أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - محمصة العم صالح














المزيد.....

محمصة العم صالح


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 00:56
المحور: الادب والفن
    


كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ فقيرة كانت النار فيها أوفى من البشر.
وسط الضجيج المتشابك، وقفت العربة الحمراء بثباتٍ لافت، كأنها وتد صغير يشدّ المكان إلى معنى أعمق من البيع والشراء.. بعجلاتها العتيقة، وهيئتها المتواضعة، بدت ككائن أليف يعرف قدره وحدوده، ويؤدي مهمته دون ادّعاء.
خلفها، كان العم صالح.. لا يرفع صوته، ولا يتلفت كثيرًا، لكنه يدير المشهد كله بحضور هادئ يشبه حضور القادة الذين لا يحتاجون إلى أوامر. احدى يديه تمسك مقبض دولاب التقليب، تديره بإيقاع متزن، بطيء، كأنه يقيس الزمن لا النار، يمنح الفول حقه الكامل في النضج، دون استعجال أو قسوة. في تلك الحركة الدائرية صبرٌ طويل، وصيغة حياة تعلمها باكرًا: أن الأشياء لا تُثمر بالقهر. أما يده الأخرى، فتعود لترتيب الأكياس الورقية والمخاريط بعناية شبه طقسية، لا ارتباك فيها ولا زيادة، وكأن كل كيس هو وعد يجب أن يُسلَّم كما ينبغي. كان نظامه الداخلي صارمًا لكنه حنون؛ لا يخنق الفوضى، بل يروضها.
بدا في أواخر عقده السادس، غير أن قامته المنتصبة توحي بأن السنوات عبرته دون أن تتمكن من كسره. لحيته البيضاء تعكس الضوء كصفحة عمر أنهكها الزمن، وخطوط وجهه العميقة ليست تجاعيد بقدر ما هي أرشيف صامت لأيام ثقيلة. كان يرتدي دشداشة نظيفة، بسيطة، وحطّة بيضاء مطوية بعناية، تستند أطرافها خلف ظهره كي لا تعيق يديه. في مظهره وقار لا يُستعرض، وطمأنينة لا تُستعار.
كل من يمرّ بقربه يمدّ يده، يلتقط حفنة من الفول، ويلقي التحية في عجالة: «السلام عليك يا عم صالح». وهو يرد بابتسامة مألوفة، كأن هذا الفعل جزء من اتفاق غير مكتوب بينه وبين السوق. لم يكن اعتراضه ممكنًا، ولا اعتراضهم واردًا. العم صالح لم يعد مجرد بائع؛ صار تفصيلاً ثابتًا في ذاكرة المكان، مثل ظلّ لا يُفكَّر في غيابه.
وقفتُ أمامه مأخوذة بالمشهد كله. بالعربة، بالرائحة، بحركة اليدين، وبذلك التوازن العجيب بين البساطة والامتلاء. شعرتُ بشيءٍ يشبه الحنين، كأنني أرى ملامح والدي في صبره الصامت، في تلك القدرة على العمل دون شكوى، وعلى الاحتمال دون استجداء.
مددتُ يدي لأفتح غطاء عدسة الكاميرا، ثم ترددت. بدا لي أن الصورة لا تُلتقط قبل أن تُستأذن روحها. تقدّمت نحوه، فبادرني بابتسامة دافئة، ومدّ مغرفته الصغيرة مملوءة بالفول:
ـ تفضّلي..
ذوقي..
قلت، دون تفكير:
ـ بل املأ لي كيسًا كاملًا، لو سمحت.
وحين ناولته النقود، سألني بهدوء لا يحمل فضولًا:
ـ غريبة عن البلد؟
أجبته مبتسمة:
ـ نعم… لكن كما قال الشاعر فخري البارودي: بلاد العرب أوطاني.
هزّ رأسه ببطء، كأن العبارة أعادت إليه زمنًا كان يظنه انتهى:
ـ نعم يا ابنتي… ذاك زمن العروبة الصافية.
ثم قال، بنبرة حاسمة دافئة:
ـ أستحلفك باسمها أن تقبلي هذا الكيس هدية.
أربكني كرمه. شكرته، وطلبت كيسًا آخر للأصدقاء. ملأه وهو يبتسم، كأن العطاء عنده عادة يومية لا تستدعي التفكير.
طلبتُ أن ألتقط له صورة. استقام في وقفته، وأعاد ترتيب حطّته، وابتسم:
ـ بكل سرور.
في تلك اللحظة، أدركت أنني لا أصوّر رجلًا يبيع الفول، بل ألتقط ملامح جيلٍ كامل، اختصر حياته في عربة صغيرة، وترك في السوق معنى خفيًا للكرامة.
ابتعدتُ قليلًا لأؤطر المشهد، فإذا بصوتٍ نسائي ناعم يقترح أن تلتقط لي صورة معه. وقفتُ إلى جواره، ثابتًا كما هو، بلا تصنّع. الصورة لم تكن حدثًا عنده، بل بدت كأنها امتدادًا ليومه.
بعدها قالت السيدة، بنبرة اعتزاز:
ـ العم صالح رمز هذا السوق… المدينة تعرفه وتفخر به..
ابتسمت لها ودعوتها لتناول القهوة في مقهى قريب.
كانت رائحة البخور تختلط بالقهوة، والزمن يلين. سألتها:
ـ ما حكايته؟
ابتسمت:
ـ ما يُكتب عنه في الصحف لا يُشبه ما عاشه. هو ابن بيتٍ قدّم أبناءه شهداء للوطن.
والده وعمه أُعدما على جدار البيت. كان طفلًا حينها، لكنه ورث النار قبل الاسم.
كبر وهو يحمل ذلك الإرث كوسامٍ داخلي. بعد الاستقلال، لم يعرف الراحة. واجه الظلم بعناد وكرامة نبيلة.. بكبرياء من يرى نفسه حارسًا للحق، حتى لو خسره الجميع. دخل السجن مرات، وخرج في آخرها بساقٍ مبتورة، كأن الجسد دفع ثمن ما أصرّت الروح على قوله.
لكن الكسر الحقيقي كان في البيت: زوجته رحلت، تاركة له خمسة أطفال. عندها صمت.. لا استسلامًا، بل توبة داخلية. قرر أن يهب ما تبقى من عمره لهم. اشترى هذه العربة، وصارت رفيقة عمره. عمل حتى تخرّج أبناؤه أطباء، وبنته الصغرى على مشارف المحاماة.
سألتها:
ـ ولماذا لا يستريح؟
قالت:
ـ يقول لأولاده دائمًا: هذه العربة ربّتكم معي. كيف أتركها؟
غادرنا المقهى.
بقي العم صالح هناك، بساقه الخشبية وقامته العالية.
رجلٌ خسر الكثير، لكنه ربح معنى نفسه. لم يكن بطلاً في الشعارات، بل في الصبر. وفي رائحة الفول المحمّص، التي تشهد: أن الوفاء قد يكون مهنة، وأن الأبوة، حين تُخلِص، تتحوّل إلى بطولة صامتة… لا تزول.
***



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في حضرة الأستاذة
- قصة- ولادة في مِهاد المسيح -
- هي أمي… وإن قست
- الانكسار
- سر الحرز: الورقتين التاسعة والعاشرة
- سر الحرز: الورقتين السابعة و الثامنة
- سر الحرز: الورقتين الخامسة والسادسة
- من رواية الحرز : الورقة الثالثة والرابعة من الحرز
- سر الحرز بأوراقه العشر / تابع لرواية الحرز
- الحرز الفصل الثامن
- الحرز. 8
- الحرز.7
- الحرز. 6
- الحرزـ 5
- الحرز. 2
- الحرز
- قصة الانبعاث
- جمعة عبد الله: خلع خاتم الطائفية في رواية -خلع الخاتم- للأدي ...
- وقفة عند كتاب -الإنسان الذي سبق الثورة- بقلم الناقد والروائي ...
- حين يتوهّج الطينُ نبوءةً في قصيدة -الهلال الخصيب- للشاعر مصط ...


المزيد.....




- التجربة النقدية عند د. نادية هناوي في اتحاد الأدباء
- جائزة دولية مرموقة للفنان العراقي ضياء العزاوي
- قبل كورونا وبعدها: كيف تغير مزاج جمهور السينما؟
- شولة.. حكاية ريشة يابانية أبهرتها الفنون الإسلامية
- الفنان سمير جبران: الموسيقى هي السلاح الأجمل لحماية الهوية ا ...
- سمير جبران: الموسيقى سلاحنا الأجمل لحماية هويتنا الفلسطينية ...
- كتاب -بعد الهمجية-: غزة هي -كاشفة الحقيقة- التي فضحت عرقية ا ...
- كائن فضائي ورديّ اللون أضافه فنان إلى لوحاته يُشعل الإنترنت. ...
- سفير فلسطين لدى لبنان يعزّي الفنانة فيروز بوفاة نجلها
- فيديو.. ضربة قاضية مزدوجة تنهي نزالا للفنون القتالية المختلط ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - محمصة العم صالح