سعاد الراعي
كاتبة وناقدة
(Suad Alraee)
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 20:50
المحور:
الادب والفن
داخل البيوت التي كانت يومًا ملاذاتٍ آمنة، استمر سُعار القلق ينهش السكينة..
إذ ظلّ الناس منهمكين في كفاحٍ مستمر، مستخدمين شتى الوسائل المتاحة لمقاومة ذلك الغزو الغريب الذي اجتاح خصوصياتهم وزعزع راحتهم.
لم تترك مخيلة المحاصَرين وسيلةً إلا وجرّبتها.. من المبيدات الكيماوية التي جُلبت على عجلٍ وبكمياتٍ مفرطة، إلى رشّ مزيج الماء والصابون والخل عند المداخل وعلى حواف الحدائق المنكوبة وعتبات البيوت.
بل ذهب اليأس ببعضهم إلى إشعال حزمٍ من الأعشاب ذات الروائح النفاذة؛ فتصاعدت أدخنة ورق الغار واللافندر في الممرات، في محاولةٍ يائسة لطرد تلك الكائنات السوداء التي بدت محصّنةً ضد الفناء.
كان المشهد سرياليًا ومؤلمًا في آنٍ واحد؛ رجالٌ بوجوهٍ أرهقها العمل، يقفون عند ناصية الأزقة حاملين المضخات والعبوات كأنهم في خنادق حربٍ غير متكافئة، ونساءٌ يراقبن الأرض بعيونٍ زائغة وقلوبٍ واجفة، كأنّ التراب الذي ألفوه لسنوات قد مسخته لعنةٌ مجهولة، فصار ينقلب فجأة إلى عدوٍ لا يعرفون كنهه.
أما الأطفال، فقد انطفأت جذوة ضحكاتهم في الساحة الكبيرة، وانكفأوا يراقبون عالم الكبار بذهولٍ وتساءل:
كيف تحولت ساحة لعبهم، التي كانت تضجّ بالركض والمرح، إلى منصةٍ لاجتماعاتٍ عابسة ووجوهٍ واجمة؟
لكن القلق، الذي كان يزحف ببطء، استحال إلى ذعرٍ صريح حين بدأت تظهر أولى العلامات الغامضة على أجساد الصغار الرهيفة؛ حكةٌ مزعجة وطفحٌ أحمر ينتشر على الجلود الغضّة، كأنّ أثر تلك الحشرات لم يكتفِ بمصادرة المكان، بل بدأ يتسلل بخبثٍ إلى العروق والأنفاس.
عندها، تضاعفت الجهود وانتقل الجيران من مرحلة المقاومة الفردية إلى التكاتف الجماعي؛ فصاغ بعض الرجال طلبًا رسميًا عاجلًا إلى البلدية، يناشدون فيه إرسال فرقٍ مختصة للتقصّي والمعالجة، أو على الأقل التحقيق في مصدر هذا الوباء الذي لا يشبه أي وباءٍ عرفوه من قبل.
مرّ اليوم الثالث ثقيلًا، كئيبًا، كأنه دهرٌ لا يريد أن ينقضي. وفي صبيحة اليوم التالي، استفاق الحيّ على صوتٍ خافتٍ ومريب، يشبه خشخشة الأوراق الجافة حين تلهو بها ريحٌ عابثة.
خرج الناس من بيوتهم والشكّ يسبق خطاهم، فصُعقوا حين وجدوا الأرضَ والدُّرَجَ والمداخلَ مغطاة بآلاف الأوراق المتناثرة، التي هبطت كالمطر الأسود في عتمة الليل.
كانت بعض الخنافس تتحرك فوق تلك الأوراق بلا اكتراث، كأنها في مهمةٍ خاصة لمباركة هذا المنشور الجديد.
انحنى أحد الرجال، والتقط ورقةً بيدٍ مرتعشة، وراح يقرؤها بصوتٍ متهدّج، ترافقه نظرات الجيران المترقبة.
كان المنشور بيانًا تحذيريًا شديد اللهجة، يطالب سكان المحلة بإخلاء بيوتهم فورًا، بدعوى أن المنطقة أصبحت بؤرةً موبوءة تشكّل خطرًا محدقًا على الصحة العامة، وأن البقاء فيها انتحارٌ بيولوجي.
ساد صمتٌ مطبق، ثقيلٌ كالحجر، تلاقت فيه العيون التي أضناها القهر.
في تلك اللحظة، تقدّم صلاح الأعزب، وعجن الورقة بين أصابعه بعصبيةٍ جارفة، كأنه يطبق على عنقِ أفعى سامة، ثم تمتم بمرارةٍ لا تخلو من سخريةٍ سوداء:
"إذن.. لقد انكشفت اللعبة، وبانت اليدُ التي كانت تحرّك هذه البيادق السوداء."
كانت عبارة صلاح بمثابة الصاعقة التي أنارت ظلام الحيرة؛ إذ وقعت في النفوس كجرسٍ يعلن انكشاف الخديعة الكبرى.
تفرّس الجميع في الأوراق من جديد، لكن بعيونٍ لم تعد ترى فيها نصيحةً، بل قناعًا شفافًا يخفي وراءه نيةً خبيثة للاقتلاع من الجذور.
تنحنح العم أبو عواد، وعدّل من وقفته وهو يستند إلى عكازه، ثم قال بصوتٍ رصينٍ هادئ:
"الهدف صار أوضح من شمس الضحى؛ يريدون تشريدنا بحجة الوباء، يرهبوننا بسلامة أطفالنا حتى تضيق بنا الأرض بما رحبت، فنضطر في نهاية المطاف إلى بيع بيوتنا وذكرياتنا بأبخس الأثمان لهؤلاء الذين يراقبوننا من سياراتهم السوداء خلف النظارات القاتمة."
تحرّكت الرؤوس ببطءٍ موافقةً على كلام الشيخ الحكيم؛ فالفكرة، رغم قسوتها، كانت التفسير الوحيد المنطقي لهذا التسلسل المريب.
استحضرت هدى في تلك اللحظة المثقلة بالهواجس غصصَ التاريخِ المنسية، واستعادت صورَ أحياءٍ عريقةٍ سُويت بالأرضِ حتى غدت قاعاً صفصفاً؛ حيثُ لم تكن المعاولُ وحدها هي الأداة، بل كانت هناك استراتيجياتُ المحوِ بكل انواعها التي تبتلعُ البيوتَ بساكنيها، وتصهرُ الهويةَ في بوتقةِ النسيانِ القسري.
تراءت لها أشباحُ القرى والبيوت التي دُفع أهلها نحو الهاوية بمكائدٍ شيطانية، تتراوحُ بين التضييقِ الممنهجِ وبين أنيابِ الإبادةِ السافرة، في محاولةٍ محمومةٍ لإقناعِ "صاحبِ الدار" بأنّ الفرارَ هو "طوقُ النجاة" الوحيد، وأن التخلي عن الجذورِ هو الثمنُ اللازمُ للحياة. أدركت بعمقٍ مرعب أن المعركةَ ليست على جدرانٍ من آجرٍ واسمنت، بل هي حربٌ وجوديةٌ تهدفُ إلى تجريفِ الذاكرة، حيثُ يُراد للإنسان أن يستحيلَ غريباً في جهاتِ الأرض، تاركاً خلفه تراباً يُعاد تشكيله بملامحَ هجينة، لا صلةَ له بالجذور. نبتَ في صدرها يقينٌ صلب بأنّ التمسك بحجرِ الدار هو الوقوفُ في وجهِ تيارِ المحو، وأنّ الهروبَ الذي يغري به الخصومُ ليس إلا فخاً ينتهي بذوبانِ الذات في سديمِ اللاوجود.
ساد بينهم صمتٌ جديد، لكنه لم يكن صمت انكسار، بل كان صمتَ من يجمع قواه للوثوب.
تبادلوا النظرات، وأدركوا أن ما يجري لم يعد شأنًا عابرًا يمكن احتواؤه بمرشّات الصابون والمبيدات وغيرها.. إنها معركةُ وجود.
عندها، تقدّم صلاح خطوةً أخرى نحو مركز الساحة، وبنبرةٍ حاسمة كسرت بقايا التردد، قال:
"بما أن اللعب صار على المكشوف، فلا بد من مواجهةٍ تليق بحقنا.
لن نرحل
لن نبيع.
سنكشف المتسببين والمخططين وسنرفع شكوى رسمية ضدهم.
علينا فورًا تشكيل لجنةٍ من المتطوعين، لجنةٍ لا تعرف الكلل، تتولى متابعة القضية في أروقة المحاكم والصحافة حتى تنكشف الحقيقة كاملة أمام الملأ."
هزّ الجيران رؤوسهم بحماسٍ لم يعهدوه منذ بدء الغزو. كانت كلمات صلاح وقودًا لروح المقاومة الخامدة. واتفقوا على كتابة "عريضة شكوى" جماعية، يوقّع عليها كل فردٍ في المحلة، يدوّنون فيها التسلسل الزمني للأحداث؛ من أول خنفساء ظهرت، إلى السيارات المريبة، وصولًا إلى منشورات الترهيب. يطالبون فيها بفتح تحقيقٍ جنائي يكشف المخططين، وضرورة معالجة المشكلة البيئية فورًا على نفقة الدولة، وتعويض الناس عن الأضرار النفسية والجسدية التي لحقت بهم وبصغارهم.
التفت صلاح إلى هدى، والتمعت في عينيه نظرةُ ثقةٍ حمّلتها مسؤوليةً جسيمة:
"هدى، أنتِ صحفية وتكتبين المقالات، وقلمكِ يصل إلى قلوب الناس خلف جدران هذا الحي. ما رأيكِ أن تجعلي من معاناتنا قضية رأي عام؟
خصّصي عمودًا ثابتًا في صحيفتك، انقليه من الورق إلى الشارع، اجعلي العالم يرى كيف يُراد لمحلّةٍ عريقة أن تموت بصمتٍ تحت وطأة مفاعيل الخنافس المصطنّعة."
نظرت هدى إلى وجوههم؛ وجه العم أبو عواد الذي يأبى الرحيل عن تراب زوجته، وجه الشيخ حسين الشاحب وزوجته المتعبة، وجه جدعة الخبازة التي تخشى على تنورها الإنطفاء، ووجه صلاح الذي ضحّى بعمره ليشتري لأمّه سقفًا لا يهدده طارقٌ غريب..
شعرت حينها أن قلمها لم يعد ملكًا لها، بل صار لسان حال هؤلاء الصامدين.
أومأت برأسها موافقة، وقالت بصوتٍ ملأته العزيمة:
"نعم، سنكتب… سنجعل من حكاية خنافسهم صرخةً تهز الضمائر، ولن نتوقف حتى تعود الضحكات إلى هذه الساحة، ويختفي هؤلاء الغرباء كما تختفي خنافسهم في ضوء الحقيقة."
انصرفوا بعدها، والمنشورات التي أُريد لها أن تكون صكوكًا للرحيل، تحوّلت في أيديهم إلى شواهدَ على إرادةٍ وُلدت من جديد.
لم تعد المحلّة مجرد بيوت، بل غدت خلية تعمل على كشف وأثارة قضيةً كبرى تخص أبناءها الرافضون للتواري عقب تهديدهم.
**
تابع
#سعاد_الراعي (هاشتاغ)
Suad_Alraee#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟