أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - الجلساتُ العلاجية وسقف اللوائح














المزيد.....

الجلساتُ العلاجية وسقف اللوائح


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 16:13
المحور: الادب والفن
    


الفصل التاسع: من رواية تحت الطبع

كانت الجلساتُ العلاجية الجماعية تمضي وِفقَ الإيقاع اليومي الرتيب للمصحّة، ولم يعد الحديثُ العنصري المقيت يطفو على السطح علنًا كما حدث في تلك المواجهة الأولى، ربما لأنهم صُدموا بما كشفته ندى من صلابةٍ وبأسٍ لم يتوقعوهما في امرأةٍ اعتادوا هدوءَها الطويل وانكفاءها، أو لأنهم أدركوا، على نحوٍ أربك حساباتِهم، أن الصمتَ الذي كانت تلتحف به لم يكن عجزًا بل نوعٌ من الكرامة المتعبة التي تتقن الصبرَ بمقدار ما تملك من قدرةٍ على الانفجار، لتضعهم فجأةً أمام مرايا عيوبهم العارية، أمام خوفهم المزمن من الآخر المختلف، وضيق أرواحهم، وتلك القسوة الفطرية التي كانوا يدارونها خلف أقنعة اللياقة والتحضر المصطنعة.
ومنذ تلك اللحظة الفارقة، تبدّل شيءٌ خفي في نظراتهم نحوَها، صاروا أكثر حذرًا وتوجسًا.
كانت الجلساتُ تُدار تحت شعار فضفاض هو "المشاركة والإنصات"، حيث يُمنح كلُّ فردٍ مساحةً كافية للحديث عن ندوبه، عن الخسارات الفادحة التي أوصلت قدميه إلى هذا المنفى، عن هواجسه، عن تعبه الكافر، وعن الحفرة السحيقة التي يحاول الفكاك منها. كان الجميع يتكلمون بفيضٍ من الحرية، يبكون تارةً، ويضحكون تارةً أخرى، ويتلقون شحناتِ التعاطف والاهتمام كما لو أن الألم يصبح أخفَّ وطأةً حين يُسكب أمام عيون الآخرين.
وحين جاء دورُ ندى في الكلام، أخذت تسردُ ببطءٍ وئيد، كمن يفتحُ مصراعَي نافذةٍ ظلت غارقةً في عتمة الإيصاد لسنواتٍ طوال. تحدثت بشفافيةٍ عن تصدع حياتها مع زوجها السابق، وعن تلك العلاقة التي استنزفت نضارتَها قطرةً قطرة، وعن العمل المضني الذي كانت تعود منه منهكةً في قسوة كل مساء كأنها تنوء بحمل المدينة كلها على كتفيها النحيلتين، وعن غياهب التنمر المرير الذي كابدت عيشَه طويلًا.
وللمرة الأولى، انتابها شعورٌ بأن القاعة تنصت إلى أنينها حقًا، لمحت في عيون الحاضرين شيئًا يشي بالتعاطف، وربما ملامح من الذهول. كان صوتُها وادعًا مستكينًا، لكنه كان مغموسًا بذلك الصدق العاري الذي يجسّد الألم ويجعله مرئيًا للعيان مهما حاول صاحبه كتمانه.
غير أنها، وقبل أن تضع اللمسة الأخيرة على لوحة حديثها، فوجئت بالمشرفة تقاطعها بجفافٍ فج، وتمنح الكلمة مباشرةً للشخص الذي يليها، كأنما رأت أن ما تبوح به ندى قد تجاوز السقف المسموح به في اللائحة.
ساد الصمتُ أرجاءَ القاعة للحظةٍ حابسةٍ للأنفاس. شعرت ندى بأن الكلمات قد اختنقت في مجرى حلقها وامتصتها الغصة. أرادت بشدة أن تعترض، أن تصرخ في وجه هذا الصلف وتقول إنها لم تنه فصول حديثها كما أُتيح لغيرها من النزلاء، لكنها آثرت التراجع في اللحظة الأخيرة، فلم تعد تحتمل مرارة مواجهةٍ جديدة، ولا عادت تملك من طاقة الروح ما يكفي للدفاع عن حقها في الكلام لمرةٍ أخرى.
وفي موعد الجلسة الفردية، التي كان يُفترض بحسب الجدول اليومي أن تستغرق ساعةً كاملة، لم يدم اللقاءُ أكثر من عشر دقائق، باردةً، ومقتضبة، ومعقمة من الإنسانية. جلست المعالجةُ قبالة ندى بملامح رسميةٍ متيبسة، ثم قالت بنبرةٍ تعليمية جافة خالية من أي تعاطف:
ـ ينبغي ألا تُغرِقي القاعةَ في تلافيفِ معاناتكِ الدرامية، لأن هذا التدفق يؤثر سلبًا في سيكولوجية المجموعة ويصيبهم بالحزن والكآبة، وهذا أمرٌ غير مسموح به في لوائحنا هنا. عليكِ يا ندى أن تستمعي أكثر.. وتتكلمي أقل.
رفعت ندى عينيها نحوها بدهشةٍ مستترة، وسألت بنبرة مستنكرة:
ـ ولكن.. أليس البوح ومشاركة الألم هما جوهر هذا العلاج؟
أجابت المعالجة ببرود:
ـ ليس بهذا الأسلوب الصادم، فقصتُكِ ثقيلةٌ جدًا، وتُلقي بظلالها السلبية على مناخ الآخرين.
طأطأت ندى رأسها ببطءٍ يفيض بالانكسار، وشعرت بجليدٍ قارص يهبط في غياهب أعماقها مع أحساس بوجع التعب العميق الذي يصيب الإنسان حين يكتشف أن ألمه، حتى في المصحات المتخصصة لمعالجته، غدا تهمةً يُطلب منه تلطيفها وتخفيف حدتها كي لا يخدش رفاهية الآخرين ويزعجهم.
وفي سريرة نفسها، مرّ سؤالٌ موجع تلوى كهمسةٍ مكسورة الجناح:
"وماذا عني أنا؟ مَن سيخفف هذا الثقل الجاثم على صدري؟ وكيف لامرأةٍ قطعت الفيافي تبحث عن طوق مساعدةٍ ونجاة، أن تُجبر مرةً أخرى على تعلم طقوس الصمت المُرّ، فقط كي يشعر الآخرون بالراحة؟"
والأشدُّ مضاضةً ومرارةً في وجدان ندى، أن المعالجة لم تعرج، ولو بالإيماء التلميحي، على ذكر الإهانات العنصرية الشنيعة التي تجرعتها في اليوم السالف على مرأى ومسمع من أفراد المجموعة، كأن ذلك الإذلال لم يكن سوى تفصيلٍ هامشيٍّ عابر لا يستحق عناء الالتفات أو التدوين.
كانت ندى قد ولجت إلى الجلسة الفردية وفي حنايا روحها بقية من ضوءٍ ضئيل، تتوقع فيه أن تبادر هذه المرأة المهنية إلى الاعتذار عما فرط في حقها، أو أن تبدي، على الأقل، تفهمًا لحجم الأذى الغائر الذي تركه الحادث في نفسها. لكن الصدمة كانت عارية، لان ألمها، في ميزان تلك المرأة والمؤسسة، لم يكن سوى عبءٍ ثقيل يشوه أجواء المجموعة، لا معاناة إنسانٍ يستحق الإنصات، والاحتواء، والتضميد.
رفعت رأسها قليلًا، وشخصت بنظرها نحو المعالجة في صمتٍ طويلٍ وممتد، فيما كانت الأسئلة تتزاحم وتتلاطم في جوفها كغبارٍ خانق:
"كيف يمكن لمن اختارت مهنةً مقدسةً لتضميد الأرواح ومداواة القلوب، أن تمرَّ بهذا البرود والجلافة فوق كرامة إنسانٍ يُذل؟ وكيف استطاعت ببلادةٍ أن ترى في دموع الآخرين حالاتٍ علاجيةً مشروعة، بينما رأت في دموعها دراما فجة ينبغي إسكاتُها ونفيها وراء جدران الصمت؟"
*
يتبع



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفصل الثامن: شظايا المرايا المتطابقة
- الفصل السابع: التحرر من عبء التبرير*
- في المصحة: حفلة الكراهية
- مرافئ السكينة وأصيل الانبعاث
- وقفة تأملية في جغرافيا الفجيعة: قراءة في كتاب -دهاليز الموت- ...
- أولى نصال العنصرية، الفصل الثني
- رماد الغابة وقلاع الجسد المتهالك
- الى روح الزميل والصديق الراحل سالم قبيلات
- قراءة نقدية لقصة كشك الحكاية... للاديبة سعاد الراعي ،الكتابة ...
- قصي الشيخ عسكر: قراءة نقدية لمجموعة النخلة العمة وابناؤها ال ...
- جمعة عبد الله: سمات مضيئة في مجموعة -النخلة العمة وأبناؤها ا ...
- كشك الحكاية
- 14. سديمُ الصمت.. وارتيابُ اليقظة. من رواية قيد الطبع
- الارتطامٌ بجدارِ الجليد فصول من رواية تحت الطبع
- . موازينُ الطين.. وموازينُ الأرقام. من رواية تحت الطبع
- 10. ميثاق الوجع واليقين
- 9 . هدى: شرفاتُ الانتظارِ المفتوحة.
- 7ـ انقشاع القناع: معركةُ البقاء
- صلاح الأعزب: مِحراب الوفاء *
- فصول من رواية قيد الانجاز


المزيد.....




- بعد اقتحام ليلي جريء.. شاهد لحظة السطو على لوحات فنية بـ10 م ...
- هل كانت ليلة محمد عساف آخر انتصار عربي؟
- رحل بسبب خطأ طبي.. ريما الرحباني تكشف تفاصيل صادمة عن وفاة ش ...
- بقيمة تتجاوز 9 ملايين يورو.. إيطاليا تستعيد لوحات مسروقة لثل ...
- -أعز الناس- يختتم تصويره في دمشق.. حكاية ترصد تحولات العائلة ...
- الراب الفلسطيني يقتحم الساحة العالمية.. وأسماء جديدة تشعل ال ...
- متجاوزة دوستويفسكي.. آنا جين تتصدر قائمة أكثر الكتّاب شعبية ...
- بين -بطل من هذا الزمان- و-صمت الحملان-.. كيف تنبأ ليرمونتوف ...
- بقيمة 9 ملايين يورو.. الشرطة الإيطالية تستعيد 3 لوحات مسروقة ...
- بيت المدى يوجه التحية إلى الفنان المسرحي صلاح القصب


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - الجلساتُ العلاجية وسقف اللوائح