أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - ثوب امي














المزيد.....

ثوب امي


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 21:41
المحور: الادب والفن
    


المشهد ينبض في قلب بغداد، على خطِّ باص ينساب من ساحة التحرير حتى تخوم البياع. هدير المحركات يتعانق مع صراخ الطريق، ويشتدُّ لهيب تموز حتى تكاد الشمس تلتهم الإسفلت وتذيب ما تبقّى من ظلال.
في هذا الإيقاع اللاهث، تبرز طفلة نحيلة، تعاند حرّ المدينة وحشودها، وتصعد الباص ثم تهبط منه أربع مرّات متتاليات وبأوقات متقاربة؛ بذات العجلة، بذات الرجفة، وبدموعٍ تعبر وجنتيها كما لو أنها لا تجد مأوى آخر.
اشاح الجابي وجهه عنها مرارًا، غير أنّ شيئًا في ارتباكها كان يشدّه إليها بقوة لا تُردّ.
هذا الفزع ليس عابرًا… شيء ما يُطارد تلك الصغيرة، أعتى من أن تتحمله قدماها شبه الحافيتين.
اقترب منها أخيرًا، بصوت حاول أن يمنحه دفئاً وهدوء لم يعتده، مخفيًا ما فاض في قلبه من قلق:
ــ ماذا دهاك.. عمو؟ لِم ترتجفين كعصفور في قبضة الريح؟ ممّن تهربين؟ وإلى أين تمضين وحدك في هذا القيظ؟
ارتجفت الشفتان الصغيرتان، شهقت الطفلة، وشدّت بكفّين مرتعشتين على كيس صغير كأنه كل ما تبقّى لها من أمان. قطعة قماش مطويّة فيه ترتجف كقلبها.
قالت بصوت متكسّر يكاد يندثر:
ــ ماما… أرسلتني لأجلب هذا الثوب من عند صديقتها…
تأمّلها الجابي بعينٍ يغمرها الأسى:
ــ ولكنّك ركبتِ هنا مرّاتٍ أربع… تصعدين وتنزلين من المحطّتين نفسيهما: التحرير والبياع… أراك تهرولين كلّ مرّة كأن الطريق يلاحقك.
ما الذي يفترس خطواتك الصغيرة؟
ما الذي يخيفك يا صغيرتي؟
وكأن السؤال فتح بابًا للنزيف…
بدت الطفلة، في تلك اللحظة، أكبر من عمرها بكثير؛
روح مثقلة بمعارك لا يليق أن تُلقى على كتفي طفلة.
ليس خوفها من الطريق، ولا من الزحام.
إنما خوفها من بيت قد يتحول إلى عاصفة،
من أم تنتظر عودةً دقيقة لا تحتمل التأخر،
ومن عقاب لا يرحم هفوةً صغيرة.
همست الطفلة، وبوحها يتعثّر بين خوف واعتذار:
ــ ذهبتُ أول مرة… وأحضرتُ الثوب… لكنه لم يكن هو ما اوصت عليه.
قالت لي: اللون خطأ… والقماشة خطأ… وأنتِ الخطأ كلّه.
صفعتني… وأمرتني أن أعود دون أن أضيّع دقيقة.
فهي مدعوّة لحفل زفاف… وإن تأخّرتُ… سيشتعل غضبها… وأنا…
ثم انطفأت الكلمات في حلقها، واكتمل المعنى في ارتعاشة جسدها:
أنا أخشى غضبها أكثر مما أخشى هذا العالم كله.
سأَلها الجابي بنبرة محمّلة بالشكّ والمرارة:
ــ أهي أمّكِ؟ أم زوجة أبيك؟
رفعت رأسها فجأة، كمن يدافع عن حقيقة موجعة:
ــ أمي… أمي الحقيقية.
تنهد الجابي بعمق، ثم سأل في لهجة تضجّ بالغضب لأجلها:
ــ وأبوكِ؟ أما من درعٍ يحمي هذه الروح الصغيرة؟
سقط السؤال في صمتٍ دامٍ… صمتٍ يعترف بأن الأب غائب، أو أنه وجودٌ لا يُجيد الحماية.
حين توقفت الحافلة، نهضت الطفلة واقفة، تستعد لعودة تكرهها… كأنها تتقدّم إلى محكمة لا رحمة فيها.
في تلك اللحظة، مدّ السائق يده إلى محفظته، استخرج أجرة الطريق، ودسّها في يدها الصغيرة قائلاً بنبرة حاول أن تكون خفيفة:
ــ خذي يا ابنتي… اشتري لكِ شيئًا يسدّ رمقك. أن تمتلئ معدتكِ خير من أن يمتلئ قلبك بالخوف.
ثم أضاف بصوت خشن ارتجف فيه الغضب:
ــ لو كنتُ أباكِ…
لأطفأتُ تلك النيران في قلب أمّكِ…
ولما تركتُ طفلة مثلكِ تواجه عقاب الدنيا وحدها.
ترجّلت الطفلة من الباص، حاملة الثوب بيد… وكلَّ خوف الأرض باليد الأخرى، تمضي نحو بيتٍ ينتظر عودتها ككمين.
وفي أعماقها أمنية تتردّد كدعاء خافت:
لو كان للرحمة باب، لسبقتني إليه قبل أن أصل.
**
المانيا



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عقدة كاتب
- محمصة العم صالح
- في حضرة الأستاذة
- قصة- ولادة في مِهاد المسيح -
- هي أمي… وإن قست
- الانكسار
- سر الحرز: الورقتين التاسعة والعاشرة
- سر الحرز: الورقتين السابعة و الثامنة
- سر الحرز: الورقتين الخامسة والسادسة
- من رواية الحرز : الورقة الثالثة والرابعة من الحرز
- سر الحرز بأوراقه العشر / تابع لرواية الحرز
- الحرز الفصل الثامن
- الحرز. 8
- الحرز.7
- الحرز. 6
- الحرزـ 5
- الحرز. 2
- الحرز
- قصة الانبعاث
- جمعة عبد الله: خلع خاتم الطائفية في رواية -خلع الخاتم- للأدي ...


المزيد.....




- سفير فلسطين لدى لبنان يعزّي الفنانة فيروز بوفاة نجلها
- فيديو.. ضربة قاضية مزدوجة تنهي نزالا للفنون القتالية المختلط ...
- عباس بيضون للجزيرة نت: لستُ القارئ المنشود لشعري.. والكتابة ...
- مايكل بي. جوردان يقول إن مشاهدة فيلم -Sinners- أبكته
- أحزان فيروز تتجدد في جنازة هلي الرحباني.. أمومة استثنائية خل ...
- -الطوفان العظيم-.. سينما الكارثة حين تتحول المياه إلى مرآة ل ...
- وثائق كنسية تعزز -أطلس القدس المصور- وتنصف العثمانيين
- الفيلم السعودي -رهين-.. فوضى سينمائية تقع في فخ الكوميديا ال ...
- وداعاً -ابن رشد العصر-.. جدل مراد وهبة لن يموت أبداً!
- عالم ما بعد هوليود: كيف تعيد صناعة السينما رسم خريطة التأثير ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - ثوب امي