أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - الزحف الغريب ... واحتدام السواد














المزيد.....

الزحف الغريب ... واحتدام السواد


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 23:40
المحور: الادب والفن
    


. من رواية قيد الأنجاز
ما كانت ظهيرة ذلك اليوم في ذاكرة الصيف عاديةً، وإن تدرّعت في بدايتها برداءِ الرتابة المألوف. كانت الشمسُ تميلُ نحو كبد السماء بكسلٍ ذهبيّ، تُلقي بظلالِ البيوت العتيقة على أرصفة المحلّة كأنها حكاياتٌ منسيةٌ تستريحُ من عناءِ الزمن... لكنّ هذا السكونَ كان فخًّا محكمًا، يخبئُ في طياتِهِ نذيرًا لحدثٍ وشيكٍ سيقتلعُ جذورَ الطمأنينة، ويتركُ المكانَ أثرًا بعد عين.
فجأةً، ودون نذيرٍ يسبقُ العاصفة، انشقّ رداءُ الصمت عن زحفٍ كابوسي.
اندفع عددٌ من الخنافس السوداء صوب باحة الدار، لا كحشراتٍ عابرة، بل كشظايا ليلٍ تهشّم في وضحِ النهار وانسكب دفعةً واحدة فوق البلاط القديم الذي شاخت عروقُه.
كانت ضخمةً، مثقلةً بأجنحةٍ كأنها صفائح معدنية صدئة، قبيحةَ المنظر كأنها نتاجُ لعنةٍ قديمة استيقظت من جوف الأرض.
لم يستطع أحدٌ أن يؤكد لحظة انبثاقها الأولى... إذ بدت وكأنها خُلقت من العدم، من ذلك الفراغ المظلم الذي يسكن المسافة بين شهيقٍ وزفير.
تراصّت أجسادُها فوقَ البلاطِ بنسقٍ فجائعي، ناشرةً رعبًا صامتًا ورائحةً كبريتيةً تخنقُ الأنفاسَ، ومصدرةً حفيفًا معدنيًا يمزقُ أحشاءَ السكون.
وما هي إلا ثوانٍ معدودات، حتى ضجّ فضاءُ الدار بأزيزٍ حاد، وصارت تلك الكائنات السوداء تقفز من حوافّ السطح لتتسلل في الشقوق والفتحات كأنها جنودُ ظلٍّ يعرفون خبايا البيت أكثر من أهله، وكأن الدار العتيقة قد قررت أخيرًا أن تبوح بسرٍّ دفين ظلّ يختمر في أحشائها عقودًا من الانتظار.
ارتجفتِ الجدرانُ تحتَ وطأةِ هذا الزحف، وصارَ الصمتُ صراخًا مكتومًا يمزقُ أحشاءَ السكون.
تبادلت الوجوهُ نظراتٍ لم تكن الدهشة سيدتها الوحيدة، بل كان هناك أيضًا ارتيابٌ مُرّ، كأن الجميع أدركوا بالفطرة أن هذا الغزو ليس عرضًا مناخيًا، بل إيذانٌ بخللٍ أصاب روح المكان.
حلّقت التخمينات في الهواء المثقل بالتوجس والهواجس:
أهي لعنةُ المجاري القديمة؟
أم آفةٌ موسمية ضلّت طريقها؟
أم أنه أمرٌ آخر لا يُرى؟
لم يمنحهم الوقت ترف التأمل؛ تحرّكت الأيدي في فوضى عارمة، رُشّت المبيدات بيأسٍ محموم، وتصاعد دخان البخور حتى استحال الهواء غلالةً كثيفة تخنق الأنفاس، بينما استُخدمت المَنشّات والمكانس اليدوية كمراوح قلقٍ عاجزة في وجه جيشٍ لا يريد الارتداد.
كانت الخنافس تتساقط ميتة أحيانًا، لكن الأرض كانت تلد بدائلها بضراوةٍ غريبة، كأن رحم الدار صار مفقسًا لا ينضب للسواد.
كل دقيقةٍ تمر، كان الانقباض يتمدّد في الصدور، والأبصار ترتفع نحو الأعلى، حيث ينبع هذا الفيض الكدر.
صعدت ثلة من أهل البيت السلالم بقلوبٍ واجفة، لكن الدرجات لم تكن ممرًا آمنًا، بل صارت ساحة زحفٍ لطبقةٍ حيّة سوداء تجعل الخطوات ثقيلة كأنها تمشي فوق الجمر. ومع كل درجة يرتقونها، كان الإحساس يترسخ بأنهم يقتربون من مركز الكارثة الذي يزداد كثافة.
ما إن بلغوا السطح، حتى انفتح المشهد عن صدمةٍ لا يمحوها النسيان...
كان السطح مغطىً بطبقاتٍ متحركة من الخنافس، وصرير لا ينتهي، كأن الأرض قد استبدلت جلدها الترابي بجلدٍ داكن نابض بالحمى.
في إحدى الزوايا، وسط هذه الدوامة المحمومة، كانت الطفلة ياسمين تجلس متقرفصة، ملتصقةً بالجدار كعصفورٍ بليلٍ غبّ مطر، يخشى الطيران.
كانت عيناها المتسعتان بذهولٍ يفوق سنواتها التسع تلمعان ببريق خوفٍ غامض، وهي تمسك كيسًا ورقيًا مجعدًا، أناملها الصغيرة ملطخة بمسحوقٍ أبيض يشبه الطحين وقد تناثر على الأرض حولها. كانت له رائحة غريبة، رائحة النوايا المدفونة. وبينما كانت الخنافسُ تطوقُها بهالةٍ سوداء، بدت ياسمينُ كأنّها حارسةُ هذا الطقسِ الرهيب، لا ضحيتُه.
سادَ سكونٌ مثقلٌ بأسئلةٍ تنهشُ اليقين.
ذعرت هدى وهي ترى طفلتها بهذه الهيئة المزرية، طلبت من الآخرين النزول فورًا، لأن حدسها أخبرها أن ما يجري هنا ليس لهو أطفال، بل نصٌّ مشفّر كُتب بمداد البراءة.
اقتربت منها كما يُقترب من كائنٍ بلوري آيلٍ للكسر.
انفجر بكاء الصغيرة نشيجًا ممزقًا يمتزج فيه الذنب بالروع.
طمأنتها أمها، وخفّضت نبرة صوتها إلى حد الهمس، وبودٍ سألتها:
"لماذا يا مهجة القلب؟ ماذا تفعلين وسط هذا السواد؟"
رفعت الطفلة عينيها المغسولتين بالدمع، وقالت بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
"أنا.. أنا أطعمها من هذا الكيس."
مسحت الأمّ عن وجنتي صغيرتها آثار الخديعة، وقالت لها برفق:
"ولماذا تطعمينها؟ ومن أعطاكِ هذا الكيس الثقيل بالسر؟"
ترددت الصغيرة لحظة، ثم قذفت بالحقيقة الصاعقة:
"هم.. هم أعطوني إياه. كان فيه صغار الخنافس، وقالوا لي: ضعيها هنا وأطعميها حتى تكبر وتملأ المكان.. منحونا حلوى ونقودًا كثيرة."
"أرتها قطع النقود التي كانت في جيبها قائلة: ها هي..."
سألتها الأم بقلبٍ يخفق هلعًا:
"من هم؟ وهل كنتِ وحدكِ؟"
هزّت الصغيرة ياسمين رأسها نفيًا:
"بل أنا وصديقاتي، وأطفالٌ آخرون... حذرونا من البوح، وإلا سيصيبنا مكروه."
سألتها بوجل هادئ:
"كيف يبدون؟"
فأجابت:
"يأتون بسيارةٍ سوداء، وجوههم محجوبة بالنظارات والكمامات، أكفهم محمية بالقفازات، كأنهم لا يريدون للهواء أن يلمسهم."
كانت كلماتُ ياسمينَ تتساقطُ كشظايا جليدٍ في جوفِ هدى، محولةً حرارةَ الصيفِ إلى صقيعٍ يضربُ العظام.
أدركتِ الأمُّ في تلكَ اللحظةِ أنَّ الحشراتِ لم تكن غازيةً من الخارج، إنما كانت بذور الغرباء التي استنبتوها في بساتينِ الطفولةِ الغافلة.
نظرتْ إلى الكيسِ الورقيِّ، فصارَ في عينِها تابوتًا يضمُّ جنازةَ الأمانِ التي عاشوا فيها عقوداً.
نزلت الأم بطفلتها ملهوفةً، وفي الأسفل كان الجيران يغرقون في بحرٍ من التساؤلات. وحين رآها الجميع مع ياسمين تحمل الكيس الملعون، خيّم صمتٌ مشوب بالحذر، وبدأت الحقيقة المُرّة تتسرّب إلى العقول كخيط من دخانٍ داكن.



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حكاية عند حافة الرصيف
- طفولة في حضرة الله: مرثية البراءة حين تُغتال بصمت
- المسطر
- عاشق على أسوار القدس: الغوص في تجليات الهوية وتغريبة الذات ا ...
- التاريخ مرآة للحاضر: البناء السردي والفلسفي في - قواعد العشق ...
- لا تستعجلي
- -حلم لم يولد-
- الماضي يطرق بابنا
- جدلية الخراب و المقدّس جدلية المقدّس والخراب في قصيدة -أقنعة ...
- جدلية الخراب والمقدس في قصيدة اقنعة المكائد للشاعر طارق الحل ...
- ثوب امي
- عقدة كاتب
- محمصة العم صالح
- في حضرة الأستاذة
- قصة- ولادة في مِهاد المسيح -
- هي أمي… وإن قست
- الانكسار
- سر الحرز: الورقتين التاسعة والعاشرة
- سر الحرز: الورقتين السابعة و الثامنة
- سر الحرز: الورقتين الخامسة والسادسة


المزيد.....




- الكتابة ميثاق للتدمير.. يوميات وأهوال الحرب في -لم نكن أحياء ...
- بينها العربية.. -ديب إل- تطلق ميزة للترجمة الحية بأكثر من 40 ...
- طوفان السردية الفلسطينية: كتاب جديد يفكك الرواية الصهيونية و ...
- السينما والسياسة: كيف تعكس هوليوود ملامح إدارة ترامب الجديدة ...
- بين المجد والهاوية: كيف دمر الإدمان مسيرة كبار المبدعين في ا ...
- طباطبائي: الإيرانيون ورثة حضارة تمتد لآلاف السنين وثقافة عري ...
- ورق تواليت -كريستالي-.. فنانة باكستانية تنثر البريق في كل مك ...
- -سأجد غيركم-.. الملياردير الفرنسي المحافظ يهدد كتاب دار النش ...
- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...


المزيد.....

- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - الزحف الغريب ... واحتدام السواد