أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - ـ محاولة الهرب*















المزيد.....

ـ محاولة الهرب*


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 20:47
المحور: الادب والفن
    


من رواية قيد الاعداد
منذ الأيام الأولى لاعتقاله، تحوّل نزول نوري إلى الحمّامات، ثلاث مرات في اليوم، إلى أكثر من استراحة قصيرة من ظلمة الزنزانة. كان يتشبث بتلك اللحظات الخاطفة تشبثَ من يعرف أن الفارق بين القبر والحياة قد يصنعه شيءٌ يُهملُه الأحرار خارج هذه الجدران. فكان يفتش الأرضية الرطبة والزوايا المعتمة بعينٍ صقيلة تمرست على التقاط المستحيل. في العتمة، لا شيء يبطل نفعه، سلكٌ صدئ، مسمارٌ مكسور، شظية زجاجٍ حاد، أو عظمةٌ جافة القتها وجبة طعامٍ كالح... كانت تلك الأنقاض في حساباته احتمالاتٍ مفتوحة على نجاة، لا يطؤها بزهدٍ إلا من استسلم لليأس وأشاح بوجهه عن الحياة.
في إحدى المرات، وقعت عيناه على عظمةً دقيقة، رفيعة، تشبه الإبرة في طولها ونهايتها المدببة. انحنى يلتقطها بحركة خاطفة، ثم خبّأها بحرص شديد، وكأنه يخبئ سرًا خطيرًا. لم يكن يعلم يومها ما الذي سيفعله بها، لكنه عرف أنه لا يجوز رفض أي وسيلة، فالسجن يعلّم أن احقر الأشياء وأتفهها قد تنقلب ثمينة.
ومنذ تلك اللحظة، أخذ يواظب على شحذها كلما سنحت الفرصة، يمررها على جدار الزنزانة الخشن، ثم على أرضها الإسمنتية بصبر لم يعرف مثله من قبل. ومع الأيام غدت أدق، وأشد حدّة، حتى انقدحت في رأسه فكرةٌ تتجاسر على الجنون، لكنها في عرف السجين كانت مجازفةً تستحق أن يُهرق على أعتابها الجسد.
قال لنفسه:
القوة لا تفتح هذا الباب. ربما، وحده المرض قد يفتحه.
ومنذئذٍ، ارتدى قناع المرض بحذرٍ يزينُه التوجس، فأي هفوة تكشفه ستكلفه الكثير.
اخذ يتأوه في الليل حتى يوقظ صدى الممرات، ويترك أنينه يتسلل إلى مسامع الحراس. وفي النهار، يتعمد السقوط مغشيًا عليه في طريقه إلى الحمام أو أثناء عودته، ثم ينهض ببطء، متظاهرًا بأن جسده فقد القدرة على حمله واستحالت عظامُه هباءً.
لكن التمثيل وحده لا يكفي. رجال الأمن رأوا كل الحيل من قبل وخبروها، وألفوا كذبة دراما المرض حتى حفظوا ملامحها عن ظهر قلب.
كان يحتاج إلى دليل حقيقي على جسده.
أخذ يغرز تلك الإبرة العظمة بين اللحم والظفر في أصابع قدميه، مرة بعد أخرى ينفذ إلى النخاع لكنه يوقن أنه يستحق الاحتمال. كانت الدماء تنزف ببطء، ثم تزرق الأصابع، وتتورم حتى يغدو مجرد ملامسة الارض عذابًا حقيقيًا. ومع الأيام لم يعد يميز بين المرض المصطنع والعلة الحقيقية.
وزاد الأمر قسوةً حين امتنع عن الطعام أيامًا متتالية. شحب وجهه، وغارت عيناه، وخارت قواه، وصار يسقط فعلًا بعد أن كان يتظاهر بالسقوط. وكان يتساءل أحيانًا، وهو يراقب جسده يذبل:
أين تنتهي الخدعة إذا كان الجسد نفسه يدفع ثمنها؟
أخيراً، فرضت العلةُ حضورها، لم يعد بمقدور إدارة المعتقل تجاهل حالته.
دخل عليه ذات صباح ضابط الأمن يرافقه طبيب السجن. انحنى الطبيب، وراح يفحص قدميه المتورمتين، ثم أخذ يطرق بمطرقة الفحص على مواضع الألم، مترقبًا أي حركة أو ارتجافة تكشف تصنّع الضحية.
حبس نوري أنفاسه، وشد أسنانه في صمت حتى كادت تتكسر. كان الألم يخترق أعصابه كالنار، لكن وجهه ظل جامدًا، لا يشي بشيء. معركته الحقيقية كانت مع جسده الثائر الذي يريد أن يصرخ.
رفع الطبيب رأسه بعد انتهاء الفحص، ثم التفت إلى الضابط قائلاً:
ــ ينبغي نقله إلى المستشفى العسكري لإجراء فحوص أدق، ربما هي حالة شلل.
لأول مرة منذ اعتقاله، رأى فرصة حقيقية تنبض بالانعتاق.
تولى إجراءات نقله ضابط يُدعى أبو رنا، وكان من الوجوه القليلة التي بقيت تحتفظ بشيء من لين الفطرة، رغم القسوة التي فرضتها عليه مهنته. لم يكن رحيمًا بالكامل، لكن شيئًا من الإنسانية بقيَّ ينبض فيه رغم كل شيء.
عصبوا عيني نوري، وقيدوا يديه، ثم أجلسوه في السيارة بين أفراد الحراسة. جلس أبو رنا إلى جواره، وما إن تحركت السيارة حتى مال نحوه هامسًا، تتخلل كلماته ضحكات خافتة:
ــ يعني... أنت مريض، ها؟
ثم أردف وهو يقهقه بخفت:
ــ تريد أن تقنعني بهذا؟
وتابع بصوت يكاد لا يسمعه سواه:
ــ أعرفك يا نوري، نعم اعرفك... قلبك قلب أسد.
أدرك نوري فوراً أن كلام الضابط لم يكن تهكماً، بل كان يمرر له من تحت يد القهر تحية إعجابٍ خفية يشد بها أزره. اكتفى نوري بابتسامةٍ باهتة لا تلمس الشفاه، ابتلعت سحنتَها العصابةُ السوداء المضروبة على عينيه.

في اروقة المستشفى العسكري خضع للفحص، وصرفت له أدوية ومهدئات وبعض المقويات. لم يهمه العلاج بقدر ما همّه أنه خرج من السجن واستنشق هواً تردد الحياة بين جنباته. فمن تحت العصابة التي تراخت عقدتها قليلاً، اختلست عيناه مساحات من الشوارع تمر بسرعة. سمع بائعًا ينادي على بضاعته، وطفلًا يضحك، وامرأة تجادل صاحب دكان حول سعر بضاعته.. صخب سيارات، وهمهمات حياةٍ عادية، بيد أنها بعد أشهر العزلة المطبقة بدت لسمعه كأول صوتٍ ينبعث فيه الوجود، تفاصيلُ بسيطة يعبرها الأحرار بلا التفات، غير أنها في عيني الأسير كانت تبدو كمعجزةٍ تتردد في الآفاق!

حمله ذلك الصخب المترامي إلى دياره، إلى تلك الرائحة العطرة التي لم تبارح خياله قط. تذكر ضحكات أمه ونرمين الصغرى حين كان يباغتهما بدعابةٍ لطيفة وهما غافيتان في قيلولة الصيف تحت ظلال شجرة الجوز التي تنشر فيئها على نصف الحديقة. تذكر عبق شرائح الباذنجان والطماطم وقلائد التين المتروكة على الحصير تحت شمس الخريف لتجف مؤنةً للشتاء... صورٌ متدافعة كانت تحمله، كلما استرجعها، ليكون بينهم حياً يرزق كأنه لم يغادر الأحضان.
كان ابن السليمانية. يعرف شوارعها كما يعرف خطوط كفّيه، ويكاد يميّز أحياءها من نبرة الأصوات ورائحة الهواء وحدها، دون أن يحتاج إلى عينين.
أحس أن المدينة لا تزال في مكانها، كما هي، تشتاق إليه وتنتظره. وأن ظلام السجن، على كل ما حمله من قسوةٍ وعتمة، لم يستطع أن يمحو خطوةً واحدة من خطاه فوق ترابها.
وفي طريق العودة توقفت السيارة عند بائع كباب. ترجل أبو رنا، ثم عاد يحمل لفافة كباب ساخنة وعلبة بيبسي، وضعهما بين يدي نوري بصمت.
تسللت رائحة الخبز واللحم المشوي إلى أنفه، فأيقظت داخله جوعًا مؤجلًا، وحنينًا مؤجلًا إلى حياة كانت تبدو، قبل الاعتقال، عادية إلى حد لا يستحق الالتفات.
نظر إلى الضابط من تحت العصابة بعينين امتلأتا بالامتنان. تلك اللفتة الصغيرة أثرت فيه أكثر من أي شيء آخر ذلك اليوم.
أما خطة الهرب التي بنى عليها كل هذا العناء، فقد بقيت حبيسة الاحتمال.
فقد راقب الطريق، وعدّ المنعطفات، ووزن المسافات، لكنه أدرك أن أي حركة متهورة ستنتهي برصاصة تسبق خطوته الأولى. حين استقرت السيارة عند بوابة السجن، لم يعتبر أن خطته فشلت... الفرصة لم تحن بعد، هذا كل ما في الأمر.
عاد إلى زنزانته كما خرج منها، إلا أن شيئًا في داخله كان قد تبدل.
لقد رأى المدينة، واستنشق هواءها العليل... وعلم يقيناً أن العالم الفسيح، خلف هذه الجدران الغليظة، ما زال حياً وينتظر مقدمه!

يتبع
ــــــــــــــــــــــــــــــ
من الفصل الثاني لرواية " رأس لينين"



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 3 الجاسوس
- المكيدة
- الفصل الثاني: مديرية أمن السليمانية
- 2 ـ البيت الذي اقتحمه الرعب*
- الصمود في وجه العواصف العنصرية في رواية -قبل أن يذبل القلب- ...
- شهادة في كامب الأنصار،
- مقدمة الدكتور حامد فضل الله لرواية - قبل ان يذبل القلب-.
- مرافئ الروح الموشومة بالأمل
- شال العتمة الاختياري
- تآمر الملفات واسترداد الحق
- طوق النجاة
- المعجب الشجاع
- قراءة لقصيدة -سباعيات مبعثرة- للشاعر عادل الحنظل
- صكوك الطبقية
- شذى خبز التنور
- السكينة المصنعة والساعة اليتيمة
- صنم البطاقة الالكترونية
- الجلساتُ العلاجية وسقف اللوائح
- الفصل الثامن: شظايا المرايا المتطابقة
- الفصل السابع: التحرر من عبء التبرير*


المزيد.....




- فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل ...
- “الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال ...
- جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول ...
- -فستان ينسجم مع لون عينيها-.. مريم أوزرلي تتألق بتصميم عربي ...
- بائعة حلويات.. نانسي عجرم بالدانتيل الجريء وأحمر الشفاه الأح ...
- بالفيديو.. فنان استعراضي يحول توقيع ميسي إلى وشم مدى الحياة ...
- شقيقة ماثيو بيري تكشف الجانب المؤلم وراء زفاف تشاندلر ومونيك ...
- بين الرواية الأمنية واتهامات العائلة.. غموض يكتنف وفاة شاب ب ...
- بوتين يشيد بفيلم -ولادة الإمبراطورية- عن سيرة الإمبراطور بطر ...
- بوتين: المسرح الروسي يحظى بمكانة خاصة وثقة الجمهور


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - ـ محاولة الهرب*