سعاد الراعي
كاتبة وناقدة
(Suad Alraee)
الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 22:14
المحور:
الادب والفن
الفصل السادس عشر
كانت الأيامُ الأخيرةُ تنسابُ فوق روحِ ندى بطيئةً الى حدٍّ يلامسُ حدودَ العذاب المُر.. كأنَّ الزمنَ في ردهاتِ تلك المصحّة قد تخلّى عن فِطرتِه السّيالة، وتحوَّل بغتةً الى كتلةٍ صلدةٍ من الساعاتِ الرمادية الرتيبة التي لا تنقضي. لم تعد ندى تميّزُ فجرًا من غسق، ولا سبتًا من أحد، فكلُّ ما حولَها كان يذوبُ في أتونِ انتظارٍ طويلٍ مجهد، انتظارِ تلك النهاية اللامرئية التي بدت لقلبِها المنهك بعيدةً مراوغة، كشاطئٍ ناءٍ لا تصلُ إليه السُّفنُ الضالّة.
كانت تستيقظُ في كلِّ صباحٍ وفي صدرِها الغاضب سؤالٌ واحدٌ يلحُّ عليها بإيقاعٍ موجعٍ لا يهدأ:
"متى الانعتاقُ من هذا المكان؟
متى أعودُ الى بيتي الدافئ الذي تركتُ بين أركانه نصفَ قلبي، والى حياتي الفطرية التي كانت تشبهني، قبل أن تبتلعَ نضارتي، هذه الجدرانُ البيضاءُ المصمتة، ببرودِها القاتل؟"
كانت تعدُّ الأيامَ الزاحفةَ كما يعدُّ السجينُ المحكوم خطواتِه الأخيرةَ نحو شمسِ الحرية، تحسبُها بالدقائقِ المتلكئة تارةً، وبخفقاتِ قلبِها المرتجفةِ تارةً أخرى.
حين وفدت الى هذه المصحّةِ في المبتدأ، ظنّت في غمرةِ وهمِها الشفيف أنها تهربُ من جراحِها النازفةِ لكي تتعافى.. لكنها اكتشفت، بعد طولِ اختبار، أن بعضَ الأمكنةِ المرتجاة لا تشفي الآلامَ أبدًا، بل تعرّيها بعنفٍ حتى آخرِ طبقاتِها المستورة.
كانت ندى تبدو للنزلاءِ من حولها هادئةً، متزنةً الى أبعدِ الحدود، لكنها في مُحاق دورتِها الداخلية كانت ساحةَ حربٍ مستعرةٍ لا يهدأ لظاها. روحُها المتعبةُ تتأرجحُ بعنفٍ بين رغبةٍ ضارية في النجاة، وخوفٍ دفينٍ أسودَ من أن تكونَ قد فقدت جَوهرَ نفسِها ومفاتيحَ هويَّتِها الى الأبد.
وكان أكثرُ ما تخشاه ويقضُّ مضجعَها، أن تتحولَ تلك المصحّةُ بالتدريج الى قدرٍ جاثم، الى حياةٍ معلّقةٍ في البرزخ، لا هي تنتمي فيها الى العالم الخارجيّ الحي، ولا هي قادرةٌ على الاندماج في هذا العالم الداخلي الممسوخ.
وحين أشرقَ صباحُ اليومِ قبل الأخير، استشعرت ندى شيئًا يشبه الرجفةَ الغامضة يسري في أوصالِ المكانِ كلِّه، إذ أخبرتهم المشرفةُ، بنبرةٍ تخلو من العاطفة، أن اللجنةَ الطبيةَ المختصة ستقابلُ الآن كلَّ فردٍ منهم على انفراد، لتقررَ مصيرَه النهائي:
هل انتهت رحلتُه العلاجيةُ وحانَ سراحُه، أم أنه سيبقى رهينَ الأسوار لأسابيعَ أخرى؟
كانت المشرفة تتحدثُ بلهجةٍ عمليةٍ جافة، لكنَّ كلماتِها سقطت في أعماقِ ندى كصخورٍ ثقيلةٍ تتكسر في بئرٍ مهجورة. أوضحتْ أن اللجنةَ الوقورة تضمُّ مسؤولَ المصحّةِ الأول، ورئيسةَ الأطباء النفسيين، والمشرفين المباشرين على الخطط العلاجية، وأن القرارَ النهائي سيُبنى حصرًا على التقارير الطبية المدونة ومدى استجابة كل مريض للتدجين العلاجي.
منذ تلك اللحظةِ العاصفة، بدأ صدر ندى يضيقُ شيئًا فشيئًا، وكأنَّ الهواءَ في القاعةِ صار أثقلَ من أن يُستنشقَ في الرئتين. جلست تنتظر دورَها المجهول، وكفاها متشابكتانِ بقوةٍ مفرطةٍ في حِجرها لتقييد ارتعادهما. كانت تحاولُ مستميتةً أن تبدو متماسكة، غير أن القلقَ الخبيث كان ينهشُ أعصابَها المشدودةَ في صمتٍ مروع.
وحين نادى أحدُهم اسمَها بنبرةٍ آلية، نهضت ببطءٍ وَوَهن، لكنها شعرت فجأةً بدفقٍ دافئٍ عجيب يعبرُ شغافَ قلبِها، إحساسٌ غامضٌ شجي يشبه حضورَ يدِ والدها الراحل، تلك اليدِ الأبويةِ الحانية التي طالما استشعرت دفأَها على كتفها في لحظات خوفها القديمة، كأنَّ روحَه الطاهرة كانت تأتي وتتجسدُ كلما ضاقت بها سبلُ الدنيا، لتهدهدَ روعَها وتقول لها بصمتٍ أبويٍّ بالغ الرأفة:
ـ لا تخافي يا بنيتي، أنا معكِ.
عندها فحسب، شعرت أن خطواتِها على البلاطِ البارد أصبحت أكثرَ ثباتًا ورسوخًا، وأن عبيرًا من الطمأنينة الفطرية قد عاد ليسكنَ رُوحَها المرتبكة.
ولجت الى غرفةِ اللجنة، فاستقبلتها وجوهٌ جادةٌ صارمة، وملفات كثيرة مبعثرة فوق الطاولة الخشبية الفسيحة. راحت الطبيبة المسؤولةُ تقلب ملفها الطبي ببرودٍ ميكانيكي قبل أن ترفعَ رأسَها قائلةً بنبرةٍ هادئة:
ـ التقاريرُ المرفوعةُ تشير بجلاءٍ الى تحسنٍ ملحوظٍ في حالتكِ العامة، وهذا أمرٌ إيجابيٌّ وجيد جدًا، لكننا، من منظورنا الطبي، نرى ضرورةَ الاستمرارِ في برنامج العلاج والمتابعة لستةِ أشهرٍ إضافية بعد عودتكِ الى منزلكِ... فما رأيكِ؟
أصغت ندى لتلك الكلماتِ وهي تلتقطُ أنفاسَها المتهدجة من بين ثناياها، ثم أجابت بصوتٍ هادئٍ رصين يحملُ صدقًا عميقًا لا زيفَ فيه:
ـ نعم.. أنا أعترف بكامل الإرادة أنني استفدتُ كثيرًا من وجودي هنا، وأشعرُ حقًا أنني أفضلُ بكثير مما كنتُ عليه في السابق، وسأواصلُ خطتي العلاجيةَ بعد عودتي الى بيتي بكل تأكيدٍ وانضباط.
ابتسمت المسؤولةُ ابتسامةً مقتضبةً باردة، وانتهى اللقاءُ البيروقراطي سريعًا.
خرجت ندى من الغرفة وهي توقنُ أن الأمرَ قد حُسم لصالِحها، وأن شمسَ الغد ستحملُها أخيرًا بعيدًا عن أجواء هذا السجن الإداري الرمادي. لأول مرة منذ أسابيع العتمة، امتلأت روحها بخفةٍ ونور يسريان في جنبات قلبها، كأنَّ نافذةً من الأمل قد انفتحت أخيرًا في نهاية ذلك النفق المظلم الطويل.
وفي المساء، وبين أجواء حفل الوداع البسيط الذي أقامته المجموعةُ النزيلة، بدت ندى مشرقةَ المحيّا، وما هي إلا لحظات حتى أحاطت بها بعضُ الوجوه، تخاطبها بنبرةٍ تقطر شفقةً وأسفًا:
ـ لكنكِ يا ندى لن تغادري أسوارَ المصحةِ معنا غدًا.
التفتت إليهم بذهولٍ صاعق، واتسعت عيناها المذعورتان كأنها لم تستوعبْ فحوى ما قيل:
ـ ماذا؟!
من الذي قال هذا الهراء؟
ـ المشرفةُ هي من أخبرتنا قبل قليل...
ستبقينَ هنا في المصحة لأسبوعين إضافيين او أكثر.
في تلك اللحظة الرهيبة، شعرت ندى كأنَّ الأرضَ الصلبةَ قد انشقت وانسحبت من تحت قدميها. ارتفع الدمُ حارًا متدفقًا الى رأسها دفعةً واحدة، وقفزت من مكانها كالملسوعة، متجهةً الى مكتب المشرفة بخطواتٍ مضطربةٍ يغمرها غضبٌ عارم. دفعت البابَ بعنفٍ ودخلت دون استئذان، وصوتُها يرتجفُ بين القهرِ الدفين والانفعال الحارق:
ـ هل صحيحٌ ما يُشاع بأنني سأبقى محتجزةً هنا؟
رفعت المشرفةُ عينيها ببرودٍ إداري كالح، وأجابت بجفاء:
ـ نعم... هذا هو القرارُ النهائي للجنة الطبيّة.
حدقت ندى فيها بنظراتٍ زاغ فيها التصديق:
ـ لكنهم لم يجرؤوا على إخباري بذلك أثناء المقابلة!
لم يسألني أحدٌ منهم إن كنتُ أوافقُ على هذا البقاء القسري ام لا.
ثم اني فهمتُ من كلماتهم أنني سأغادر غدًا برفقة الآخرين. أريدكِ أن تتصلي بهم الآن ودون تأخير...
أخبريهم أنني أرفضُ البقاءَ في هذا المكان يومًا واحدًا، بل ساعة واحدة إضافية!
كان الغضبُ المستعر في نبراتِها ممتزجًا بخذلانٍ موجع، تراءى لها أنها خُذلت وأن حقَّها الفطريَّ في تقرير مصيرها يُنتزع منها عنوةً، مرةً أخرى تحت لافتة الطب.
كانت ندى، برغم كل ما يغلف كينونتها من رقة، تحمل في سجيتها عنادًا خفيًا صلبًا، عنادَ مَن تعلَّم بعد الآلام الطوال والجرعات المرة ألا يسمحَ لكائنٍ من كان بأن يصادرَ صوته الحرَّ أو يمسخَ إرادته.
تنهدت المشرفةُ بضيق، وقالت ببرودها البيروقراطي المتعالي:
ـ لا أملكُ لكِ من الأمرِ نفعًا...
اذهبي الى الغرفةِ رقمِ اثنينِ وعشرينَ، وهناك يُفصلُ في شأنكِ.
خرجت ندى من عندها كأنها مَذعورةٌ تطاردُ آخرَ خيطٍ من خيوط حريتِها الموشك على الانقطاع.
توجهت مباشرةً صوب الغرفة المطلوبة، وهناك بسطت موقفَها بإصرارٍ وعزمٍ قاطع لا يلين. تحدثت بقوةٍ عن حقّها القانوني والمشروع، وعن ضرورةِ أخذ موافقتها الخطية، وعن ذلك الخطأ الإداري الجسيم الذي اقترف دون علمها.
لم تكن تتحدث في تلك اللحظة لتغادر المصحّةَ فحسب، كانت تدافعُ باستماتة عن شيءٍ أعمق وأقدس بكثير:
عن حقّها في أن تُعاملَ كإنسانةٍ كاملة الإرادة والآدمية، لا كحالةٍ طبيةٍ جامدة تُنقل قراراتُها ومصائرُها ببرودٍ بين رفوف الملفات الكرتونية.
طلبت منها الموظفةُ الجالسة خلف المكتب، بنبرةٍ متوجسة، أن تنتظرَ في الرواق الخارجي حتى يتم الاتصالُ الهاتفي بالمسؤولين المعنيين بملفها.
وكان الانتظارُ هذه المرة أشدَّ ضراوةً وقسوةً على روحها من كل ما سلف.. إذ بدت لها الساعاتُ دُهورًا متيبسة. جلست تارةً وعيناها في الأرض، ونهضت تذرعُ الممرَّ جيئةً وذهابًا تارةً أخرى، وعيناها معلقتانِ برتاج الباب المغلق كأنَّ مصيرَ حياتِها بأسرها يقفُ متوجسًا خلفه. كانت تسمعُ ضرباتِ قلبِها المتلاحقةَ بوضوحٍ يثقب الصمت، وترى خوفَها القديم وإصرارَها المتجدد يتصارعانِ في حلبةِ رُوحِها بلا رحمة.
ثم… وفي نهاية المطاف، انفتح البابُ المغلق بصريرٍ خفيف. أطلّت الموظفةُ من خلفه، وهي تقول بنبرةٍ هادئةٍ زُفت كالبشارة:
ـ يمكنكِ المغادرةُ غدًا صباحًا برفقةِ الآخرين.
في تلك اللحظةِ الغامرة، أحست ندى بشيءٍ يشبه استعادةَ كينونتها الذاتية السليبة، كأنما انتزعت رُوحَها المخطوفةَ بقوةٍ وعناد من قبضةِ الخوفِ الضاري، وعادت أخيرًا الى حِمى نفسِها للمرة الأولى منذ زمنٍ بعيد.
*
#سعاد_الراعي (هاشتاغ)
Suad_Alraee#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟