سعاد الراعي
كاتبة وناقدة
(Suad Alraee)
الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 20:44
المحور:
الادب والفن
مع كلّ صباحٍ جامعيّ ينهض فيه الفجر بخطاه الهادئة، تكون القاعة ما تزال غارقة في نعاسها، غير أنّ قلبًا شابًا كان يستيقظ قبلها بوقت طويل؛ يخفق خلف بابٍ ثقيل كأنما يتهيّب دخوله إلى عالمٍ يعرف أنه سيزلزله بمجرد أن يراه. يدخل الطالب بخفّة من يخشى أن يوقظ الصمت، يتقدّم بين المقاعد التي لما تزل بعد فارغة، ويتّجه صوب المنصّة التي ستتجلّى عليها بعد لحظات الأستاذة التي تجاوزت في نفسه حدود الإعجاب، واقتربت من منطقة لا تُسمّى إلا همسًا، تلك المنطقة التي لا يعترف فيها القلب إلا بوردةٍ حمراء.
كانت الوردة، في كل صباح، لغته الوحيدة؛ اعترافًا يتنصّل من جسارته فيتركه هناك ثم يغادر قبل أن يدركه السؤال. لا يريد أن يُعرف، ولا يطلب من العالم شيئًا سوى أن تصلها تلك اللمسة الخجولة التي تحمل قلبًا يتدرّب على الحب كما يتدرّب على المعرفة.
وهي، كلما دخلت القاعة ورأت الوردة تستقرّ فوق الطاولة، تتوقف لثانية قصيّة لا ينتبه لها أحد. تلتقط الوردة بأصابعٍ تعرف الرهافة، وتستنشق عبيرها بشيء يشبه الدهشة الرقيقة، ثم تُرسل في الهواء شكرًا لا يسمعه أحد… شكرًا لا تدري لمن يتوجّه، ولا تعلم أهو طقسٌ تخلقه القاعات وحدها أم لفتة خُصّت بها دون سواها.
ثم تكمل محاضرتها كأن شيئًا لم يُترك في طريقها، كأن قلبًا لم يُودِع أثره أمامها كل صباح.
يمضي كلٌّ منهما في يومه: هي لا تعرف أنّ الوردة اعترافٌ مكتوم، وهو لا يدري إن كان شكرها قبولًا أم مجرد صدى عابر… وبينهما تظل القاعة تحتفظ بالسرّ، سرٍّ ينمو بصمت، كما تنمو الحكايات التي تنتظر أن تُروى.
وظلّ كل شيء على رتابته الهادئة، حتى جاء ذلك الصباح الذي اختفت فيه الوردة الحمراء عن طاولتها، كأنها رفّت بجناحٍ خفيّ وغادرت. لم تكترث، لا شيء يستحق الالتفات، ثم تابعت محاضرتها بصوتٍ مستوٍ تحكمه مهنيتها.
لمّا جمعت أوراقها وهمّت والخروج، لحقتها طالبة عند الباب، ترفع ما بدا كأنه ظلّ صغير لسرّ ما: ظرف مغلق بإحكام.
قالت الطالبة:
"يا أستاذة… هذا الظرف سقط من بين أوراقك".
توقفت، وحدّقت في الظرف بدهشة حذرة وسألتها:
"أمتأكدة أنه لي؟ لا أذكر أنني أحمل شيئاً كهذا".
أجابت الطالبة بثقة لا تهتزّ:
" بلى، رأيته يسقط ولم تنتبهي".
شكرتها، لكن الحيرة كانت قد مدّت أصابعها إلى كيانها وهي تقلّب الظرف بين يديها.
لا اسم، لا عنوان، لا إشارة تقود إلى أحد.
مجرد قشرة صامتة تحتفظ بسرّها كما لو كانت تخاف أن يشرق الضوء عليه. خطرت لها فكرة العودة إلى القاعة وسؤال الطلبة، لكنها تراجعت:
فلو كان الظرف يخصّ أحدهم، لأعلن عن ذلك، فهم ما زالوا هناك، ثم إن رابطتها بهم ليست رابطة أستاذة بطلاب فحسب؛ كانوا يرون فيها أختاً أو صديقة تقاسمهم التفاصيل الصغيرة والطيبة، ولن يتردد أحد منهم في استعادته إن كان له.
وضعت الظرف في درج مكتبها، ثم أهملته… أو كأنها دفنته مؤقتاً كي تهدأ أسئلتها.
مضت الأيام على هدوئها المعتاد، إلا أن الوردة الحمراء لم تعد لتزيّن طاولتها من جديد، كأن غيابها كان أول خيط في خيوط لغز أكبر.
وبعد أسبوع تماماً، دخلت القاعة لتجد الظرف ذاته ينتظرها على طاولتها.
بهتت لحظة، ثم قالت بصوتٍ امتزج فيه الحزم بالدهشة:
"لمن هذا الظرف؟ وما قصته؟
الأسبوع الماضي وضعته في درج المكتب… فكيف يعود إليّ هنا؟
هل لدى أحدكم تفسير؟"
ضحكت إحدى الطالبات، وقالت بمرحٍ يغازل الغموض:
"لقد أثرتِ فضولنا يا أستاذة… يبدو أنه يتبعك، أو لعلّه يعرف طريقه إليك وحدك".
ابتسمت الأستاذة، محاولة أن تبدّد ما يتصاعد داخلها، وقالت مازحة:
"ربما… وربما لا".
ثم وضعت الظرف فوق أوراقها بلا مبالاة، وتابعت محاضرتها، غير أن قلبها كان يشتغل في الخلفية، يعجّ بالأسئلة كبحر تحت قشرة هدوء مضلّلة.
وحين انتهت، جمعت أوراقها والظرف معها، وغادرت القاعة بخطوة يحرسها القلق أكثر مما يحرسها اليقين… كأنها تمشي نحو بداية شيء لم يتضح شكله بعد.
وما إن دخلت مكتبها، حتى سرى القلق في صدرها بخطى خفية.
تقدّمت نحو الدرج الذي كانت قد اودعت فيه الظرف السابق قبل أسبوع، ولما فتحته فوجئت بأن الظرف الأول ما يزال في مكانه، لم يتحرك قيد شعرة. حدّقت فيه مأخوذة، ثم رفعت الظرف الذي تحمله بيدها…
فإذا به، شبيهه حدّ الالتباس، مماثل له حدّ إثارة الريبة. عندها همس في داخلها صوتٌ مضطرب:
أي لعبة تُحاك؟ وما الذي يُراد من ذلك؟
وقفت لحظات كأنها معلّقة بين فضولين: الارتياب والحذر.
كانت تشعر بأن شيئاً ما يتقدّم نحوها من عتمة مجهولة، شيئاً يستهدفها تحديداً، لا كأستاذة بين طلابها، بل كامرأة تحمل قصة ما تحرص على ان لا تبوح بها ملامحها الهادئة.
جمعت الظرفين بين يديها، وارتعاشة خفيفة تعبر أصابعها، ليست ارتعاشة ضعف، بل ارتجافة من تقف على عتبة سرّ لم تختره ومع ذلك لا تستطيع الهرب منه.
تنفّست بعمق، كمن يتهيأ لخطوة لا رجعة فيها، ثم فتحت الظرف الأول.
كانت الكلمات مطبوعة، جامدة، بلا دليل يشي بصاحبه، بلا توقيع يدلّ على روحٍ تقف وراء الرسالة.
ومع ذلك، شعرت وهي تقرأ السطر الأول بأن أحدهم يطرق باب عالمها الشخصي… بقوة لا تخطئ.
"أستاذتي الجليلة…
أكتب إليكِ وقد أوشك قلبي أن يفيض بما لم يعد يحتمله من صمت.
ما عدتُ قادرًا على إخفاء إعجابي بك، لا لأنك متقنة لمادتك فحسب، بل لأنك تحملين ذلك الحضور المرهف الصارم الذي يوقظ في المرء إحساسًا نادرًا بالانجذاب إلى الضوء.
طريقة تدريسِك التي تجمع بين الحكمة وخفّة الروح، وإدارتك للدرس وكأنك تضبطين إيقاعًا خفيًّا لا يسمعه سواك، كلها صنعت في داخلي أثرًا لا يشبه أثرًا آخر.
ظننتُ إعجابي بك احترامًا طبيعيًا لأستاذة تتمتع بهيبة المعرفة، فإذا به يتحوّل إلى هاجسٍ يطاردني أينما توجهت.
صرتُ أتحيّن اللحظة التي تدخلين فيها القاعة كمن يترقب انفتاح نافذة على حياة أخرى.
حتى الأشياء الصغيرة التي تلامس يدك كانت تغدو في نظري بقايا نور؛ قطعة طباشير انكسرت بين أصابعك، منديل رمته يدك بخفّة في سلّة المهملات…
كنت أُحصيها كمن يحاول القبض على أثرٍ يبدد غيابه ويمنحه وهم القرب.
لا أدري إلى أي درب يقودني هذا الأمر.. إنها مشاعر خرجت عن حدود العقل حتى بتُّ كالمسحور..
أرى نفسي أهرب منها وهي تلاحقني، أصدّها فتعود بألف شكل. لذلك كتبتُ إليك…
لا أريد أن يَعرف أحدٌ اسمي، ولا أن أشكّل ظلًا يُزعج مسارك.
أردت فقط أن أزيح هذا الثقل عن صدري، لعلّ الكتابة تمنحني حريّة اللحظة، وتُعيد إليّ شيئًا من اتزاني الضائع".
طالبك المخلص.
حين فرغت من قراءة تلك السطور المرتجفة، اجتاحها شعور غريب يمزج بين الغضب والشفقة. رأت في الكلمات قلبًا معذّبًا، لكنه قلبٌ أعمته العاطفة حتى لم يَرَ في الأستاذة سوى وهجٍ يبتلع أطراف البصيرة.
لم يلمح المرأة التي تدافع عن احترامها كما يدافع المرء عن آخر قلاع ذاته. وتساءلت:
كيف تتحوّل الألفة التي تُبنى في فضاء العلم إلى ذريعة لاقتحام حدود لا يحق لأحد تجاوزها؟
أعادت الرسالة إلى الطاولة بيد حافظتْ على ثباتها، ثم تناولت الرسالة الثانية؛ فضّت ظرفها ببطءٍ خافت، كأنها تخشى أن ينطلق منه صدى يُربك ما تبقّى فيها من سكينة.
قرأت:
"أستاذتي،
أعرف أنّ ما أفعله جنون، ويداي ترتعشان وأنا أكتب إليك.
لستُ أهلًا للبوح، ولا يحقّ لي أن أحمّلك كلماتٍ كان يجب أن تظلَّ حبيسة صدري. لكنني لم أجد ملجأً ألوذ به سوى هذه الرسالة.
كلما دخلتِ القاعة، شعرتُ بأن شيئًا يندلق داخلي، طوفان لا يلين، كأن حضورك يضغط على قلبي حتى يختنق.
لا أريد شيئًا منك، ولا أرغب في الاقتراب؛ بل أخشى من نفسي أكثر مما أخاف من ردود افعالك.
أردت فقط أن تصلك لوعتي، عسى أن أتخفّف من هذا الحصار."
طالبك الضائع
رفعت رأسها عن الورقة، وقد تداخل في ملامحها مزيج من الأسى والمسؤولية. أدركت أنّ صاحب الرسائل ليس معتديًا بل تائه، وأن عليها أن تبقى ثابتة في مكانها: أستاذة قبل أن تكون أي شيء آخر. منارة لا يحقّ للظلال أن تختلط بضوئها.
دخلت القاعة في اليوم التالي بخطى موزونة، كمن يضع قدمه فوق قرار استقرّ في داخله قبل أن يستقرّ على الأرض. وضعت حقيبتها على الطاولة برفق مقصود، ثم رفعت بصرها إلى الطلاب جميعًا، نظرة تُشبه ميزانًا يزن الحزم والرحمة في آن.
قالت بصوت هادئ، لكنه شديد الوضوح:
"قبل أن نبدأ درس اليوم، فلنمنح أنفسنا لحظة صدق. القاعة ليست حجارة ومقاعد، بل فضاء نصنع فيه مجتمعًا صغيرًا، تُبنى فيه الثقة كما تُبنى المعرفة."
ساد الصمت، ذلك الصمت الذي يولد حين يشعر الجميع بأن كلمات غير عادية على وشك أن تُقال.
"قد تختلط المشاعر أحيانًا. ينشأ احترام، وربما إعجاب، وهذا طبيعي… إنساني. لكن الطبيعة لا تُبرّر تجاوز الحدود.
راحت الأسئلة تتوالى من أطراف الصف، وكانت تجيب بصبر يليق بمقامها:
"المشاعر لا تُجرّم، لكننا نحاسب أفعالنا… الجامعة ليست مسرحًا للعاطفة، بل ساحة تصنع مستقبلكم."
"من تعلّق بأستاذته، فليحوّل هذا الانجذاب إلى رغبة في اكتساب العلم، لا إلى مطاردة ظلّ لا يخصّه."
"والخطأ، أيًّا كان، لا نفضح صاحبه… نرشده. فصورة المرء أمام نفسه أعظم من أي عقوبة."
ثم ختمت حديثها بنبرة هادئة، لكنها قاطعة كحدّ السيف:
"أعظم احترام تُظهره لمن تُعجب به… أن تحمي حدوده كما تحمي حدودك."
عادت إلى درسها بترتيب لا يتزعزع، كأنها تشيّد جسرًا جديدًا فوق ما تفتق في القاعة من صمت.
وفي نهاية الحصة، حملت حقيبتها وغادرت بخطى ثابتة، لا تحمل انتصارًا على أحد، بل انتصارًا على العاصفة التي حاولت أن تقتحم جدار مهنيّتها.
سارت باعتدادها المعهود، كأنها تُعلن بصمت أن الطريق الوحيد لحماية النور… هو أن يبقى مناره مشعا، لا مرآة لقلوب الآخرين
***
#سعاد_الراعي (هاشتاغ)
Suad_Alraee#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟