أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - المعجب الشجاع














المزيد.....

المعجب الشجاع


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 22:23
المحور: الادب والفن
    


الفصل الرابع عشر:

انتبهت ندى، بعد أيامٍ من إقامتها في المصحّة، الى أحد النزلاء الذي كان يرمقها بين الحين والآخر بنظراتٍ حذرة لا تخلو من لطف. لم يكن من أولئك الذين يقتحمون المسافات بثقة ثقيلة، بل بدا كمن يقترب من طائرٍ مذعور يخشى أن يفزعه بأدنى حركة. وكلما التقاها في أحد الممرات أو عند مدخل قاعة الطعام، كان يحيّيها بابتسامة ودودة، قصيرة، لكنها صادقة على نحوٍ أربكها قليلًا.
وفي أحد الصباحات الشتوية، حين كانت تجلس وحدها الى طاولة الإفطار تحدّق في فنجانها بشرود، اقترب منها مترددًا، وسألها بأدب إن كان بإمكانه الجلوس قربها، فرفعت عينيها نحوه للحظة، ثم أومأت موافقة دون كلام. شكرها وجلس قبالتها، محاولًا أن يفتح نافذة صغيرة للكلام. تحدث عن الطقس، وعن البرد القارس الذي جعل الغابة المحيطة بالمصحّة تبدو كأنها خارجة من لوحة رمادية موحشة.
قالت ندى بإيماءة خافتة إنها توافقه، ثم عادت الى طبقها، كأنها تحتمي بالصمت من أي اقتراب محتمل.
لكنه لم يستسلم لذلك الجدار غير المرئي الذي كانت تبنيه حول نفسها بعناية. سألها، بنبرة حاول أن يجعلها عفوية، إن كانت تحب المشي في الغابة.. ثم اقترح أن يرافقها في إحدى جولاتها الصباحية، أو في نزهة قصيرة داخل أروقة المصحّة الطويلة، او في حديقتها، وأضاف، مرتبكًا، أنها تستطيع اختيار أي مكان تشاء.
شعرت ندى، لوهلة، بشيء من الشفقة عليه، لأن محاولته كانت صادقة أكثر مما ينبغي في مكانٍ اعتاد الناس فيه إخفاء نواياهم خلف المجاملات الباردة، لكنها، رغم ذلك، لم تستطع أن تفتح له الباب، فاعتذرت بلطف، قائلة إنها منشغلة معظم الوقت.
نظر إليها كمن يحاول التقاط فرصة تتسرب من بين يديه، ثم قال مبتسمًا بتردد:
ـ لكني بالكاد أراك… فقط صباحًا في المطعم.
وصمت لحظة، قبل أن يضيف بتلعثم واضح:
ـ في الحقيقة… كنت أتساءل إن كنتِ وحدكِ… أقصد، هل لديكِ شريك أو.. او شيء من هذا القبيل؟
عندها رفعت ندى عينيها إليه أخيرًا، وفي عينيها لمعان غامض يشبه المزاح المتعب، وابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
ـ نعم… هل تريد التعرّف إليه؟
ارتبك الرجل، وبدا كمن لم يفهم إن كانت تمزح أم تسخر أم تخفي وراء عبارتها شيئًا لا يراه. أما هي، فكانت تدرك جيدًا أن شريكها الحقيقي في المصحّة كان يكمن في وحدتها الطويلة، وخوفها المتراكم، وذلك الحزن الذي صار يرافقها كظلٍّ صامت لا يغادرها.
نهضت تحمل صحنها بهدوء، ثم قالت بلطفٍ مهذب:
ـ سررت بالتعرّف عليك.
استعجل الرجل الكلام، كأنه يخشى أن تضيع اللحظة نهائيًا:
ـ مهلًا…
لكنها قاطعته بنبرة رقيقة حاسمة:
ـ عذرًا… أنا على عجلة من أمري، وأنتظر اتصالًا.
ثم مضت مبتعدة بخطوات هادئة، تاركة خلفها رائحة القهوة وارتباكه وأسئلته المعلّقة.
وما إن عادت الى غرفتها حتى اهتز هاتفها معلنًا اتصال مايك.
كان صوته، على الرغم من المسافات، يحمل تلك الألفة التي تشبه الضوء الخافت في نهاية ممر طويل. أخبرته، بشيء من التسلية النادرة، عن ذلك النزيل الذي حاول التقرّب منها وسؤاله لها، إن كانت مرتبطة بأحد. ضحك مايك ضحكته الدافئة تلك التي كانت تعرف كيف تنتشلها، ولو مؤقتًا، من مزاجها الثقيل، ثم قال مازحًا:
ـ وأنا أيضًا أرغب بالتعرّف على هذا المعجب الشجاع!
فضحكت هي الأخرى، ضحكة قصيرة لكنها حقيقية هذه المرة، وشعرت لوهلة أن قلبها لم يخطئ الاختيار، فقد كان مايك يملك قدرة غريبة على إعادة شيء من خفتها القديمة، عبر بساطته وحنانه الهادئ الذي لا يضغط عليها ولا يطالبها بشيء.
ثم تغيّرت نبرته قليلًا، وقال بجدية امتزجت بالقلق:
ـ ما رأيك أن آتي لزيارتك في عطلة نهاية الأسبوع؟
ساد صمت قصير. نظرت ندى عبر نافذة غرفتها الى الأشجار العارية التي كانت الريح تعبث بأغصانها، وشعرت أن المسافة، أحيانًا، أكثر رحمة من اللقاءات مهما كانت، فقالت بهدوء:
ـ لا يا مايك… لا أرغب بذلك.
ثم أتبعت كلماتها بنبرة أكثر ليونة:
ـ لم يتبقَّ على انتهاء العلاج سوى أسبوع واحد، أو أسبوعين على الأكثر… وبعدها سأكون معك، لذلك ارجوك ان لا تُتعب نفسك بعناء الرحلة.
لم يُجادلها، لكنه بقي صامتًا للحظة، كأنما فهم ما لم تقله، فهي، رغم اشتياقها إليه، لم تكن تريد لأحد أن يراها بكل ضعفها، كانت تخشى أن تتحول، في عيني من يحبها، الى امرأة أنهكها الحزن أكثر مما ينبغي.
وحين أنهت المكالمة، بقي صوت مايك يتردد في داخلها كدفءٍ بعيد، يهمس في سريرة نفسها بيقين شجي:
إن الإنسان ينجو أحيانًا، إن كان هناك شخصٌ محبٌّ لا يزال ينتظره على الضفة الأخرى من تعبه.
*
يتبع



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لقصيدة -سباعيات مبعثرة- للشاعر عادل الحنظل
- صكوك الطبقية
- شذى خبز التنور
- السكينة المصنعة والساعة اليتيمة
- صنم البطاقة الالكترونية
- الجلساتُ العلاجية وسقف اللوائح
- الفصل الثامن: شظايا المرايا المتطابقة
- الفصل السابع: التحرر من عبء التبرير*
- في المصحة: حفلة الكراهية
- مرافئ السكينة وأصيل الانبعاث
- وقفة تأملية في جغرافيا الفجيعة: قراءة في كتاب -دهاليز الموت- ...
- أولى نصال العنصرية، الفصل الثني
- رماد الغابة وقلاع الجسد المتهالك
- الى روح الزميل والصديق الراحل سالم قبيلات
- قراءة نقدية لقصة كشك الحكاية... للاديبة سعاد الراعي ،الكتابة ...
- قصي الشيخ عسكر: قراءة نقدية لمجموعة النخلة العمة وابناؤها ال ...
- جمعة عبد الله: سمات مضيئة في مجموعة -النخلة العمة وأبناؤها ا ...
- كشك الحكاية
- 14. سديمُ الصمت.. وارتيابُ اليقظة. من رواية قيد الطبع
- الارتطامٌ بجدارِ الجليد فصول من رواية تحت الطبع


المزيد.....




- 16 رواية في القائمة الطويلة لجائزة غونكور 2026
- فنان مصري شهير يتعرض لحادث مروع
- لا حفلات قريبة لجورج وسوف في سوريا.. ومصادر تنفي ما يتداول ب ...
- -طائرة الجدة وأحلام النزع الأخير-.. قصص إنسانية خلف التوابيت ...
- سفارة موسكو بالجزائر تحيي يوم السينما
- تونس: السلطات توقف الصحافي البارز محمد اليوسفي الصوت الناقد ...
- اشتباك فكري حول -مستقبل صناعة النشر في عصر الذكاء الاصطناعي- ...
- كوميدي تركي يواجه السجن لأكثر من 9 سنوات بتهمة -إهانة- أردوغ ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن -مذكرات رضيعة- لسناء الشّعلان في جا ...
- استعمار الخرائط.. أفريقيا تطالب العالم برؤية حجمها الحقيقي


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - المعجب الشجاع