أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - 2 ـ البيت الذي اقتحمه الرعب*














المزيد.....

2 ـ البيت الذي اقتحمه الرعب*


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 16:18
المحور: الادب والفن
    


من رواية رأس لينين/ تابع للفصل الاول
كانت السجون العراقية، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أضيقَ من أن تحتمل ما حُشر فيها من أرواح، وعجزت عن إخفاء ما يجري داخلها من أهوال.
عشرات الآلاف من المعارضين للسلطة الدكتاتورية، من شيوعيين وإسلاميين ومستقلين وغيرهم، زُجّ بهم خلف أبواب حديدية أوصدها القمع في وجه كل رأي يجرؤ على المخالفة. كما بلغت الخصومة السياسية في تلك المرحلة حدّ اقتلاع الخصم من جذوره.
توالت النكبات على الحزب الشيوعي متلاحقةً كصواعق الخريف، فما إن انفرط عقد التحالف مع الحزب الحاكم، حتى انفتحت أبواب أجهزة الأمن على مصاريعها، وتتابعت موجاتُ الاعتقال وأحكامُ الإعدام لتعصف بزهوةِ القيادات والكوادر. وأمام هذا الموت المتصدّر لكل درب، بزغ خيار الكفاح المسلح كآخر الملاذات. تدفقت مفارز الأنصار في أودية كردستان وجبالها، تُذكي جذوة حلمٍ قديم بالتغيير.

وفي الجهة المقابلة، جاءت العمليات المسلحة التي أعلن حزب الدعوة الإسلامي مسؤوليته عنها ضد رجال السلطة، وفي مقدّمتها محاولة اغتيال نائب رئيس الوزراء آنذاك، ذرائع إضافية لتشديد القمع، حتى أُعدم مؤسس الحزب وعدد كبير من أعضائه، وتحولت المشانق في الساحات العامة إلى وسيلة لإرهاب الشارع وترهيب كل من يفكر في المعارضة.
أصبح الخوف روتينًا حين خيم الرعب على تفاصيل الحياة اليومية في الشوارع والبيوت والمدارس وفي كل المؤسسات، حتى صار الناس يترددون قبل التفوه بأي كلمة.
صور القائد كانت حاضرة في كل مكان. عيناه تتعقبك أينما كنت، حتى في غرف النوم والمرافق. عاش العراقيون زمنًا يُحسب فيه الكتمان والصمت أول شرط للنجاة. ولكن، حتى الصمت يمكن ان يكون موضع شك وتهمة ان لم يُفسر بشكل صحيح.
في ذلك المناخ المشحون، تشكّل وعي نوري، ابن السليمانية، الطالب في المعهد الصناعي، الذي يبدو هادئ الطبع بملامحه الجبلية القاسية، مع حذر واضح تنم عنه نظراته اليقظة. أسرته في الماركسية أسئلتها عن قضايا العدالة وحقوق الفئات الكادحة الفقيرة. فقد كان يبحث عن معنى أوسع للحياة، عن تغيير حقيقي يستوعب الجميع دون ادعاء بطولة. وحين تعرّف إلى أحد أعضاء الحزب الشيوعي، وجد نفسه يقترب من ذلك العالم خطوة إثر أخرى، حتى أضحى العمل السري جزءًا من نسيج أيامه، باندفاع شاب يراهن على التغيير، رغم ادراكه لكلفة هذا الطريق.
بعد ساعات طويلة من التعذيب والتحقيق المتواصل، وقد أعيت رجال الامن محاولاتهم انتزاع اعترافه بتوكيد على انتمائه الحزبي، أو دفعه إلى التعاون معهم، قرروا اقتياده إلى منزله لتفتيشه.
كانت عيناه معصوبتين بأحكام، لكنه استدل على الاتجاه من حركة السيارة وحفظه لتفاصيل الحارة، فعرف أنهم يتجهون لبيته. تضاعف خوفه على عائلته المهددة بسبب وجودهم معه.
اندفع رجال الأمن إلى الداخل بهمجية واضحة، ودوّى صراخهم في أرجاء المنزل، وارتسم الذعر على كل وجه فيه. وقف والده، الشيخ الذي أثقل المرض قلبه منذ سنوات يتوسل، فلم يجد استعطافه أي استجابة.
راحوا يقلّبون المنزل رأسًا على عقب، فلم تسلم الخزائن ولا الفرش ولا الكتب، ولا حتى علب أعواد الثقاب وأغلفة السجائر، في تفتيش انتقامي لا يراعي حرمة.
كان نوري يتابع المشهد بقلبٍ يكاد يتوقف، تجول حواسه وسط الفوضى باحثة عن بندقيتي الصيد اللتين طالما أقلقتاه، عارفًا أن وجودهما كفيل بتحويل التهمة إلى كارثة. غير أن والده، رغم ارتباكه، كان قد سبقهم إلى إخفائهما بحكمة العسكري القديم الذي لم تفارقه خبرته يومًا، فنجتا من التفتيش، ونجا معهما أمل في تفادي التهمة الكبرى.
غير أن المداهمة كشفت أمرًا لم يحسبوا حسابه، إذ لم يتوقع الأب أن ولع ابنه برسم رأس لينين على أغلفة كتبه ودفاتره سيغدو يومًا دليل اتهام قاطع.
مدّ أحد رجال الأمن يده الى حقيبة صغيرة، فانتزع منها دفترًا مدرسيًا، ثم آخر، ثم ثالثًا، فإذا بالرأس ذاته يتكرر على الصفحات، كأنه ختمٌ لا يُمحى، حتى على دفاتر شقيقته الصغرى نريمان، ذات الأعوام الستة، ظهر ذلك الرسم، وهي التي لم تكن تعرف عن ذلك الوجه سوى أنه رسم كرره أخوها في كراساتها.
رفع الضابط أحد الدفاتر في وجه نوري متسائلًا بنبرة من ظفر بصيده:
"ما هذا؟؟"
فأجابه بثبات وتماسك، رغم ارتباكه المكتوم:
"هذه دفاتر متداولة... لا تحمل دليلًا على شيء."
لم يقتنع الضابط ولم يكترث لكلامه، ومضى نحو نريمان مباشرة.
انتزعوا الطفلة من حضن أبيها الذي لجأت إليه بعد أن هالها ما حل بأخيها، وانزواء أمها ونُواحها وسط عنف مباغت لم تعرف له مثيلًا من قبل.
صرخت نريمان مذعورة، وانفجرت بالبكاء، وهي تمد يديها الصغيرتين محاولة العودة إلى صدر أبيها.
في تلك اللحظة انهار الأب انهيارًا لم يعرفه أحد فيه من قبل، خرّ على ركبتيه يقبّل أحذية الرجال، يتوسل إليهم أن يتركوا الصغيرة، وأن يأخذوه هو بدلًا منها، وبدلًا من ابنه إن شاؤوا.
لم يجد توسله من الرجال سوى الركلات والشتائم، وانهالت عليه الضربات حتى هوى على الأرض فاقد الوعي، ودمه يسيل على البلاط، بينما ظلت صرخات نريمان تتعالى فوق كل صوت آخر في الغرفة.
أفلتت الطفلة من قبضة أحد الرجال، وعادت تجري إليه، جلست قرب رأسه، ومسحت بيدها الصغيرة سيل الدم عن جبهته، وسط صراخ الأم وذهول الجميع.
أما نوري، وهو يُجرّ بعنف إلى خارج المنزل، مقيّد اليدين، فقد أدرك أن عجزه عن حماية والده كان أشد إيلامًا من الأغلال التي تطوق معصميه. وظل صوت أحد رجال الأمن يلاحقه من خلفه بوعيدٍ صارم:
"سنعلّقك في حبل المشنقة... ولن ينجدك أحد."
كان ينظر إلى يديه المقيدتين، وإلى ما حلّ بعائلته في تلك الساعة، ويشعر أن كلفة خياراته السياسية دفعتها عائلته، التي وجدت نفسها في مواجهة البطش من دون أن تختار هذا الطريق يومًا.
**
يتبع
*من رواية رأس لينين



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصمود في وجه العواصف العنصرية في رواية -قبل أن يذبل القلب- ...
- شهادة في كامب الأنصار،
- مقدمة الدكتور حامد فضل الله لرواية - قبل ان يذبل القلب-.
- مرافئ الروح الموشومة بالأمل
- شال العتمة الاختياري
- تآمر الملفات واسترداد الحق
- طوق النجاة
- المعجب الشجاع
- قراءة لقصيدة -سباعيات مبعثرة- للشاعر عادل الحنظل
- صكوك الطبقية
- شذى خبز التنور
- السكينة المصنعة والساعة اليتيمة
- صنم البطاقة الالكترونية
- الجلساتُ العلاجية وسقف اللوائح
- الفصل الثامن: شظايا المرايا المتطابقة
- الفصل السابع: التحرر من عبء التبرير*
- في المصحة: حفلة الكراهية
- مرافئ السكينة وأصيل الانبعاث
- وقفة تأملية في جغرافيا الفجيعة: قراءة في كتاب -دهاليز الموت- ...
- أولى نصال العنصرية، الفصل الثني


المزيد.....




- -GigaAM- الروسي يتفوق على OpenAI وNvidia في أداء المهام بالل ...
- هوليوود تعود إلى أمريكا.. استراتيجية ترامب الجديدة تُعيد رسم ...
- مصطفى الخاني يعلن تعرضه لتهديد ويخاطب -الصندوق السيادي السور ...
- مخرج لاتفي يفوز بجائزة كبرى قدرها 400000 يورو في مهرجان أفلا ...
- تحرك برلماني بسبب “انقطاع الكهرباء” وتوقف الأنشطة المسائية ب ...
- -الموجة التاسعة- تستعيد بريقها بعد ترميم شامل في المتحف الرو ...
- وزير الثقافةوالسياحة: معركة استعادة الدولة لن تتوقف حتى تحري ...
- أكتوبر في الذاكرة الموسيقية: كيف صاغ الإبداع المصري عبور اله ...
- الشتات الفلسطيني.. كيف تحول الألم إلى مصدر للثقافة والمقاومة ...
- هوليوود تنقلب على عمالقة التكنولوجيا في موجة من الأفلام


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - 2 ـ البيت الذي اقتحمه الرعب*