تعفيهم نهائياً من وظائفَ سحقت أرواحهم قبل أجسادهم. ولهذا بدا المكان في عينيها قائماً على ميثاقٍ خفيٍّ غير معلن: لا أحد يقترب من خطوط الحقيقة العارية، لأن الحقيقةَ هنا قد تكلفهم أثماناً باهظةً تفوق ما يحتملون.
وكان أكثر ما يثير حيرة ندى وفضولها، ذلك الاسمُ المستعار الذي تتخفى خلفه المعالجةُ النفسية، فالجميع داخل المصحّة يعلمون يقيناً أنه ليس اسمها الحقيقي الذي وُلدت به، ومع ذلك، لم يجرؤ نزيلٌ واحد على سؤالها عن اسمها الفعلي أو عن سر اختبائها خلف هذا القناع اللفظي. حتى خُيّل لندى أن ثمة حدوداً لا مرئية رُسمت بعنايةٍ فائقة، يحرم على أي مريضٍ تجاوزها.
كانت تتساءل، وهي ترقب هذا الحذر الجماعي الوجل:
هل نخاف إلى هذا الحد المرعب من طرح السؤال؟
أم اننا، بعد أن ينال منا التعبُ مأخذه، نعتاد الأقنعةَ ونألفها حتى نفقد الرغبة البديهية في معرفة الوجوه الحقيقية التي تقبع خلفها؟
ورغم ذلك كانت تفتش في أرجاء هذا الخراب المنسق بعناية، عن شيءٍ أكثر بساطةً وأشد استحالة، عن يدٍ آدميةٍ حقيقية تمتد نحو روحها المشرفة على الغرق لتنقذها قبل الفوات، عن إنسانٍ يصغي إلى وعثائها لا بوصفها حالةً سريرية مدونة في إضبارة، انما بوصفها امرأةً أثقل الخوفُ كاهلَها حتى أوشكت أن تنسى ملامحَ نفسها.
لكن ساعةَ العلاج كانت تمضي، في كل موعد، كأنها مشهدٌ مسرحيٌّ رتيب يتكرر بعنادٍ ساخر، فما إن تشرع ندى في الكلام، وما إن تقترب بوجلٍ من تلك المنطقة المعتمة والنيئة في داخلها، من خوفها المزمن الذي يشبه بئراً بلا قاع، أو من ذلك الوجع الصامت المستقر في صدرها كصخرةِ سيزيف، حتى تبادرها المعالجة بالمقاطعة السريعة الحاسمة، وبنبرةٍ جافة باردة مُدربة بامتياز على إجهاض المشاعر وتجفيفها قبل اكتمالها:
"سنرجئ إكمال هذا الحديث إلى المرة القادمة."
غير أن "المرة القادمة" تلك، لم تكن تطأ أرض الواقع أبداً.
كانت الجلسات تتشابه في رتابتها القاتلة حتى فقد الزمن ملامحه وهويته داخل الجدران، تدخل القاعة، تمرر بطاقتها الإلكترونية الممسوخة، تجلس، تنطق ببضع جملٍ مكسورة، تُقاطع بجفاء، ثم تغادر، كأنَّ المطلوبَ منها في شرعة هذا المكان أن تؤدي دورَ المريضة المنضبطة المطيعة بإتقانٍ ميكانيكي.
ومع كل انقضاء جلسة، كانت تحمل ألمها الثقيل وتخرج به خارج الغرفة كما دلفت به أول مرة، إلا أنه لم يكن الألم ذاته، كان يعود في إثرها أضخم مداً، وأشدَّ ثقلاً، وأكثر وحشية، ككائنٍ خرافيٍّ يتغذى بنهمٍ على الصمت المؤجل والبوح المكبوت.
وحين كانت تأوي ليلاً إلى غرفتها المنعزلة، كان يوقظها شعورٌ حاد بأن الوحدة في هذا المصح لا تعني اعتزال الناس، بل تعني غيابَ الإصغاء والأنس، وأن أبشع ما قد يحيق بالإنسان أن يتحول ألمُه الوجودي ونزفه، مع مرور الوقت، إلى مجرد تفصيلٍ إداريٍّ صغير تافه داخل منظومةٍ صماء لا ترى في بني البشر سوى البطاقات الممغنطة التي يمررونها على الأجهزة.
***
#سعاد_الراعي (هاشتاغ)
Suad_Alraee#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟