أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - طفولة في حضرة الله: مرثية البراءة حين تُغتال بصمت















المزيد.....

طفولة في حضرة الله: مرثية البراءة حين تُغتال بصمت


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 22:47
المحور: الادب والفن
    


في قصيدته العميقة "طفولة في حضرة الله" يقدّم الشاعر طارق الحلفي نصًا شعريًا ينهض على حافة الألم الإنساني، حيث لا يكون الشعر مجرد تعبير وجداني أو غنائية ذاتية، بل يتحول إلى ضميرٍ يقظٍ يفتّش في العتمة عن الحقيقة. إننا أمام قصيدة تُحاور مأساة اجتماعية بجرأة أخلاقية وجمالية في آنٍ معًا؛ قصيدة تستدعي البراءة الجريحة من هوامش الصمت لتضعها في قلب السؤال الإنساني الكبير: كيف يمكن للعالم أن يواصل ادعاء الطهر فيما تُغتال طفولته بصمت؟
منذ العتبة الأولى للنص يختار الشاعر صورة افتتاحية مكثفة، تحمل في طياتها انكسار الوجود كله:
"تلمُّ طفولةً سوداء فوق سرير غربتها"
هذه الصورة ليست وصفًا لحالة عابرة، بل تأسيسٌ لفضاء رمزي كامل. فالطفولة هنا ليست مرحلة زمنية فحسب، بل كينونة إنسانية خالصة، بينما يتحول “السواد” إلى استعارة للوجع التاريخي المتراكم. أما "السرير"، وهو في الوعي الجمعي رمز الطمأنينة والحماية، فينقلب في القصيدة إلى مسرحٍ للغربة والانكسار.
وفي هذا التحول الرمزي ينجح الشاعر في خلق مفارقة أخلاقية صادمة:
حين يغدو موضع الرعاية فضاءً للانتهاك، فإن العالم يكون قد اختلّ في جذره العميق.
تمضي القصيدة بعد ذلك في نسج شبكة كثيفة من الصور الاستعارية التي تتعالق فيما بينها لتصنع مناخًا شعوريًا خانقًا، كأن اللغة نفسها تُحاصر الألم. ففي قوله:
"وشالاتٍ من الحزن تعتق فيه محنتها"
يتحوّل الحزن إلى نسيجٍ يلتف حول الجسد، بينما تتكاثف الدلالة في عبارة:
"فيا صمتًا يفزز صمت دمعتها"
حيث يصبح الصمت نفسه كائنًا مضاعفًا، يتكاثر كأصداءٍ في فراغ الروح.
هنا لا يكتفي الشاعر بوصف البكاء، بل يجعل الدموع حالة كونية من الانقطاع بين الصوت والمعنى، بين الصرخة وإمكانية سماعها.
إنها بلاغة التراكم الشعوري، حيث تتوالد الصورة من أختها، حتى يبلغ النص درجة من الاختناق العاطفي تشبه حالة الضحية ذاتها.
غير أنّ قوة القصيدة لا تكمن في وصف الألم وحده، بل في كشف الآليات الاجتماعية التي تصنعه. ففي المقطع المفصلي الذي يقول فيه الشاعر:
"رذاذًا من غبار الفقه لفوه بشهوتهم
ورشوه على تيجان ميسمها
وقالوا إنه الشرع"
يبلغ النص ذروة التوتر الأخلاقي. هنا تتجلى واحدة من أكثر صور القصيدة قسوةً وجرأة؛ إذ يتحول الخطاب الديني، في يد المتلاعبين به، إلى قناعٍ يُخفى خلفه الاستغلال.
ليست المسألة نقدًا للدين، بل فضحٌ للكيفية التي يُستعمل بها الدين حين ينفصل عن جوهره الأخلاقي.
ومن هنا يكتسب النص بعدًا فكريًا يتجاوز الحكاية الفردية ليغدو نقدًا لبنية ثقافية تسمح بانتهاك البراءة تحت غطاء التأويل.
ولتعميق هذا البعد الرمزي يستدعي الشاعر حيواناتٍ دلالية ذات حضورٍ ثقافي كثيف، أبرزها الذئب والغراب. ففي قوله:
"لتُخفي من كساء الدين ذئبًا في عباءتها"
تتجسد صورة الذئب بوصفها استعارة مكثفة للنفاق الأخلاقي؛ فالذئب هنا ليس مجرد كائن مفترس، بل رمزٌ لمن يتخفّى خلف لباس القداسة ليضفي على شهوته مشروعية زائفة.
إنها صورة قاسية، لكنها من تلك الصور التي تظل عالقة في ذاكرة القارئ، لأنها تكشف ما تحاول اللغة الاجتماعية إخفاءه.
أما الغراب، الذي يظهر في قوله:
"غرابٌ من رماد الموت رفرف فوق شرفتها"
فيحمل دلالة النذير المظلم في الاعتقاد الإنساني. لكنه في هذه القصيدة لا يرمز إلى موتٍ فجائي، بل إلى موتٍ بطيءٍ للبراءة. إن رفرفة الغراب فوق الشرفة ليست سوى ظلٍّ طويلٍ للكارثة الأخلاقية التي تحاصر الطفولة.
وهكذا تتحول الطبيعة نفسها إلى مرآةٍ للخراب الروحي الذي يصيب العالم حين تتعرض البراءة للانتهاك.
على المستوى الأسلوبي تنتمي القصيدة بوضوح إلى فضاء الشعر الحداثي، حيث تتدفق الجملة الشعرية بلا قيود عروضية صارمة، لتخلق إيقاعًا داخليًا ينبع من توتر المعنى لا من انتظام الوزن وحده. إن هذا التدفق يشبه تيار وعيٍ شعريٍّ يلاحق الفكرة وهي تتشكل في قلب العاطفة.
في مقطع مثل:
"فيكسر روحها البلور أشلاءً
وأوجاعًا من القهر تبعثرها"
نلمس كيف تتشظى اللغة نفسها لتوازي تشظي الروح. فالجملة تتكسر كما تتكسر البراءة، وكأن البناء الأسلوبي يعيد تمثيل الانهيار الداخلي الذي تعيشه الشخصية الشعرية.
وإذا ما انتقلنا إلى القراءة الرمزية الأعمق، فإن الطفلة في القصيدة ليست شخصية فردية فحسب، بل صورة مكثفة للبراءة الإنسانية حين تقع تحت سلطة التأويل الخاطئ. إنها تمثيل لكل طفولة تُسلب حقها في النمو الطبيعي. ولهذا يكتسب السؤال الذي يطرحه الشاعر في خاتمة النص بعدًا وجوديًا بالغ العمق:
"أربٌّ سوف يحكمها
ولم تضلل ضلالًا هل يسامحها؟"
إنه سؤال يتجاوز الحكاية ليصل إلى تخوم الفلسفة الأخلاقية:
كيف تُحاسَب البراءة على جريمة لم ترتكبها؟ ومن الذي يحمل وزر هذا الخراب في ميزان العدالة الكونية؟
عند تأمل البنية الجمالية للقصيدة يمكن أن نلمح صدى تجارب شعرية كبرى في الشعر الحديث. فالتكثيف الرمزي والانحياز للإنسان الجريح يذكّران بتجربة محمود درويش الذي حوّل الألم الفردي إلى رمز إنساني شامل.
كما أن جرأة النقد الاجتماعي في النص تستدعي روح التمرد الشعري التي نجدها عند سعدي يوسف في تفكيك البنى الثقافية الصلبة.
أما من حيث الرؤية الكونية التي تمزج الشعر بالتأمل الحضاري في مصير الإنسان، فيمكن أن نجد أصداء بعيدة لتجارب شعراء عالميين مثل بابلو نيرودا واليوت، حيث يتحول النص الشعري إلى مرآة لقلق العصر بأسره.
غير أن قصيدة طارق الحلفي تحتفظ مع ذلك بفرادتها الخاصة. فهي لا تستعير صوتًا جاهزًا، بل تنبع من جرحٍ واقعي شديد الخصوصية.
ولهذا تبدو اللغة فيها كأنها تمشي على حافة النار؛ لغة مشحونة بالاستعارة، لكنها في الوقت نفسه شفافة بما يكفي لتكشف الحقيقة دون مواربة.
إن الرسالة العميقة التي يحملها النص ليست شعارًا مباشرًا، بل ومضة أخلاقية تتسلل عبر نسيج الصور:
حين يصمت المجتمع أمام انتهاك البراءة، يصبح الصمت نفسه شريكًا في الجريمة.
ومن هنا يغدو الشعر ضرورة وجودية، لا ترفًا ثقافيًا؛ لأنه الوسيلة القادرة على إعادة إيقاظ الحس الإنساني في زمن تتكاثر فيه الأقنعة.
لهذا يمكن القول إن "طفولة في حضرة الله" ليست مجرد قصيدة، بل وثيقة وجدانية تقف عند تخوم الشعر والفكر معًا. إنها نص يعيد إلى اللغة قدرتها على الاحتجاج، ويعيد إلى الشعر وظيفته القديمة بوصفه ضميرًا حيًا للعالم.
ففي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات العالية وتندر الحقيقة، يظل الشعر ـ حين يُكتب بهذا العمق ـ أحد آخر الأماكن التي يمكن للبراءة أن ترفع فيها صوتها.
وهكذا يخرج القارئ من هذه القصيدة وهو يشعر أن الطفولة التي تحدّث عنها الشاعر ليست طفولة بعيدة في نصٍ شعري، بل هي جزء من إنسانيتنا المهددة نفسها.
ولعل أعظم ما يحققه النص أنه يذكّرنا بأن الدفاع عن البراءة ليس موقفًا عاطفيًا فحسب، بل فعلٌ ثقافي وأخلاقي يعيد إلى الإنسان صورته الأولى:
كائنًا خُلق ليحرس النور لا ليطفئه.
**
سعاد الراعي

طفولة في حضرة الله / طارق الحلفي

تَلِمُّ طفولةً سوداء
فوقَ سريرِ غربتِها
وشالاتٍ من الحزنِ
تعتقُ فيه مِحنتَها
فيا صَمتا
يفَزِزُ صَمتَ دَمعتها
ويا صَوتا
يُؤرق نومَ لُعبتِها
فلا ضَوءٌ يبللها
ولا تَغريدَ أصحابٍ يُعابثها
تبيحُ لنفسِها عُذرا
وعذرا يُزني غَصّتها
فيجهِضها زِحامُ العَزلِ
شوكا فوق شَرشفِها
فيكسرُ روحَها البلورِ أشلاءً
واوجاعا من القهرِ تبعثرُها
ليبني من براءتها
زنازينا لهودَجِها
رذاذا من غُبار الفُقهِ
لفوهُ بشهوتهم
ورشوه على تيجان ميسمها
وقالوا انه الشرع
وأعشابا
سَنَكسو ارضَ ملعبِها
ونطلقُ من حَدائِقِها
عصافيرا خُرافيّة
تلونُ ليلَ ضَحكتِها
فَغَصبا إن دنى وَجَعٌ
وشَرعاً بَيْعُ عُذرَتَها
فلا الهَدِيُّ الذي تَهدى
ولا من يُهدي لوعتَها
لتُحكَمُ بالرَّتاجِ الألف
ابوابا لصَرختِها
غُرابٌ من رمادِ الموتِ
رفرَفَ فوق شرفتِها
فتنتعل المروءةِ خفها عهرا
بدعوى انها مُتَعٌ تواسيها
بهمس ناعم تدمي مباهِجِها
وعصفا من ملاعبِها تجردها
لِتُخفي مِن كِساءِ الدينِ ذئبا في عباءتها
تُحيِّرُها متاهتها
فمن ذا يا ترى يشقى لمحنتها
أربٌّ سوف يحكمها
ولم تضلل ضلالا هل يسامحها؟
إذا ما اورقت يوما بلوعتها
كظل بين حضرته وسنبلها
واثارٌ من الرعب ومَظـلَمَةٌ على يدها
أتدعوهُ
أتدعو ربَّها المَخبوءَ
في عينِ الذي صَلى بنرجِسِها
ليحملَ عن طفولتها
سرابا عاثَ في مجرى انوثتها
وانفاسا مسوَّمة بخيطٍ من جنازتها
واعواما من الاشجانِ تِنفخُ في قيامتِها
***



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسطر
- عاشق على أسوار القدس: الغوص في تجليات الهوية وتغريبة الذات ا ...
- التاريخ مرآة للحاضر: البناء السردي والفلسفي في - قواعد العشق ...
- لا تستعجلي
- -حلم لم يولد-
- الماضي يطرق بابنا
- جدلية الخراب و المقدّس جدلية المقدّس والخراب في قصيدة -أقنعة ...
- جدلية الخراب والمقدس في قصيدة اقنعة المكائد للشاعر طارق الحل ...
- ثوب امي
- عقدة كاتب
- محمصة العم صالح
- في حضرة الأستاذة
- قصة- ولادة في مِهاد المسيح -
- هي أمي… وإن قست
- الانكسار
- سر الحرز: الورقتين التاسعة والعاشرة
- سر الحرز: الورقتين السابعة و الثامنة
- سر الحرز: الورقتين الخامسة والسادسة
- من رواية الحرز : الورقة الثالثة والرابعة من الحرز
- سر الحرز بأوراقه العشر / تابع لرواية الحرز


المزيد.....




- الديكتاتور العظيم: كيف حوّل تشارلي شابلن جبروت هتلر إلى أضحو ...
- ظافر العابدين يحصد جائزة أفضل مخرج بمهرجان مانشستر السينمائي ...
- فيلم -برشامة- يتصدر إيرادات موسم سينما عيد الفطر بمصر وحفلات ...
- -ثلاثية المستنقع-.. أكثر ثلاثة أفلام انتقدت فيها هوليود حرب ...
- وزير التراث الإيراني للجزيرة نت: استهداف المواقع التاريخية م ...
- مسؤولة في الخدمة العالمية البريطانية: نحن المنصة الوحيدة الت ...
- التراث الإيراني في مرمى النيران.. أرقام صادمة تكشف حجم الدما ...
- نص سيريالى (رَايَة تَأْكُلُ صَاحِبَهَا)الشاعرمحمدأبوالحسن.مص ...
- -السيد لا أحد ضد بوتين-.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة -العملاء ا ...
- سوريا.. وفاة الفنان السوري عدنان قنوع


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - طفولة في حضرة الله: مرثية البراءة حين تُغتال بصمت