سعاد الراعي
كاتبة وناقدة
(Suad Alraee)
الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 20:50
المحور:
قضايا ثقافية
البناء السردي والفلسفي في " قواعد العشق الاربعون"
صدرت رواية قواعد العشق الأربعون عام 2009 للكاتبة التركية البريطانية إليف شافاق باللغة الإنجليزية بعنوان The Forty Rules of Love، ثم تُرجمت إلى العربية، فكان لها في الفضاء الثقافي العربي وقعٌ خاص، إذ لامست وترًا روحيًا ظل طويلًا مهملًا في زحام السرديات المادية المعاصرة.
تعتبر هذه الرواية مشروعًا سرديًّا متكاملًا يستدعي التراث الصوفي ليعيد صياغته في أفقٍ إنسانيٍّ كوني، جامعًا بين التاريخي والآني، وبين التجربة الروحية والقلق الوجودي للإنسان الحديث.
تنهض الرواية على بنيةٍ مزدوجةٍ محكّمَة، تقوم على تقنية "الرواية داخل الرواية"، حيث يتجاور خطّان سرديّان يتبادلان الضوء والظلال.
في الخط المعاصر، نتابع حياة إيلا روبنشتاين، ربّة المنزل الأمريكية التي استهلكها الروتين الأسري، وأفرغتها سنوات الزواج البارد من شغفها الأول بالحياة. تبدو كصورةً للإنسان المعاصر وقد انطفأت جذوته الداخلية، يعيش في انتظامٍ ظاهريٍّ يخفي خواءً روحيًا عميقًا. لكن حين تُكلَّف بقراءة مخطوطًا روائيًّا بعنوان «الكفر الحلو» لكاتب يُدعى عزيز زاهارا، تكون هذه القراءة شرارة التحوّل في مسار حياتها.
أما الخط الثاني فيعود بنا إلى القرن الثالث عشر، إلى قونية، حيث تتشكّل واحدة من أكثر العلاقات الروحية أثرًا في تاريخ التصوف الإسلامي:
العلاقة بين الشاعر والفقيه جلال الدين الرومي، ورفيقه العارف المتوهّج شمس التبريزي.
لا تقدّم شافاق هذه العلاقة بوصفها واقعة تاريخية جامدة، بل باعتبارها لحظة انفجار روحي أعادت تشكيل الرومي، فنقلته من مقام العالم المدرّس إلى أفق العاشق المتبتّل في حضرة المطلق.
بهذا التوازي السردي، لا تكون الرواية حكايتين منفصلتين، بل نسيجًا واحدًا تتعالق خيوطه في العمق. فالمخطوط الذي تقرؤه إيلا يتحوّل إلى مرآةٍ ترى فيها تشقّقات روحها، كما كان شمس مرآةً للرومي كشف له ما كان كامناً فيه من شوقٍ إلهيٍّ مكبوت. القراءة هنا ليست فعلًا معرفيًا فحسب، بل تجربة وجودية؛ إذ تغدو الكلمات جسورًا تعبر عليها الذات نحو ذاتها الأعمق.
تمنح تقنية "الرواية داخل الرواية" النصَّ بعدًا تأويليًا ثريًا؛ فالقارئ لا يكتفي بتتبّع الأحداث، بل يُستدرج إلى مساءلة نفسه. التاريخ، في هذا السياق، ليس زمنًا منقضيًا، بل طاقةً روحية قابلة للاستدعاء، كأن الماضي يسكن الحاضر في طبقاتٍ خفية، ينتظر لحظة انكشاف. وبهذا تكرّس شافاق مفهوم "الرواية المزدوجة" بوصفها فضاءً فنيًا يسمح بتداخل الأزمنة دون افتعال، ويجعل من الحوار بين القرون حوارًا بين حالتين إنسانيتين متشابهتين في جوهر القلق والبحث.
المحور الفلسفي للرواية هو "العشق" في معناه الصوفي؛ ذلك العشق الذي لا يقتصر على علاقةٍ بشرية، بل يتجاوزها إلى أفقٍ كونيٍّ رحب.
"القواعد الأربعون" التي يبثّها شمس ليست وصايا وعظية بقدر ما هي شذرات تجربة، نُسجت من معاناةٍ واحتراقٍ داخلي. العشق، في هذا المنظور، ليس انفعالًا عابرًا، بل طريق معرفة؛ هو الوسيلة التي يذوب بها الإنسان في المطلق، متحرّرًا من أثقال الأنا، ومن قيود الصورة الاجتماعية.
تستلهم شافاق روح التصوف الإسلامي في جوهره القائم على المحبة والتسامح والانفتاح. فشمس لا يدعو إلى هدم الشريعة، بل إلى إحياء القلب.. لا يسعى إلى تقويض الدين، بل إلى تحريره من قسوته الشكلية حين ينفصل عن جوهره الرحماني. العشق عنده فعلُ تحوّلٍ جذري، يهدم التصورات الجامدة ليعيد بناء الذات على أسسٍ من الصفاء والصدق. ومن هنا تغدو الرواية مساءلةً عميقةً للتدين الشكلي، ودعوةً إلى استعادة البعد الإنساني في العلاقة مع الله والناس.
في ضوء هذه الفلسفة، تلامس الرواية قضايا معاصرة بجرأةٍ هادئة:
التعصب، الخوف من المختلف، أزمة الهوية، اغتراب الإنسان في عالمٍ يقدّس المادة وينسى الروح. إيلا، التي تنتمي إلى سياقٍ ثقافيٍّ مختلف، تجد في تعاليم شمس ما يوقظها من سباتها. والرومي، الذي كان أسير مكانته العلمية والاجتماعية، يجد في صحبة شمس انعتاقًا من قوالب المعرفة الجامدة. كلاهما يختبر اهتزازًا وجوديًا يفضي إلى ميلادٍ جديد.
هذا التوازي لا يقوم على تشابهٍ سطحيّ، بل على وحدة التجربة الإنسانية: البحث عن المعنى.
إن الإنسان، مهما تغيّرت الأزمنة وتبدّلت الجغرافيا، يظل كائنًا قلقًا، تتنازعه الرغبة في الطمأنينة والخوف من التغيير.
وهنا تتجلّى براعة شافاق في جعل الرواية التاريخية مرآةً للراهن، وفي إضفاء طابعٍ كونيٍّ على تجربةٍ صوفيةٍ محلية المنشأ.
يمكن ان نحيل انتماء الرواية، إلى فضاء الرواية التاريخية الروحية، وتتقاطع مع الرواية الفلسفية، بل وتستعير من تقنيات "الميتاسرد" حين تعي ذاتها بوصفها نصًا داخل نص.
تعدد الأصوات السردية، وتناوب الشخصيات على رواية الأحداث، يمنح النص طابعًا بوليفونيًا/ متعدد الأصوات مما يثري الرؤية، ويكسر أحادية المنظور.
كل شخصية تروي جزءًا من الحقيقة، وكأن الحقيقة الكاملة لا تُدرك إلا من خلال تضافر الأصوات.
ومن أبرز ما تطرحه الرواية إعادة قراءة العلاقة بين الرومي وشمس بوصفها علاقة تحوّلٍ روحي عميق، لا مجرد صداقةٍ عابرة. كما تكشف الصراع بين الروحانية الحية والمؤسسة الدينية الجامدة، وتؤكد أن الحب يتجاوز الهويات الضيقة والانتماءات الجامدة. التغيير، كما توحي الرواية، لا يبدأ من الخارج، بل من ثورةٍ صامتةٍ في الداخل.. من لحظة صدقٍ يعترف فيها الإنسان بظمئه.
أما مصير شمس المأساوي، فيجسّد ثمن الاختلاف في مجتمعٍ يخشى كل ما يهدّد استقراره الظاهري. فالمجتمع، في كثير من الأحيان، يعادي من يوقظه من سباته، ويقاوم من يكشف له زيف طمأنينته. وهنا تبرز الرواية بوصفها دفاعًا عن المختلف، وعن حرية الروح في أن تبحث عن طريقها الخاص.
تكمن قوة العمل أيضًا في قدرته على تحويل التصوف " الذي قد يبدو فلسفةً عصيّةً على التلقي " إلى تجربة إنسانية ملموسة. إيلا تمثل "الموت النفسي" تحت وطأة الواجبات والتوقعات الاجتماعية، وشمس يمثل الشرارة التي تحرق القوالب لتفسح المجال للحياة. دخوله حياة الرومي، ثم حضوره غير المباشر في حياة إيلا، يكرّس مبدأ عظيم الدلالة، الا وهو، أن التحوّل لا يأتي دون ألم، وأن الولادة الجديدة تقتضي احتراقًا.
لم تنجح «القواعد الأربعون» لأنها قدّمت نصائح دينية، بل لأنها صاغت دستورًا روحيًا يتجاوز الأديان والمذاهب. من بين أفكارها المركزية:
أن الآخرين مرايا نرى فيها ما يختبئ في أعماقنا، وأن التسليم ليس خنوعًا بل ثقةٌ عميقة في حكمة الوجود، وأن اللحظة الحاضرة هي المجال الوحيد الممكن للحياة. هذه الأفكار، على بساطتها الظاهرية، تمسّ حاجةً إنسانيةً أصيلة إلى السكينة والمعنى.
تتقاطع شافاق بإسلوبها السردي مع التراث الصوفي في لغته الرمزية، ومع تقاليد الرواية الغربية الحديثة في تقنياتها السردية. انها تجمع بين بساطة العبارة وشفافيتها، وبين كثافة الرمز ودلالته. كما انها توظّف العناصر الأربعة " الماء، النار، الريح، الأرض " بوصفها استعارات لمراحل التحوّل الروحي، في انسجامٍ بنائي يشي بوعيٍ فنيٍّ متماسك.
صحيح أن بعض النقاد رأوا في الطابع الوعظي لبعض "القواعد" مسحةً تقريرية قد تخفف من كثافة الفن، غير أن هذا الوضوح نفسه كان أحد أسرار انتشار الرواية، إذ جعلها قريبةً من القارئ العادي دون أن تفقد عمقها الدلالي.
لقد استطاعت شافاق أن توازن " إلى حدٍّ بعيد " بين الرسالة الجمالية والرسالة الإنسانية.
في زمنٍ تتفاقم فيه الاستقطابات الثقافية والدينية، وتتعالى فيه أصوات الإقصاء، تكتسب مثل هذه الأعمال قيمةً مضاعفة. فهي تذكّر بأن الدين، في جوهره، محبة، وأن الاختلاف لا ينفي القاسم الإنساني المشترك. وفي عالمٍ يركض بلا هوادة، تعيد الرواية الاعتبار إلى التأني الروحي، وإلى الإصغاء للصوت الداخلي.
ليست "قواعد العشق الأربعون" حكايةً عن صوفيين مضوا، بل هي دعوةٌ مفتوحةٌ إلى أن يفتّش كل إنسانٍ عن "شمسه" الخاصة.. تلك اللحظة أو العلاقة أو التجربة التي توقظه من غفلته، وتعيده إلى ذاته. ومن هنا تتجاوز الرواية حدود المتعة الجمالية لتغدو فعل وعيٍ ومحرّك تحوّل، ورسالة عشقٍ في عالمٍ يتعطّش إلى معنى أعمق للحياة.
بهذا النفس الإنساني المتدفق، وبالرؤية المنفتحة على التراث والحداثة معًا، تثبت إليف شافاق أن الرواية قادرةٌ على أن تكون جسرًا بين الشرق والغرب، بين الماضي والحاضر، بين العقل والقلب.. وأن الأدب، حين يتصل بجذوة التجربة الصادقة، يغدو طاقةً روحيةً تُنير عتمة الإنسان وتدلّه على طريقه.
**
#سعاد_الراعي (هاشتاغ)
Suad_Alraee#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟