أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - المكيدة















المزيد.....

المكيدة


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 20:50
المحور: الادب والفن
    


*تابع لفصل مديرية امن السلمانية/ من رواية رأس لينين
المكيدة*
كان اقتياد نوري إلى غرفة التحقيق في ذلك الصباح غريباً عن كل صباحات مديرية امن السليمانية التي نهشت أشهراً من عمره. ما إن ابتعدوا به عن الممرّ المفضي إلى غرف التعذيب المعتادة حتى أطبقت على نوري ريبةٌ باردة، وأيقن أن أمراً يُحاك له في الخفاء.
معصماه طليقتان، وعيناه مكشوفتان لأول مرة على امتداد الطريق، وقد تخلى السجّان الذي يحرسه من الخلف عن فظاظته المعهودة حتى خُيّل إليه أن اليد الثقيلة القاسية التي اعتادت دفعه ولطمه نسيت موضع كتفه.
أما الحارس المتقدّم امامه فكان يخطو خطواتٍ محسوبة متأنية، كمن يمشي في بيتٍ فيه مريض.
وقع الخطى الوادعة هذه كانت أثقل على أعصابه من ركلة.
هو يعرف أن مديريات الأمن لا تبدّل عادتها مصادفة، وأن كل ليونة فيها يعني ان هناك شيء ما او مفاجئة للإيقاع بالمعتقل.
توقفوا أمام باب المحقق فخري، الرجل الذي يتهامس المعتقلون باسمه، ويعرفونه خبيراً في ملفات الشيوعيين. غير أن الباب هذه المرة ظل موصداً.
مالوا به إلى مبنىً مجاور داخل المؤسسة الأمنية، كان في أصله مدرسة، ثم استحال استراحةً لمنتسبي الأمن...
ادخلوه احدى قاعاتها فرآها وقد سُلبت براءتها وغيرت ملامحها.
الشُّعَب الدراسية صارت مكاتب وغدت غرف استجواب، وفي الهواء بقايا رائحة طبشور قديم يخالطها دخان وعرق وخوف.
كان قد لاحظ على أحد الجدران عبارة بالخط الأحمر العريض:
"إعدادية السلام للبنين".
تسمّر بصره عند الحروف، وانفتح في صدره باب أُغلق منذ أشهر.
تسائل مع نفسه:
"إذاً هنا وقعت الحادثة قبل اعتقالي بوقتٍ قصير..."
أربعون طالباً، أعمارهم بين السادسة عشرة والسابعة عشرة، لم ينجُ منهم أحد، وكان بينهم شقيقان من أبناء عمي.
سمّاها الأهالي "مجزرة السبورة"، فقد كتب أحدهم على سبورة إحدى الشُّعَب عبارة "يسقط الطاغية صدام".
عم المدرسة هرج ومرج وعجز الأمن عن معرفة كاتبها، أغلقت المدرسة بعد ان اعتقلوا طلاب الشعبة بأكملهم ولم يمضي أكثر من أسبوع حتى أعدموهم عن بكرة أبيهم. وحين سُلّمت الجثث إلى ذويهم أُجبر الاهل على دفع ثمن الرصاص الذي مزّق أبناءهم، ومُنعوا من إقامة الفاتحة ومن ارتداء الحداد او حتى النطق بأسماء الضحايا."
انتابه شعور، بأن غبار الطباشير العالق بحافة تلك السبورة ما زال يحتفظ ببصمات أصابعهم الفتية، وأن الجدران لازالت تحمل رائحة انفاسهم.
أجلسوه في قاعةٍ صامتة لا يشغلها غير طاولة خشبية وبضعة كراسٍ.
ناوله أحدهم قدحاً من الشاي يتصاعد منه البخار، ثم أشعل سيجارة ومدّها إليه بلطفٍ بدا له أقسى من الصعق بالكهرباء.
أخذوا يتبادلون النكات وتتطاير ضحكاتهم في المكان كأنهم في مقهى، حتى إذا خفتت قال أحدهم:
ـ المحقق فخري سيحضر بعد قليل... انتظر فقط.
راقبهم نوري بصمت.
أدرك أن خلف هذه الوداعة تهديداً أعظم من الضرب، وأن الجلاد حين يبتسم يكون أخطر منه حين يصرخ.
وبينما كان يرفع القدح إلى شفتيه، أخرج أحدهم مسدساً ووضعه على الطاولة أمامه... ثم مضى الى ركنٍ آخر دون التفاتة، كمن ترك على الرفّ شيئاً لا يستحق اليقظة والحذر.
وفي اللحظة التالية دوّى جرس إنذارٍ حاد مزّق سكون المبنى.
تدافعوا إلى الخارج بفزع وأكتافهم تصطدم بإطار الباب، وتركوه مفتوحاً على مصراعيه.
وما هي إلا ثوانٍ حتى خلا المكان، فلم يبقَ فيه غير نوري وسيجارته وقدح الشاي، وذلك المسدس المطروح على الطاولة في صمتٍ ثقيل.
تلاشى وقع أحذيتهم في الممرات، فصار السكون نفسه يُسمَع.
وقعت عيناه على المسدس... لم تمتد يده إليه.
حدّق فيه طويلاً...
كان يعرف السلاح معرفة من عاش بين أهله. فقد قضى سنوات إلى جانب أبيه الذي كان السلاح جزءاً من عمله اليومي. ارتطمت كفّه بالحديد البارد في أكثر من موقف، فتعلّم أن ينظر إلى قطعة السلاح قبل أن ينظر إلى ما توعد به.

لم يحتج إلى وقتٍ طويل ليدرك أن ما أمامه ليس سوى هيكل سلاحٍ لا أكثر..
مسدس خال من الرصاص، بطلاء متآكل، وحديد يعلوه الصدأ، وفي أجزائه آثار إهمالٍ طويل، كأنه أُخرج من مخزنِ خردة نُسي فيه لعقود طويلة.
أن سلاحاً بهذا الحال، مهما أفصح عطبه، لا يوضع بطريق الخطأ في غرفة كهذه وفي ظرفٍ كهذا.
عندئذٍ انكشفت له الخطة كلها.
أرادوه أن يصدّق أن الدروب انفتحت أمامه:

غرفة خالية، وباب مشرع، وسلاح في متناول كفّه، ولا أثر لحارس.
راهنوا على أن يقهر الخوف عقله فيخطف المسدس ويندفع نحو الباب...
عندها لا يحتاجون إلى محاكمة، ولا إلى اعتراف، ولا إلى ملفٍ جديد...
رصاصة واحدة في ظهره تطوي الحكاية، ثم يكتفون بسطرٍ واحد في المحضر الرسمي:
"قُتل أثناء محاولته الهرب".
ارتسمت في داخله سخرية مريرة:

"ما أفقر هذه عقلية هذه السلطة حين تحسب أن المحاصَر يفقد قدرته على التفكير، وأن الجوع والعذاب يطفئان عقله كما يطفئان جسده."
صحيح أن التعذيب هدّ بدنه وترك في عظامه أنيناً لا يهدأ، غير أن وعيه ظل يقظاً لكل حركة، عارفاً بكل فخ ينصب له، وبأن لحظة إهمالٍ واحدة تكلّفه حياته.
اتكأ إلى ظهر الكرسي بهدوء.. أغمض عينيه وسحب نفَساً عميقاً من سيجارته فامتلأ صدره بدخانٍ دافئ. ثم ارتشف جرعة صغيرة من الشاي الذي طالما حُرم من مثله، فانساب الدفء الحلو في حلقه، وتسللت الحلاوة إلى زاويةٍ من روحه ظنّها ماتت. فتح عينيه وتأمل السكون من حوله مفكرًا:

"يا للمفارقة! لقد منحتني مكيدتهم دقائق من السكينة لم اعرفها منذ أشهر."
خطر له أن يطيل احتساء الشاي ما استطاع، وأن يسرق من سجّانيه وقتاً إضافياً لا يقدرون على استرداده.
وحين طال انتظارهم عادوا أخيراً. توقفت خطواتهم عند العتبة..
ارتسم على وجوههم عجبٌ ممزوج بخيبة.. وكان سؤالاً واحداً يتردد في عيونهم:
"لماذا لم يتحرك؟ لماذا بقي في مكانه؟"
لم ينطق نوري بكلمة. أطفأ سيجارته بهدوء. وضع القدح على الطاولة بثبات، كضيفٍ أنهى استراحته وينتظر أن يُؤذن له بالانصراف.
اندفعوا نحوه بعصبية، وعصبوا عينيه، وكبّلوا يديه بعنف، ثم انهالت عليه الشتائم واللكمات وهم يجرّونه في الممرات إلى زنزانته. وتحت العصابة السوداء كانت شفتاه تخبئان ابتسامة لم يرها أحد.
كان الغضب في أصواتهم أعلى منه في قبضاتهم، فقد تحطمت الخطة التي نسجوها بعناية أمام قدح شاي وسيجارة وخردة حديد.
ولم تكن تلك المحاولة الأخيرة. أعادوا الكمين بأشكالٍ مختلفة، وغيّروا التفاصيل، وبدّلوا الوجوه، غير أنهم كانوا يصطدمون في كل مرة بالعقبة نفسها:
معتقل، صار يدرك أبجديات التعامل مع غرف التحقيق والكمائن الأمنية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفصل الثاني: مديرية أمن السليمانية
- 2 ـ البيت الذي اقتحمه الرعب*
- الصمود في وجه العواصف العنصرية في رواية -قبل أن يذبل القلب- ...
- شهادة في كامب الأنصار،
- مقدمة الدكتور حامد فضل الله لرواية - قبل ان يذبل القلب-.
- مرافئ الروح الموشومة بالأمل
- شال العتمة الاختياري
- تآمر الملفات واسترداد الحق
- طوق النجاة
- المعجب الشجاع
- قراءة لقصيدة -سباعيات مبعثرة- للشاعر عادل الحنظل
- صكوك الطبقية
- شذى خبز التنور
- السكينة المصنعة والساعة اليتيمة
- صنم البطاقة الالكترونية
- الجلساتُ العلاجية وسقف اللوائح
- الفصل الثامن: شظايا المرايا المتطابقة
- الفصل السابع: التحرر من عبء التبرير*
- في المصحة: حفلة الكراهية
- مرافئ السكينة وأصيل الانبعاث


المزيد.....




- ماروني في صنعاء: اليمن والإمامة والزيدية بعين أمين الريحاني ...
- نتفليكس تفصل نائب رئيس الأفلام دوغ بيلغراد ضمن موجة تسريح كب ...
- شاهد سماء إندونيسيا تتحول إلى اللون الأحمر البرتقالي في لقطا ...
- فيلم لقناة RT Arabic يتوج بجائزة أفضل وثائقي في مهرجان لبنان ...
- ليبيا: -أيام طرابلس المسرحية-.. عودة إلى الخشبة بعد سنوات طو ...
- أحمد اليازوري لـ-الجزيرة نت-: صناعة النشر تحتضر.. وحراس الثق ...
- ماذا تفعل بجواز سفر شخص فقدته؟ هذا ما قامت به فنانة هندية
- مئة عام على -فيني بوخ-.. الدب البريطاني الذي أصبح أيقونة للأ ...
- كأنه جاهز للأكل.. فنانة كورية تصنع خبزاً وهمياً يثير الشهية ...
- بعد 4 عقود.. الأردن يستعيد من أستراليا قطعة من -أقدم منحوتة ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - المكيدة