أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - طوق النجاة















المزيد.....

طوق النجاة


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 22:17
المحور: الادب والفن
    


الفصل الخامس عشر:
ظهيرةِ عطلةِ نهايةِ الأسبوع، ولجَ مايك عتبةَ المصحّةِ بخطواتٍ يملؤُها ذلك التوجّسُ العذب الذي يسبقُ اللقاءاتِ الكبرى.. إذ كان يحمل في أعماقِه يقينًا طفوليًا غامرًا بأن ندى ستفرحُ كثيرًا برؤيته، وبأنَّ حضورَه المفاجئَ هذا قد ينتزعُها، ولو لساعاتٍ معدودات، من جوفِ ذلك العالم الرمادي الكئيب الذي ابتلع نضارتها في الأسابيع الأخيرة.
لقد اشتاق إليها على نحوٍ أوجعَ نياطَ قلبه، اشتاق لصوتها الرخيم حين تضحكُ في غفلةٍ من الأسى، ولعينيها الوديعتين حين تنسيانِ حذرَ الغربة، وحتى لصمتها البليغ الذي كان يفهمه ويستقرئ تفاصيلَه أكثرَ مما يفهم الكثيرَ من الكلام الهادر من حوله.
توجهَ بخطى واثقة نحو مكتب الاستقبال، وعلى ذراعه معطفٌ شتويٌّ أنيقٌ تفوح من أطرافه رائحةُ المطر البارد الممتزجة بعطره الخاص، وفي يده باقةُ وردٍ زاهيةٌ خبأها بين ثنايا المعطف كمن يخفي سرًّا سعيدًا. سأل الموظفةَ المناوبة عن ندى، فأرشدته بابتسامةٍ أنثوية ذات مغزى الى قاعة الزيارات الفسيحة، طالبةً إليه، بكل رقة، الانتظارَ ريثما تبثُّ إشعارًا بوصوله.
أما ندى، فما إن أبلغتها الموظفةُ بأنَّ زائرًا ينتظرها في القاعة، حتى أيقنت من اعماق نفسها أنه مايك.. إذ لم يكن هناك في هذا المغترب القاسي أحدٌ غيره يعلم بوجودها خلف هذه الأسوار القصية. شعرت بقلبها الصغير يرتبك في قفصه الصدري كطائرٍ بريٍّ اصطدم بغتةً بضوءٍ باهرٍ بعد طول عتمة.
وقفت أمام مرآة غرفتها للحظاتٍ مرتبكة، تحاول جهدَها أن تجمع شتاتَ ملامحها الهاربة، وترتّب خصلات شعرها المتمردة، وتخفي آثارَ الكمد المتراكم كظلالٍ داكنة حول عينيها، كأنما تخشى بكبرياء الأنثى أن يرى بعينيه ما فعله الحزنُ العاتي بها في غيابه. لكن شلال شوقها كان أعتى من قدرتها المصطنعة على التماسك، فخرجت مسرعةً من غرفتها، تكاد تخطئ معالم الممرات من فرط ارتباكها الوجل.
كانت قاعةُ الزيارات غاصةً بالزائرين في ذلك اليوم، أصواتٌ متداخلة، وضحكاتٌ متقطعة، وأقاربُ يحملون أكياس الهدايا والزهور الملونة كأنهم يحاولون في طقسٍ سري تهريبَ قليلٍ من نبض الحياة الى هذا المعتقل البارد.
اختار مايك ركنًا هادئًا في إحدى الزوايا البعيدة عن لفتات العيون، وجلس يرقب فتحة الباب منذ اللحظة الأولى بعينين تشتعلان بقلق الانتظار ولهفة اللقاء.
ولأن حضورَ مايك كان لافتًا للأنظار بأناقته الهادئة ووسامته الرصينة، فقد بدأ فضول الموظفات والنزلاء يتسلل في شكل همساتٍ حائرة بين الطاولات:
ـ أ هذا خليلُ ندى؟
ـ أم تراهُ الحبيبَ المنتظر؟
ـ لم نرَها يومًا تتهلل أو تنتظر أحدًا بهذه اللهفة الطاغية...!
حتى إن بعضَ العاملات اقتربن من حِمى القاعة بحججٍ إدارية واهية، بدافع ذلك الفضول الإنساني الفطري الذي يوقظه طيفُ الحب أينما حلَّ، ولا سيما في مكانٍ اعتاد رؤية الوجوه المنطفئة والأرواح الذابلة.
ثم دَلفت ندى...
وفي اللحظةِ الحاسمة التي وقعت فيها عيناها عليه، بدا كأنَّ صخبَ العالم من حولها تراجع الى الوراء دفعةً واحدةً وتلاشى. لم تعد تبصر الوجوه الشاخصة، ولا الطاولات المبعثرة، ولا العيون المتطفلة. كلُّ ما أبصرته في الكون كان مايك، وهو يقف شامخًا فاتحًا ذراعيه لها كمن يفتح بواباتِ نجاةٍ أبدية.
أسرعت نحوه من غير وعي، وارتمت في دفق حضنه بعناقٍ طويل.. عناقٍ عميق يشبه عودةَ غريقٍ شارف على الهلاك الى اليابسة بعد تيهٍ مرير في لجج البحار. اختلطت دموعُهما الحارة في صمتٍ كثيفٍ بليغ. كانت القبلات الخاطفة التي تبادلاها أقرب الى محاولةٍ مستميتة لغسل ما تراكم في روحيهما من وعورة البعد، والوحدة، والتوجس المزمن. وللمرة الأولى منذ أسابيع طويلة من الجفاف النفسي، شعرت ندى بأنَّ جسدَها المنهك يتذكر أخيرًا معنى الأمان والسلام.
جلست أخيرًا الى جواره تحاول أن تستعيد أنفاسَها المضطربة المرتجفة، بينما وضع مايك باقةَ الورد النضرة في حضنها برفقٍ حانٍ. كانت كفاها ترتجفان بوضوح، من ذلك الإحساس الهائل والجارف بأن حدثًا عظيمًا يوشك أن يغير مجرى حياتها.
وفجأة، مسح مايك وجهه بكفيه كمن يثبّت شجاعته الهاربة، ثم هبط وركع على ركبتيه أمامها وسط ذهولٍ تام ساد الحاضرين في القاعة. أخرج من جيب معطفه الداخلي علبةً حمراء صغيرة من المخمل الناعم على هيئة قلب، وفتحها ببطءٍ رومانسي، فلمع الخاتمُ الماسي تحت أضواء القاعة الباهتة كوميضِ حلمٍ بعيدٍ انتظرته طويلًا، ثم قال بصوتٍ رصين ثابت، لكنه مشبعٌ بزفرات عاطفةٍ عاريةٍ صادقة لا تخطئها أذنٌ بشرية:
ـ حبيبتي ندى.. هل تقبلينني زوجًا مخلصًا وشريكًا لأيامكِ؟
رجلًا لا يريد من الدنيا سوى أن يحيا بقربكِ... وأن يشيخ ويموت بين ذراعيكِ؟
وفي تلك اللحظة الرهيبة، شعرت ندى أن عقاربَ الزمنِ في الكون كله قد توقفت تمامًا عن الدوران. التفتت أنظارُ الحاضرين نحوهما دفعةً واحدة، وخيّم على أرجاء القاعة صمتٌ قصيرٌ مشدوهٌ ومأخوذ باللحظة.. كان الجميع ينتظرون تلك الإجابة المصيرية، وكأنَّ الأمرَ يمسّ مصائرَهم هم أيضًا.
أما ندى، فقد انفجر في أعماقٍ سحيقة من روحها شيءٌ عاتٍ كانت تكبته وتؤجله منذ زمن بدى أكثر من طويل.. فأجهشت بالبكاء الشديد، بصوتٍ حارٍّ لم يألفه أحدٌ منها من قبل. كانت تهز رأسَها مرارًا وتكرارًا بعنفٍ طفوليٍّ عارم وهي تحاول أن تنطق بكلمة "نعم"، لكنَّ المفاجأةَ اختنقت في مجرى حلقها، فلم يخرج صوتُها المتهدج مسموعًا، بل خرج زفرةً حرّى تختصر كل شيء.
لقد حلمتْ بمثل هذه اللحظة كثيرًا في خلواتها... لكن ليس هنا قطعًا، ليس داخل هذا المكان الموحش الذي وفدت إليه مثقلةً بأوزار الخذلان الروحي. بدا الأمرُ لها كأنَّ الحياةَ، بعد طولِ قسوةٍ وجفاء، قد قررت فجأةً وبكرمٍ حاتمي أن تترفق بقلبها المتعب وتهدهد روعه.
نهض مايك من ركوعه واحتضنها بقوةٍ عاصفة، ثم ألبسها الخاتمَ وسط تصفيقٍ حادٍ وصيحات مباركة دافئة انطلقت من جنبات القاعة. تعالت التهاني من كل حدبٍ وصوب، وطالب بعضُ النزلاء مازحين بقبلةٍ أخرى لتثبيت الميثاق، بينما راحت الموظفات اللواتي كنّ يرقبن المشهدَ وراء الزجاج يبتسمن بنظراتٍ متأثرة، على نحوٍ إنساني دافئ لم يتوقعنه في أنفسهن وسط روتين المصحّة الجاف.
حين انقضت ساعاتُ الزيارة وعادت ندى الى غرفتها المنعزلة، كانت تسير في الممرات بخفةٍ ساحرة غريبة، كأنَّ الحزنَ الرصاصي الذي أثقل روحَها طويلًا قد فقدَ كلَّ سلطته وجبروته عليها.
جلست على حافة سريرها تتأمل الخاتمَ اللامع المستقر في إصبعها، وتبتسمُ بين الفينة والأخرى ابتسامةً عذبة، كمن يخشى وجلًا أن يكون كلُّ ما جرى مجردَ حلمٍ عابر سيزول مع الصباح.
كان يسكن أحشاءَها إيمانٌ جميلٌ يقيني، أضاء ظلمة فكرها وهو يهمس بأنَّ:
" مايك لم يكن في حياتي مجردَ رجلٍ أحبني واشتاق إليّ وحسب، بل كان طوقَ النجاةِ الإلهي الذي قذفت به الحياةُ إليّ، في اللحظةِ الدقيقة التي أشرفتُ فيها على الغرق التام والاندثار."
*



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المعجب الشجاع
- قراءة لقصيدة -سباعيات مبعثرة- للشاعر عادل الحنظل
- صكوك الطبقية
- شذى خبز التنور
- السكينة المصنعة والساعة اليتيمة
- صنم البطاقة الالكترونية
- الجلساتُ العلاجية وسقف اللوائح
- الفصل الثامن: شظايا المرايا المتطابقة
- الفصل السابع: التحرر من عبء التبرير*
- في المصحة: حفلة الكراهية
- مرافئ السكينة وأصيل الانبعاث
- وقفة تأملية في جغرافيا الفجيعة: قراءة في كتاب -دهاليز الموت- ...
- أولى نصال العنصرية، الفصل الثني
- رماد الغابة وقلاع الجسد المتهالك
- الى روح الزميل والصديق الراحل سالم قبيلات
- قراءة نقدية لقصة كشك الحكاية... للاديبة سعاد الراعي ،الكتابة ...
- قصي الشيخ عسكر: قراءة نقدية لمجموعة النخلة العمة وابناؤها ال ...
- جمعة عبد الله: سمات مضيئة في مجموعة -النخلة العمة وأبناؤها ا ...
- كشك الحكاية
- 14. سديمُ الصمت.. وارتيابُ اليقظة. من رواية قيد الطبع


المزيد.....




- دور في الأوبرا.. لكن المرشح أفعى! ما القصة؟
- ما هو الواقع المالي الذي يواجهه الفنانون الأفارقة في قطاع ال ...
- في 5 قائق.. سرقة 3 لوحات بقيمة 10 ملايين دولار من متحف رينو ...
- التعليم العالي: 9 نصائح مهمة لطلاب الشهادات الفنية للتنسيق ا ...
- كيف صنع رغيف الخبز تاريخ الحضارات؟ من جلجامش إلى محمود درويش ...
- أنتوني هوبكنز يوثق رحلة حياته في ألبوم موسيقي جديد
- من نقد -الترمبية- إلى تبنيها طلبا للسلطة.. سيرة تحولات جيه د ...
- مسرحية -الناعشون- السعودية تثير الأسئلة الوجودية في مهرجان ا ...
- حرب بصرية.. جدران طهران تتحول إلى شاشة تروي رواية الصراع مع ...
- التعليم العالي: خدمات مجانية لطلاب الشهادات الفنية بمركز الح ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - طوق النجاة