أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - مرافئ السكينة وأصيل الانبعاث















المزيد.....

مرافئ السكينة وأصيل الانبعاث


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 16:15
المحور: الادب والفن
    


الفصل الثالث:
من
فصول من رواية قيد الانجاز
كانت ندى تجلس في المقهى المطلِّ على ميناء المدينة، فيما الأصيلُ يسكبُ ذهبه الخافت فوق صفحة الماء، فتبدو السفنُ البعيدة كأحلامٍ تائهةٍ تبحث عن مرافئها الأخيرة. وضعت فنجان القهوة بين يديها بحذرٍ يشبه احتضانَ الأشياء الهشّة، وأخذت تحدّق عبر النافذة الواسعة نحو الأفق، كأنها تفتش هناك عن بقيّة امرأةٍ أضاعتها السنوات بين ركام الخيبات ومتاهات الخذلان.
كان الهدوء الذي يحيط بها نادرًا إلى درجةٍ أثارت وساوس خوفها، فمَن اعتاد العواصفَ المكررة، يُربكه السلامُ المباغت. ومع ذلك، سمحت لروحها بأن تستريح لمرةٍ منذ زمنٍ بعيد، وتركت عينيها تسرحان في زرقة البحر التي استقرت أمامها كوعدٍ غامضٍ بحياةٍ أخرى تشبه انبلاج الفجر.
وفيما كانت غارقةً في لُجّة تأملها، التقت عيناها بعينين بدتا مألوفتين على نحوٍ يعزُّ على التفسير، كأنّ الأرواح في ملكوتها تتعارف قبل الأجساد بزمنٍ طويل.
رجلٌ على مقربةٍ منها تمنحه ملامحه الأوروبية الهادئة سمة الوقار، ويحمل في قسماته ذلك التعب النبيل الذي يتركه الحزنُ المكتوم في الوجوه العميقة. عيناه بلون السماء بعد جلاء المطر، صافيتين على نحوٍ يبعث في النفس طمأنينةً لم تحسب لها حسابًا.
لاحقته نظراتها بخجلٍ ظنت أن الأيام قد انتزعت قدرتها على اقترافه، خجل امرأةٍ حسبت أن الكلال قد استنزف من أنوثتها طاقة الإلفة الجميل. انتبه إليها وهو يطلب قهوته، فحيّاها بإيماءةٍ خفيفة من رأسه، ردّت التحية بابتسامٍ ملوّن بشيء من الشفافية انبعث من شفتيها بعفوية، فبدت كطاقةِ نورٍ انفتحت فجأةً في جدار بيتٍ معتم. وربما كانت تلك الابتسامة وحدها دافعًا كافيًا ليقترب من طاولتها، مستأذنًا مشاركتها الجلوس.
وافقت، وهي تشعر بنبضٍ دافئ يتحرك في أعماقها الباردة، شيء ظنّت طويلًا أنه استحال رمادًا تحت أنقاض تجاربها القاسية. كان حديثهما في مبتدئه حذرًا، يشبه اقتراب كفين يخشى كلاهما ملامسة جرحٍ مفتوح لدى الآخر، ثم ما لبث الحديث بينهما أن تدفق بسلاسةٍ غريبة، كأنّ كلًا منهما وجد في رصيف الآخر مرآةً تعكس خيباته القديمة.
تسلل إليها من خلال وهج حديثه ان مايك هو الآخر قد خرج لتوه من زواجٍ فاشل، وأنه يعي جيدًا مرارة ذلك الفراغ المهول الذي يتركه الانكسار في الروح.
غير أنّ أكثر ما شدّها إليه إضافة الى تشابه جراحهما، هي طريقته في فلسفة النجاة من جراحه. كان يتحدث عن خساراته بهدوء رجلٍ تصالح مع انكساراته واخفاقاته الإنسانية، قَبِلها ولم يهرب من مرارتها.
أما هي، فقد بدأت تكتشف في ظلال حضوره شيئًا افتقدته طوال سني عمرها:
أن تُصغي إليها عيونٌ دافئة بلا لوم، بلا لوم سحقها وبمنأى عن أحكام مسبقة، أن ترى نفسها امرأةٍ مكتملة الحضور، لا كعبءٍ عابر أو ضحيةٍ تثير الشفقة.
انتهى لقاء الصدفة بوعدِ لقاءٍ آخر، ثم توالت اللقاءات حتى غدت جزءًا حميمًا من إيقاع أيامها الجديدة... شيئًا فشيئًا، أخذت الحياةُ تدبُّ في عروق روحها المتعبة، كحديقةٍ يابسة باغتتها ديمومة الأمطار بعد قحطٍ دهري.
استعادت ضحكتها المنسية، وأقبلت على غدها بقلبٍ أقل توجسًا، مؤمنةً أن النجاة ليست وهمًا ذابلًا، وأنها يمكن أن تُمنح فرصة لتعيد بناء نفسها من وسط الحطام، ولكن بطريقةٍ أكثر حكمةً وأصدق يقينًا.
وفي خضم ذلك التحول الهادئ الذي يرمم روحها، جاء النبأ السار ليتوّج صبرها. ربحت قضيتها المرفوعة في النقابة، كأن العدالة قد تباطأت في خطواتها فقط لتأتي أكثر جلالًا وإنصافًا. تلا ذلك صدور موافقة الضمان الصحي على إرسالها إلى المصحَّة للعلاج. وكأن الحياة، التي طالما أغلقت في وجهها الأبوابَ وصدمتها بالجدران، بدأت أخيرًا تفتح لها نوافذها لتغمرها بالضوء.

الفصل الرابع:

جمهورية الوجع
في ظهيرةٍ تشرينية غسلتها الأمطارُ برذاذٍ شحيح، توقف القطارُ عند تلك المحطة النائية التي ترقبُ المجهول بصمتٍ متذبذب. نزلت ندى من مقصورتها تحملُ بين ضلوعها خلاصة من الأرق، وحقيبةً صغيرةً لم تكن تحتوي إلا على ما تبقّى من رمق أحلامها المجهضة.
لم تكن وحدها على رصيف الانتظار. تجمهر قربها زهاء ثلاثين ظلاً، وجوهٌ تشبهُ أوراق الخريف التي تلاعبت بها رياحُ الخيبة، لكلٍّ منها حكايةٌ مبتورة، وعيونٌ تفتشُ في الفراغ السديمي عن مرفأٍ أخير. كان الجميعُ في جوف ذلك السكون بانتظار الحافلة التابعة للمصحّة، التي ستقلع بهم نحو الضفة الأخرى من المجهول.
ارتقت الحافلة، وغاصت في مقعدها كمن ينسحبُ من صخب العالم.
لم تكن تلتفتُ للمسافات التي تُطوى، أو القرى التي تمرُّ وراء الزجاج كشريطٍ سينمائي باهت، فقد كانت رحلتُها الحقيقية تغوص في الداخل، حيثُ الأنا تتشظى وتعيدُ التئامها في صراعٍ محموم. كان قلقُها من المجهول يتقاطعُ مع يقينٍ هش بأنّ هذه الرحلة هي الانبعاث الجديد لروحها المثقلة.
لطالما أغرتها قراءاتها الشغوفة عن المصحات النفسية، وصوّرتها مخيلتها كمناسكَ مقدسةٍ يُغتسلُ فيها من درن التوتر والاوجاع، وتُرمّمُ تحت أسقفها تصدعاتُ الكيان. كانت تهمسُ لنفسها، والابتسامةُ ترفرفُ على ثغرها كجناح فراشةٍ منهكة:
" أخيراً، سألقي بمرساتي في أيدي متخصصين يدركون لغة الصمت، سأهدي أعصابي الذابلة لتقنياتِ الاسترخاء والتدليك، وأتركُ لندى القديمة أن تذوب في أحواضِ البخار الدافئة، لعلّي أستعيدُ تلك المرأة التي ضاعت مني في زحامِ الألم والخوف والتهميش."
خلف معطفها القاتم الذي يلتفُّ حول جسدها النحيل كشرنقةٍ صلبة تحميها من كل ما يحيطها، كانت تعيشُ رهقًا نفسيًا خالصًا. عيناها اللتان كانتا يومًا مناراتٍ للزهو والشجاعة، استحالتا الى بئرين غائرتين من الاستنزاف، كلما رنت بهما إلى الخارج، ارتدَّ إليها بصرُها متخاذلًا، منكسرًا، ومصطدمًا بأشباحِ ذكرياتٍ مؤلمة تتكدسُ في زوايا وعيها كغيومٍ حبلى بصواعق الالم الحاد والندم المُرّ.
راحت ترقبُ رفاقَ دربها في تلك الرحلة الغريبة بفضولٍ مُتوجّس، تأمّلت ذلك الشاب الذي انحنى ظهرهُ تحت وزرِ ثقلٍ لا تراهُ العيون، وتلك المرأة التي تُرمّمُ انهيارها الداخلي بابتسامةٍ واهية من الحزن، فشعرت فجأةً بانتماءٍ لهذا المجتمع الموجوع. لم تعد غريبةً بعد الآن، بل أصبحت مواطنةً شرعية في "جمهورية الوجع"، حيثُ الألمُ هو اللغةُ الرسمية، والانكسارُ هو القاسمُ المشترك.
هذا الاكتشاف، منحها عزاءً باردًا، كأنّ جرحها النازف وجد له أشقاءً يشاركونه هذا العراء.
فجأة، انفتح الأفقُ عن تلك المصحّة التي بدت كأطروحةٍ معماريةٍ صاغها الزمنُ قبل ثلاثة قرون او أكثر، مجمعٌ مهيبٌ من الأبنية الأثرية الحجرية، تتراصُّ في هندسةٍ نجمية منسجمة، وتتمددُ كمدينةٍ نائمةٍ في حضنِ غاباتٍ كثيفة تحرسُها بحيراتٌ ساكنة تشبهُ مرايا عملاقة تعكسُ وحشة المكان وجلاله. بدت المصحّة كشبه جزيرة معزولة، قررت في لحظةِ زهدٍ صوفية أن تنفصل عن ضجيج الوجود، لتخلقَ عالمًا موازيًا يُعاد فيه تدويرُ الأرواح المكسورة وتطبيعها مع الهدوء البكر.
حين ترجلت من الحافلة، وضعت قدميها على الأرض بحذرٍ غريزي، كأنها تخشى أن تزعج سكون المكان. رفعت رأسها ببطء، واستنشقت هواءً بارداً مشبعاً برائحة الصنوبر والرطوبة، فاندفعت إلى صدرها رجفة خفيفة لم تعرف إن كانت من برد الصباح أم من رهبة اللحظة التي انتظرتها وخشيتها في آنٍ واحد.
امتد المبنى أمامها هادئاً، تحيط به أشجار باسقة تتمايل رؤوسها في الريح كحراسٍ صامتين. كان كل شيء يوحي بالسكينة، غير أن داخلها كان يعجُّ بضجيجٍ هامسا، بأن الطريق الذي قادها إلى هنا لن ينتهي بوصفةٍ دوائية أو ساعاتٍ من الاسترخاء، فثمة طبقات من الألم ترسبت عبر السنوات، وأبواب أوصدتها بإحكام خشية ما يختبئ خلفها..
وقفت هناك، شامخةً برغمِ كل هذا الوهن الذي يخترقها، تتأملُ جلال البناء والأشجار العالية، تاركةً لقلبها المرتجف أن يستقر على حافةِ التغيير، ففي هذا المكان، إما أن تنبعثَ كالعنقاءِ من رمادها، أو تظلَّ مجرد أثرٍ منسيٍّ في كتابِ الغابة الغامض.

تابع ..



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وقفة تأملية في جغرافيا الفجيعة: قراءة في كتاب -دهاليز الموت- ...
- أولى نصال العنصرية، الفصل الثني
- رماد الغابة وقلاع الجسد المتهالك
- الى روح الزميل والصديق الراحل سالم قبيلات
- قراءة نقدية لقصة كشك الحكاية... للاديبة سعاد الراعي ،الكتابة ...
- قصي الشيخ عسكر: قراءة نقدية لمجموعة النخلة العمة وابناؤها ال ...
- جمعة عبد الله: سمات مضيئة في مجموعة -النخلة العمة وأبناؤها ا ...
- كشك الحكاية
- 14. سديمُ الصمت.. وارتيابُ اليقظة. من رواية قيد الطبع
- الارتطامٌ بجدارِ الجليد فصول من رواية تحت الطبع
- . موازينُ الطين.. وموازينُ الأرقام. من رواية تحت الطبع
- 10. ميثاق الوجع واليقين
- 9 . هدى: شرفاتُ الانتظارِ المفتوحة.
- 7ـ انقشاع القناع: معركةُ البقاء
- صلاح الأعزب: مِحراب الوفاء *
- فصول من رواية قيد الانجاز
- قراءات نقدية قصي الشيخ عسكر: -مذكرات أستاذة-.. مجموعة قصصية ...
- الزحف الغريب ... واحتدام السواد
- حكاية عند حافة الرصيف
- طفولة في حضرة الله: مرثية البراءة حين تُغتال بصمت


المزيد.....




- مصر.. تحرك برلماني لتفعيل -حق الأداء العلني- يثير خلافًا بين ...
- العراق والثقافة.. مسيرة الإبداع في الجمهورية العراقية الأولى ...
- تغاريد تحت القصف.. كيف يوثق الأدب ذاكرة أطفال غزة؟
- -في مرآتي- يحصد جائزة -الكوكب الذهبي- في اختتام الأيام الوط ...
- ارتفاع أسعار تذاكر المهرجانات الموسيقية في روسيا بنسبة 21% خ ...
- بعد التأجيل لأسباب عائلية.. موعد جديد لجنازة الممثل الراحل أ ...
- بوتين يمنح الفنان أوليغ غازمانوف وسام -الاستحقاق للوطن- من ا ...
- من أبرز المجددين في الموسيقى المصرية.. رحيل المؤلف الموسيقي ...
- الفنان السعودي محمد عبده يوجه رسالة بعد ظلم منتخب مصر وخسارة ...
- اكتشاف نحو ثلاثين عملا فنيا خلال ترميم مركز معارض عموم روسيا ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - مرافئ السكينة وأصيل الانبعاث