أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - 3 الجاسوس















المزيد.....

3 الجاسوس


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 16:05
المحور: الادب والفن
    


من الفصل الثاني لرواية " رأس لينين"

تزامنت تلك الأشهر المثقلة بالوجع مع رجفةٍ سياسية تسللت أطيافها عبر ثقوب الزنازين وأروقة السجون، قبل أن تتلقفها ألسنة الشارع في الخارج.
فقد انعقد شريطُ اتفاقٍ للسلام والمهادنة بين "الاتحاد الوطني الكردستاني" الذي قضى سنين طوالاً وهو يُسام بالخيانة ويُطارد بوصفه من فصائل المعارضة المسلحة "البيشمركة" في الشمال وبين قبضة سلطة "البعث" الجاثمة.

كان الاتفاق يرتدي في ظاهره مسحة إنسانية كاذبة "، مساراً لتبادل الأسرى والمعتقلين السياسيين" بعد أن رفع الاتحاد قائمةً مدبجة بأسماء محكومين أُرهقوا بأقسى الأحكام بين مشانق الإعدام ومطامير السجن المؤبد مطالباً بفك أسرهم وانتشالهم من قعر المنون.

غير أن أجهزة الأمن، بدهاء عفاريتها، أبت إلا أن تجعل الخروج من قبور السجون، مشروطاً ببيع الروح، اشتراطٌ يتجاوز في قسوته حمل السلاح أو انهاء رفاق السلاح القدامى وحلفاء الأمس في وضح النهار... أرادتهم عيوناً خفية، وأشباحاً تتسلل بين المعتقلين برداء الضحية، تلتقط زفرات الصدور وهمسات العذاب لتصبها صباً في آذان المحققين.
راهنت اللعبة الشيطانية على انكسار الروح تحت حد المقصلة، مع تلويحٍ باستهداف أفراد العوائل والأحباء، فيورث الذعرُ على الأهل شناعةً تنأى عن الحسبان، ليقترف الخائفُ ما كان يراه من المستحيلات.
وحين دقت ساعة التنفيذ، بعثرت إدارة السجن أولئك المختارين على أرجاء الزنازين، مجهزةً أيديهم بخارطةٍ من التعليمات والأسماء المعنية بالاختراق تمهيدًا للتصفية.

في نهارٍ أربد، انخلع باب زنزانة نوري على صريرٍ مريب، ودُفع إلى قعرها رجلٌ آخر!

كانت تلك البقعة الضيقة مجرد تابوتٍ حجري يتلوى فيه جسدٌ واحد، فكيف له الآن أن يتسع لروحين وجسدين؟
استحالت الحركة مناورةً مستحيلة، فلا قيام يستوعبهما معاً، ولا جلوس يجمعهما في أوان.
أضحى أحدهما مشدوداً إلى الجدار كالشخص المغصوب، بينما ينكمش الآخر جالسا فوق الإسمنت البارد، ثم يتبادلان الموضع بعد كل بضع دقائق...
يتقاسمان الشبر الضيق كأنما يقتسمان النزع الأخير.

ساد بينهما صمتٌ ثقيل، محفوفٌ بنبضاتٍ متسارعة ورائحة ريبةٍ لا تُخطئها الأرواح، حتى شق الوافد الجديد ذلك الصمت بلهجةٍ واهية وهو يرمق الفراغ:

ـ أنا حَمَه...

وما إن انطلقت تلك النبرة، حتى ارتدت إليه عينا نوري بومضةٍ حادة كالشفرة، نُظرةٍ ينفذ شعاعها إلى أسرار الروح قبل ملامح الوجه، ثم أردف بسؤالٍ هادئ ينضح بيقينٍ غير متوقع:

ـ أفلانٌ والدك... وفلانٌ أخوك؟

تجمّدت الدماء في عروق حَمَه، واضطرب ثباته المصطنع، شَخَصت عيناه بذهولٍ مهول، وانفتحت حدقتاه على وسعهما كمن داهمه الفجر وهو يتسلل في العتمة!
ــ نعم... نعم، لكن... كيف تعرف أبي وأخي؟
ابتسم نوري ابتسامة خافتة، أضفت شيئًا من الدفء على جدران الزنزانة الحجرية ثم أردف:
ـ أعرفهما جيدًا... أخوك شوان من أعز أصدقائي، وأعرف أنكم يا أخي عائلة يسارية عريقة، وأن والدك من الشيوعيين المعروفين، وأن بين أفراد أسرتكم من الضباط الأحرار الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لمواقفهم الشريفة...
أطرق حمه رأسه. عيناه شاردتان في الأرض يداري خزيه. غارقًا في وجوه بعيدة. ثم سأل بصوت خافت:
ــ وماذا تعرف أيضًا؟
قال نوري، وقد عاد به الحديث إلى زمن بعيد:
ــ يا أخي حمه... أستغرب أنك لم تتعرف إليّ.
بيتكم كان بيتي. كم ليلة نمت تحت سقفه بأمان وراحة، وكم مرة جلست إلى مائدتكم.
أمك، الخالة شيلان خانم ... أطال الله عمرها... كانت تعاملني كما لو كنت واحدًا من أبنائها، وكنت أناديها: أمي.
ما زلت أذكر دفءَ صوتها، ورائحة الدولمة التي كانت تملأ الدار قبل أن نجتمع حول السفرة.
كانت امرأة بسيطة، كريمة، لا تعرف غير الصدق في تعاملها، طيبتها كانت كطعامها الطيب.
ـ وأعرف عنك أيضًا أنك يساري وطني، وأنك صاحب خلق وشهامة.
رفع نوري رأسه نحوه ثم قال بابتسامة حزينة، فيها حنين إلى ذلك الزمن:
ــ يا لها من مصادفة تجمعنا هنا.
لكن حمه لم يبادله الابتسام.
ظل صامتًا لحظات، ثم مال برأسه أكثر إلى الأسفل، عاجزًا عن قول ما يريد وهو واقف. راحت دموعه تتجمع في عينيه دون مقاومة، قبل أن يهمس بصوت متهدج:
ــ بما أنك تعرف عائلتي إلى هذا الحد يا اخي... فأنت تستحق أن تعرف الحقيقة.
صمت لحظة، يجمع ما تبقى من شجاعته قبل أن يعترف ثم أردف:
ــ نعم... أنا يساري، كنت ضابط، ومن كوادر الاتحاد الوطني. وصدر بحقي حكم بالإعدام. وحين بدأت مفاوضات تبادل الأسرى، كان اسمي بين المطلوب إطلاق سراحهم مع سبعة آخرين.
ازدرد ريقه بصعوبة، ثم تابع همسه:
ــ لكنهم لم يتركوا لي خيارًا.
ساد صمت ثقيل، وكانت أنفاسهما وحدها تُسمع في ذلك الحيز الضيق.
ثم تابع قائلا:
ــ أحضروا زوجتي التي لم ارها منذ أشهر... وهي حاملاً.
أنزلوها من الجبل وأوقفوها أمامي.
لم يضربوها، ولم يصرخوا في وجهها. اكتفوا بالنظر إليها، ثم نظروا إليّ.
عرفت ما يريدون قبل أن يقولوه...
قالوا إن مصيرها ومصير الجنين بين يديّ. عندها شعرت أن حبل المشنقة صار أهون عليّ من تلك النظرة.
أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية، وبسطها بين يدي نوري.
ــ هذه ورقة الاختبار التي كلفوني بها. وهنا أسماء السبعة الآخرين الذين سيُوزَّعون على الزنزانات بالطريقة نفسها.
جميعنا مطالبون بالتجسس على السجناء السياسيين، ونقل كل ما نسمعه إلى ضباط الأمن.
أما أنا... فقد كانت مهمتي أن أقترب منك، وأن أكسب ثقتك، ثم أكتب عنك التقارير.
دفع الورقة إليه قائلا وهو يشيح بوجهه خجلًا:
ــ احفظ هذه الأسماء جيدًا، وكن حذرًا منهم.
أما أنا... فلا تخشَ مني شيئًا.
سأكتب عنك ما يحفظك ولا يضرك، أو لن أكتب شيئًا إن استطعت.
أنت بالنسبة إليّ أخ قبل أن تكون سجينًا.
ظل نوري ينظر إليه طويلًا، ومشاعره متضاربة، فلم يجد في نفسه غضبًا ولا رغبة في الحكم عليه، وإنما رأى رجلًا يذوب رويدًا رويدًا بين ولائه القديم وخوفه على أهله. وتساءل في داخله:
"من يملك ميزانًا عادلًا للحكم على رجل خُيّر بين حياة زوجته وجنينه وخيانة رفاقه؟ وكيف يُلام من صمّم له الجلادون خطيئته بأنفسهم؟"
لم يعرف نوري في السجن لحظة أقسى من هذه. رأى بعينيه وسمع بأذنيه كيف تصل يد السلطة إلى أعماق الإنسان، فتكسر روحه وتزج ضميره في معركة لا رابح فيها.
حمه، ابن هذه العائلة الوطنية الطيبة التي قدّمت تضحيات كثيرة، لم يبع شرفه عن رضا كما فعل شغب، بل كان يئن تحت عبء يتجاوز احتماله.
بقيت هذه الحادثة عالقةً في ذاكرة نوري، وشاهدةً على الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يُساق أقرب الناس إليه رهينة لخياره.
**
يتبع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* من رواية رأس لينين



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المكيدة
- الفصل الثاني: مديرية أمن السليمانية
- 2 ـ البيت الذي اقتحمه الرعب*
- الصمود في وجه العواصف العنصرية في رواية -قبل أن يذبل القلب- ...
- شهادة في كامب الأنصار،
- مقدمة الدكتور حامد فضل الله لرواية - قبل ان يذبل القلب-.
- مرافئ الروح الموشومة بالأمل
- شال العتمة الاختياري
- تآمر الملفات واسترداد الحق
- طوق النجاة
- المعجب الشجاع
- قراءة لقصيدة -سباعيات مبعثرة- للشاعر عادل الحنظل
- صكوك الطبقية
- شذى خبز التنور
- السكينة المصنعة والساعة اليتيمة
- صنم البطاقة الالكترونية
- الجلساتُ العلاجية وسقف اللوائح
- الفصل الثامن: شظايا المرايا المتطابقة
- الفصل السابع: التحرر من عبء التبرير*
- في المصحة: حفلة الكراهية


المزيد.....




- توقعوا موتها ونصحوها بالعمل في مخبز بدلا من التمثيل.. كيف أص ...
- حلم الحج والمنفى الفلسطيني في أول اختيارات مهرجان روتردام ال ...
- -أرض اللبان- ينقل حكاية التراث العُماني إلى جمهور سانت بطرسب ...
- باولو فونسيكا يقترب من تولي القيادة الفنية لنادي سبورتينغ لش ...
- -بطاقة بوشكين- تحقق للمكتبات الروسية مبيعات تتجاوز مليار روب ...
- في الذكرى الثالثة لعملية طوفان الأقصى: ثقافة المقاومة والأسئ ...
- آرسنال أرتيتا.. تحول استراتيجي يجمع بين الأناقة الفنية والصل ...
- صفحة من مصحف بغدادي نادر من القرن الرابع عشر في مزاد بلندن
- إصابة المخرج الأميركي مايكل مان بطلق ناري من طريق الخطأ
- جواز سفر عماني في مشهد للشعوذة يثير الجدل.. وسعيد الماروق يع ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - 3 الجاسوس