أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - لا تستعجلي














المزيد.....

لا تستعجلي


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 02:35
المحور: الادب والفن
    


في ذلك الصباح الذي أفلت من بين أصابعي كما تفلت الأحلام حين نمدّ لها اليد متأخرين، فتحتُ عينيّ على قلقٍ مكتمل. لم أحتج إلى ساعةٍ لأعرف أنني تأخرت، ولا إلى نافذةٍ لأدرك أن باص الموظفين الخاص بالشركة، ذلك الموعد الصارم الذي لا يعرف التردّد، كان قد مضى. كان الإحساس وحده كافيًا، ثقيلاً وحاسمًا:
الوقت سبقني هذه المرة.
لم تكن المواصلات العامة خيارًا. أجساد متلاصقة، أنفاس متداخلة، ومعركة مقعد لا أملك لها وسعًا ولا مزاجًا.
كنتُ هشّة على غير عادتي، كأن اليوم قرّر أن يختبر تماسك امرأةٍ، امرأةٍ اعتادت أن تُخفي ارتباكها جيدًا، حتى عن نفسها.
أوقفتُ سيارة أجرة. جلستُ في المقعد الخلفي كمن يتمسّك بطوق نجاة لا يثق به تمامًا. الطريق لا يستغرق عادةً أكثر من أربعين دقيقة، لكن الصباح لا يعترف بالعادة، ولا يحترم الحسابات. ملف الحضور يُغلق عند ساعةٍ لا تعرف الأعذار، واسمي ـ إن تأخر ـ سيتحوّل إلى غيابٍ بارد.
انحنيتُ قليلًا إلى الأمام:
ـ لو تسرع قليلًا ان أمكن… سأدفع مضاعفًا.
نظر إليّ عبر المرآة، بابتسامة رجلٍ أنهكته الطرق ولم تكسره، وقال:
ـ الله يسهّل يا ابنتي.
كان في منتصف الخمسينات، بشعرٍ رماديّ يشبه غبار الذاكرة، ولحيةٍ كثيفة تمنحه وقارًا صامتًا. يداه على المقود كانتا تحكيان عن عمرٍ طويل من القيادة والصبر.
بدا كأنه يعرف الطريق أكثر مما يعرف نفسه.
جلستُ أراقب انعكاس وجهي في زجاج النافذة:
عينان مثقلتان، وامرأة تحاول أن تُخفي ارتباكها خلف ترتيبٍ سريع لشعرها وهندامها.
كنتُ أشعر بنظراته من المرآة، لا فضولًا، بل إدراكًا خفيًا؛ كأن التعب يتعرّف إلى التعب.
أخرجتُ كتابًا من حقيبتي. القراءة كانت ملجئي القديم، درعي الصامت حين يقترب العالم أكثر مما أحتمل. لكن السيارة بدأت تبطئ. رفعتُ رأسي، وسبقني صوته:
ـ ازدحام… لا أستطيع الإسراع. ربما حادث.
شعرتُ بضيقٍ داخلي. ليس من التأخير وحده، بل من هذا العجز المفاجئ، من أن تُسلب منك السيطرة في اللحظة التي تحتاجها فيها أكثر من أي وقت.
قال فجأة، بصوتٍ خفيض:
ـ لا تستعجلي يا ابنتي، لا تستعجلي…
كل ما يخصك هنا سيبقى خلفك... بيت، عمل، دراسة وغيرها …
وستبدئين حياةً أخرى بعيدًا، بعيدًا جدًا... ستعيشين في الجبال الثلجي وسهولها…
رفعتُ رأسي باندهاشٍ قائلة:
ـ لم أفكر بالرحيل أصلًا. ولا بترك شيء. ومن أين لك كل هذا؟
ابتسم بثقة:
ـ أقرأُ الطالع بالتحليل الشخصي. تعلمته منذ سنوات.
برد الجو فجأة. أغلقتُ الكتاب ببطء:
ـ لا أؤمنُ بالطالع!
لكن إنكاري لم يكن يقينًا بقدر ما كان خوفًا. خوفًا من أن يكون قد لمس شيئًا صحيحًا.
قال، كمن لا يشك:
ـ أنتِ ذكية، واثقة، طموحة وعنيدة بعض الشيء، ستتعبين كثيرًا، لكنك لن تنكسري. وستكتبين، ستكتبين عن نفسك يومًا ما …
وقعت كلماته في داخلي كحجرٍ في ماءٍ ساكن. لم تكن غريبة، ولا مألوفة.
تمسّكتُ بالمنطق:
ـ هذا يمكن ان يُقال لأي شخص.
وأشرتُ إلى الطريق:
ـ الزحام خفّ. أسرِع لو سمحت.
قال مُصرًا وهو يهز راسه بهدوءٍ:
ـ ومع ذلك… كل ما أنتِ عليه الآن سيبقى خلفك.
لم أجادل. نظرتُ إلى ساعتي. الزمن صار خصمًا واضحًا.
حين توقفت السيارة، ناولته الأجرة، وهممتُ بالنزول. قال خلفي:
ـ لا تستعجلي… وتذكّري...
أغلقتُ الباب، لكن صوته لم يُغلق معي. بقي عالقًا في داخلي.
سرتُ بخطواتٍ سريعة نحو باب الشركة، أشعر للمرة الأولى أنني لا أدخل مكانًا فقط، بل أؤجّل خروجًا مؤجّلًا من ذاتي.
كنتُ أعرف نفسي، أو هكذا كنتُ أظن.
أعرف طموحي الذي يتقدّم دائمًا خطوةً على طمأنينتي، وأعرف خوفي الذي أتركه مؤجّلًا كأنه لن يطالبني يومًا بحقه.
لم أكن امرأةً تنتظر نبوءة، ولا امرأةً تصدّق الغرباء، لكن صوته بقي معي، لا كحقيقة، بل كسؤال.
عند العتبة الأخيرة، شعرتُ أنني لا أدخل المكان وحده، بل أؤجّل شيئًا آخر، شيئًا لم تتضح ملامحه بعد.
دخلتُ، نعم.
لا لأنني حسمتُ الطريق،
بل لأن السير أحيانًا هو الشيء الوحيد الذي نعرف كيف نفعله.
أما الأسئلة…
فقد دخلتْ معي.
كنت أعرف نفسي:
عنادي، طموحي، خوفي المؤجَّل. لم أكن امرأة تنتظر نبوءة، لكنني كنت أعرف أن الحياة أحيانًا تهمس بحقائقها عبر أفواهٍ عابرة.
وعند العتبة الأخيرة، أدركتُ أنني، مهما أسرعت، أحمل أسئلتي معي.
وأن الطريق، مهما بدا مستقيمًا، يخفي انعطافاته القاسية بعناية.
ومع ذلك… دخلت. قررتُ أن أواصل السير، وأن أكتب حياتي كما أريد، لا كما يُقال لي.
**

15.02.2026



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -حلم لم يولد-
- الماضي يطرق بابنا
- جدلية الخراب و المقدّس جدلية المقدّس والخراب في قصيدة -أقنعة ...
- جدلية الخراب والمقدس في قصيدة اقنعة المكائد للشاعر طارق الحل ...
- ثوب امي
- عقدة كاتب
- محمصة العم صالح
- في حضرة الأستاذة
- قصة- ولادة في مِهاد المسيح -
- هي أمي… وإن قست
- الانكسار
- سر الحرز: الورقتين التاسعة والعاشرة
- سر الحرز: الورقتين السابعة و الثامنة
- سر الحرز: الورقتين الخامسة والسادسة
- من رواية الحرز : الورقة الثالثة والرابعة من الحرز
- سر الحرز بأوراقه العشر / تابع لرواية الحرز
- الحرز الفصل الثامن
- الحرز. 8
- الحرز.7
- الحرز. 6


المزيد.....




- -للدفاع عن صورة المكسيك-.. سلمى حايك تنتج فيلما سينمائيا
- لوحة فنية للشاعر السياب بريشة الفنان سلام جبار
- برليناله يشعل نقاشا عالمياً حول دور الفنانين في السياسة
- المثقفون في الثقب الأسود بسبب فضيحة إبستين
- -هل يمكن ترجمة هذا الحب؟-.. نجاح مدوٍ وانقسام حاد في ردود ال ...
- يا فالنتاين ؛ غادرْ من غير مطرود
- انعقاد الاجتماع السادس عشر للجنة الفنية للملكية الفكرية
- بين -الدب- و-السعفة-: كيف أعادت مهرجانات الأفلام صياغة ضمير ...
- التجمُّع الدولي لاتحادات الكتّاب يكرّم الشاعر مراد السوداني ...
- سوريا.. فيديو خادمة هدى شعراوي تعيد تمثيل كيف قتلت الفنانة ع ...


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - لا تستعجلي