أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - صكوك الطبقية














المزيد.....

صكوك الطبقية


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 20:15
المحور: الادب والفن
    


الفصل الثالث عشر من رواية قيد الطبع

استرعى انتباه ندى، منذ أيامها الأولى في المصحّ، طيفُ بنايةٍ منعزلة تقبع في أقصى المجمع الصحي، تُظلّلها أشجارٌ وارفة، وتحفّها ممراتٌ يسكنها هدوءٌ ظاهر، كأنها واحةٌ مخملية صيغت بعنايةٍ فائقة كي تنأى بنفسها عن شحوب المكان المحيط بها.

كانت نوافذها الفسيحة محجوبةً دومًا بستائر شفافة، توحي بعالمٍ
يتكتم على أسراره، فيما ترقد السيارات الفارهة أمام ممرّها في سكونٍ باذخ يشي بثروات مضمرة، ويتحرك العاملون هناك بحذرٍ مغاير، تضبط خطواتِهم طقوسٌ أشبه بخضوعٍ مهذّب وبروتوكولٍ صارم، بعيدة كل البعد عن الرعاية الرتيبة التي يلقاها بقية النزلاء في القسم العام.

راقبت ندى، بفضولها الهادئ وبصيرتها النافذة، تفاصيل عارية كشفت لها عمق الهوة بين العالمين. لاحظت أن مرضى ذلك الجناح يستغنون عن قاعة الطعام المشتركة، إذ تُزفّ إليهم الوجبات في أجنحتهم الخاصة، مصفوفةً في صحونٍ منمّقة تحت أغطية أنيقة، بينما يُحرَم بقية النزلاء حتى من ثمرة فاكهة واحدة أو كوب قهوة يدخل غرفهم، تحت ذريعة التزامٍ صارم باللوائح والنظام.

وكانت ترى الممرضات يدلفن إلى ذلك الجناح بابتسامات مغايرة، أكثر ليونة ودماثة، وكأن للمال سطوةً خفية تُبدّل رنين الحناجر، وتُهذّب نبرة الأصوات، بل وتُغيّر حتى طريقة الطرق على الأبواب.

حين سألت جارتها الستينية ذات مساء عن سرّ ذلك الجناح، ابتسمت المرأة بسخريةٍ مريرة أملتها خيبةٌ عتيقة، وقالت:

"أولئك يا عزيزتي ندى هم أصحاب الضمان الصحي الخاص، طبقة الأثرياء. كل تفصيل في حيواتهم هنا يخضع لميزانٍ مختلف، فالطعام يُطهى ويُعدّ وفق شهية كل فرد، والبرامج العلاجية والترفيهية تنتمي إلى عالمٍ آخر بعيدٍ عن برامج العوام أمثالنا. غرفهم أوسع مدى وأفخم تأثيثًا، وأطباؤهم ومعالجوهم يملكون من اللطف والصبر ما تعجز وجوهُهم هنا عن أن تبصقه. ففي هذا العالم يا ندى، كل شيء معروضٌ للبيع والشراء، وسخاء الدفع حتى الراحة النفسية والاهتمام الآدمي."

ثم أردفت وهي تخفض صوتها بنبرةٍ أشبه بالبوح المكتوم:

"أولم تلمحي نظراتهم الاستعلائية بعد؟ إنهم يعيشون بيننا معزولين، لا تكاد شفاههم تتحرك لتردّ تحية الصباح، وكأنهم في طبقةٍ علوية منفصلة، بمنأى عن عَرَض المرض الذي أصاب بقية الناس."

ظلت كلمات جارتها تدور في فلك ذهن ندى طويلًا، تقضّ مضجع تساؤلاتها وتُعيد صياغتها مرارًا.

لم تكن الفكرة بحدّ ذاتها لتفاجئها، فقد أدركت منذ زمنٍ بعيد، وخلال محطات تغرّبها المتعددة، أن هذا العالم يُدار بمنطقٍ بعيدٍ كل البعد عن العدالة المستوثقة. غير أن ما نكأ جرح روحها وآلمها بحقّ هو رؤية الفوارق الطبقية تتسلل بوقاحةٍ حتى إلى تلك المصحات الإنسانية، التي يُفترض أن تُؤسَّس لمداواة هشاشة البشر وجمع شتات آلامهم لا لتكريس تراتبيتهم.

وقفت ندى تتأمل تلك البناية القاصية من خلف الزجاج البارد للممر، فتراءى لها أن الإنسان يحمل ختم طبقته الاجتماعية أينما ارتحل، حتى إلى سرير التعب ذاته. فالأغنياء يقضون مرضهم داخل أسوار من العزلة الأنيقة والترف، حيث تُروَّض قسوة الألم بالخصوصية والراحة والرعاية الفائضة، بينما يُترك نزلاء القسم العام ليتقاسموا ضعفهم المكشوف بصمتٍ ثقيل داخل القاعات المشتركة، مكتفين بالحدّ الأدنى من العناية، وكأن أوجاعهم أقل جدارة بالالتفات، أو كأن أحزانهم صيغت من مادةٍ أردأ من أن تستحق الرعاية.

ومع هذا التباين الصارخ، لم يتسلل إلى قلب ندى أي شعورٍ بالحسد تجاه أولئك النزلاء المترفين، بل اجتاحها حزنٌ هادئ وشفيف على مصير هذا العالم بأسره. كانت تعي بيقينٍ راسخ أن المال، برغم سطوته ونفوذه، قادرٌ على شراء السكون، والامتيازات الطبقية، والابتسامات المهنية المأجورة، لكنه يظل عاجزًا عن شراء الطمأنينة الحقيقية التي تنبع وحدها من سلام الروح.

ولهذا، حين كانت تُبصر أحد أولئك المرضى الأثرياء يعبر الممر بوجهٍ شاحبٍ ككفن، وعينين غارقتين في لُجّة تعبٍ داخليٍّ سحيق، كانت تُحدّث نفسها بيقينٍ مرّ:

"إن الألم، في نهاية المطاف، يبقى الحقيقة الوحيدة المطلقة التي تعبر الجسور والطبقات جميعها لتسحق الروح، وإن تأنّقت طرق تقديمه وعرضه للبشر."

وفي تلك اللحظة بالذات، أدركت ندى، وهي تراقب ذلك الشبح المترف يذوب في تعبه الصامت، أن هناك مصحًّا آخر لا يُبنى بالجدران ولا يُشترى بالمال، مصحّ الروح الذي لا يفرّق بين ثري ومعدم، إذ يقف الجميع أمام بابه عراة من كل امتيازٍ، متساوين في عجزهم. وتساءلت في سرّها إن كان أولئك النزلاء، خلف ستائرهم الشفافة وامتيازاتهم الباذخة، يشعرون في لحظات وحدتهم القصوى بأن العزلة التي اشتروها بأموالهم ليست سوى قفصٍ آخر، أشدّ إحكامًا من قفص الفقر الذي يعانيه رفقاؤهم في القسم العام، لأن قفص الغنى يُخفي وحشته خلف ابتسامات مأجورة، بينما يعلن قفص الفقر عن وجعه بصراحةٍ لا تحتمل التجميل.
*
يتبع



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شذى خبز التنور
- السكينة المصنعة والساعة اليتيمة
- صنم البطاقة الالكترونية
- الجلساتُ العلاجية وسقف اللوائح
- الفصل الثامن: شظايا المرايا المتطابقة
- الفصل السابع: التحرر من عبء التبرير*
- في المصحة: حفلة الكراهية
- مرافئ السكينة وأصيل الانبعاث
- وقفة تأملية في جغرافيا الفجيعة: قراءة في كتاب -دهاليز الموت- ...
- أولى نصال العنصرية، الفصل الثني
- رماد الغابة وقلاع الجسد المتهالك
- الى روح الزميل والصديق الراحل سالم قبيلات
- قراءة نقدية لقصة كشك الحكاية... للاديبة سعاد الراعي ،الكتابة ...
- قصي الشيخ عسكر: قراءة نقدية لمجموعة النخلة العمة وابناؤها ال ...
- جمعة عبد الله: سمات مضيئة في مجموعة -النخلة العمة وأبناؤها ا ...
- كشك الحكاية
- 14. سديمُ الصمت.. وارتيابُ اليقظة. من رواية قيد الطبع
- الارتطامٌ بجدارِ الجليد فصول من رواية تحت الطبع
- . موازينُ الطين.. وموازينُ الأرقام. من رواية تحت الطبع
- 10. ميثاق الوجع واليقين


المزيد.....




- فرنسا تستقبل 44 عالما وفنانا فلسطينيا من قطاع غزة
- مركز دراسة الرأي العام يؤكد النزعة نحو ارتفاع عدد الراغبين ...
- مصر.. اكتشاف مقبرة فرعونية في البوباسطيون
- تشاركها المخرجة اللبنانية مونيا عقل.. بطلة -تايتانيك- تعود ل ...
- أساتذة مؤهلون وطلاب مجتهدون.. كيف تزدهر العربية في شوارع كاب ...
- مروان خوري يصل إلى دمشق استعدادا لحفله في معرض دمشق الدولي ( ...
- التعليم العالي: اليوم .. بدء تسجيل اختبارات القدرات المؤهلة ...
- معتصم النهار يخوض تجربة التقديم للمرة الأولى في -موريكس دور- ...
- 4.6 أمتار من الألوان.. فنانات يصنعن طائر أوريغامي عملاقًا لإ ...
- اتحاد الكتاب الفلسطينيين… وحدة الثقافة وقوة الدبلوماسية الثق ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - صكوك الطبقية