أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - 2 الحقيقة التي لا تتبدل















المزيد.....

2 الحقيقة التي لا تتبدل


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 17:24
المحور: الادب والفن
    


وصلوا أخيرًا إلى مديرية الأمن العامة في بغداد، مكان يعرفه كل معتقل.
كان اسمه وحده يدعو للرعب.
جرت العادة عند العرب الأقحاح ألّا يُسأل الضيف قبل مضيّ ثلاثة أيامٍ على حلوله، لكن جهاز الأمن استخدم هذه العادة بطريقته الخاصة:
وسيلة أخرى للتعذيب النفسي. فتلك الأيام، طالت أم قصرت بحسب تقديراتهم ومراقبتهم لحالة المعتقل، تعد أثقل من أي جلسة تعذيب، لأنها تبقى انتظارًا بلا نهاية معروفة.
تلك الفترة الصامتة كانت وقتًا مناسبًا لأساليبهم النفسية، إذ كانوا وبالأخص أوقات النوم ليلا، يوهمون المعتقل بأصوات صراخٍ واستغاثة تتردد من خلف الجدران، أصواتٍ تستنجد باسمه وتناديه بلهفةٍ مفتعلة، موحين إليه بأنهم يحتجزون أباه أو احد احبائه، أو يغتصبون ابنته او شقيقته او زوجته وهي تصرخ باسمه طالبةً نجدةً تؤلمه، لا يملك تقديمها.
كانت تلك الأصوات، حقيقية أو مفتعلة، تتسلل إلى عقله وحده، فتزرع فيه شكًا لا يقل قسوة عن أي تعذيب، كان الجلادون يعرفون أن الإيحاء للمعتقل، إذا ترافق مع الرعب، يعذّب أكثر من السوط.
ثم تبدأ جولةٌ أخرى من التعذيب والاستجواب. إعادة الأسئلة نفسها بصياغة أخرى، يراهنون على عدم النوم والإرهاق لأيام سيوقعه في تناقض اكيد.
جلس نوري قبالة المحقق، يسند أثقال جسده المنهك وأعوام عذابات روحه المجهدة بصلابةٍ هادئة لم تفارقه رغم قسوة الأشهر التي انقضت خلف القضبان. رغم العصّابة المحكمة على عينيه، اعتلى وجهه ثباتٌ رصين وهو يعيد سرد وقائع حكايته، مستحضرًا تفاصيل الخديعة الأولى.
جال المحقق بنظراته الفاحصة في وجهٍ نصف مستور بالعصابة، ثم ألقى بقلمه على الطاولة، فتدحرج حتى سقط على الأرض. لم يلتفت إليه. ثم قال بصوتٍ غليظٍ يقطر ازدراءً:
ـ أتظنني طفلًا في ملعبك يا كلب، فتعيد عليّ هذه الحكاية المهترئة لتقنعني؟
كم من أمثالك مرّوا من هذا الكرسي، فتكسّرت أكاذيبهم قبل أن تجفّ ألسنتهم!
اعتدل نوري في جلسته، ورد بنبرةٍ خافضةٍ تتوشح بالصدق:
ـ اعيد كلماتي لأن وقائعي لم تتغير، أأكد بان شرارة الخلاف مع شغب اندلعت في اللحظة التي استل فيها ذلك المسدس وألقاه بين يدي. رفضتُ تسلمه في البداية وشعرتُ بالريبة، غير أنه أصرّ باستماتة، مدعيًا أنه وسيلة لتحمي خطانا مما قد يداهمنا في العتمة.
ضرب المحقق الطاولة بكفّه حتى ارتجّ ما عليها واحتدت نبرة صوته مستجوبة:
ـ اخرس يا ابن الأزقة! أتجعل من أكاذيبك فلسفةً، ومن حثالتك حكيمًا؟
السلاح الذي وُجد معك والمنشورات التي تنطق بتورطك، فأيّ عابرٍ هذا الذي تحمل جيوبه هذه الممنوعات؟ أم أن هنالك خفايا أخرى تنكرها؟
أطرق نوري برأسه قليلًا، ثم رفع وجهه بثباتٍ ينضحُ بمرارة الواقع:
ــ العابر قد يحمل جيبُه ما لا يعلم به، يا سيدي. ذلك المسدس ألقاه شغب بين يديّ إلقاء كمن يتخلص من جمرة. رفضتُ أول الأمر وأدركني الريب، لكنه ألحّ عليّ. فأيّ إثمٍ في قلبٍ ضعيفٍ صدّق صاحبه، وأيّ جريمةٍ في ثقةٍ خانها مَن وُضعت فيه؟
مال المحقق نحوه حتى لفحته أنفاسه الثقيلة، ثم باغته بصفعةٍ مدوية هوت بكرسيه وأردته إلى الأرض متهاويًا. أشار المحقق بإيماءةٍ للحارس كي يعيدوه.
ثم استطرد بنبرةٍ يقطر منها الحقد والاستهزاء:
ـ ثقة! تقول ثقة يا بن... ذيل الكلب هذا يحدثني عن الثقة! وماذا عن المناشير يا خسيس؟ أكنتَ تحملها حبًّا في شغب، أم أن وراءها ما تدفنه تحت لسانك؟
ـ كنتُ أنقلها لقاء أجرٍ معلوم. أنا طالبٌ في المعهد الصناعي، وقد أعجزتني ضائقةٌ مالية خانقة حتى صار الرغيف عندي فوق كل اعتبار. والجائع يا سيدي لا يسأل عمّا في الصرّة التي يحملها، بل يسأل عمّا يسدّ به رمقه.
أطلق المحقق ضحكةً ساخرة:
ـ جوع! أتبيعني الجوع يا بن... كشهادة براءة؟
كل الخونة يدعون الجوع والبراءة، وكل الجائعين يتّخذون من بطونهم ستارًا لبراءتهم وخياناتهم. أتحسبني من السذاجة بحيث يخدعني دمعٌ يُذرف على رغيف؟
ـ أنا أروي فقط ما حدث.
سكت المحقق لحظةً يقلّب في يده ورقةً، ثم رفع رأسه وقد اشتدّ صوته وانتفخت أوداجه:
ـ وماذا عن رؤوس لينين التي وجدناها مرسومةً على دفاترك وكتبك أيها الشيوعي القذر؟ أتنكر أن يدك الوسخة رسمتها؟
ـ لا أعرف لينين هذا، ولا تربطني به صلة. تلك الدفاترُ والكتبٌ متداولةٌ بين الطلبة، اشتريتها مستعملةً من الأرصفة، وربما مرّت بأيدي كثيرين قبلي، فتركوا عليها خطوطهم وأهواءهم. ولست أدري مَن رسم تلك الرؤوس ولا متى، كما لا أذكر ممن اشتريتُ كل دفترٍ وكل كتاب.
نهض المحقق وطاف حول الكرسي كذئبٍ يدور حول فريسته، ثم انحنى عند أذنه وهمس بصوتٍ كالفحيح:
ـ أتظنّ أن من تحميه بأكاذيبك هذه يستطيع ان يخلص راسك من حبل المشنقة؟
هنا يا ابن العاهرة تتحول الأكاذيب إلى حبال، وكل حرفٍ تنطقه يُنسج منه خيطُ مشنقتك. فاختر: أتعترف الآن فتنجو بجلدك، أم تتشبث بروايتك حتى تتمنى لو أنك لم تخرج من ... أمك؟
كان يعرف أن كل كلمةٍ يقولها ستصبح سطرًا في ملفٍّ قد يحدد مصيره. صار يزن كل كلمة قبل أن ينطقها. لم يحاول أن يكون بارعًا في المراوغة او الكذب، بل ثابتًا في قوله فقط.
ـ ان اعترف بما لم أفعل هو انتحارٌ بيدٍ أخرى، وأنت حر فيما تكتب على الأوراق يا سيدي
رفع المحقق يده ليهمّ بصفعة اخرى، ثم أنزلها وقد علا وجهه حنقٌ مكتوم:
ـ أتحسب أن هذا الكلام المنمّق سيشفع لك أمام محكمة الثورة؟ هناك لا يُصغى إلى البلاغة، بل إلى الحبل.
ـ أعلم يا سيدي...وليحاسبني القضاء على ما فعلتُ.
صمت المحقق، ثم عاد إلى مقعده، والتقط ورقة المحضر وأخذ يخطّ فيها بعصبية، وقال دون أن يرفع عينيه:
ـ سنرى يا سافل. فلتطول ألسنتكم ما شاءت، فنحن نملك الوقت كله، وأنت لا تملك منه إلا ما نمنحه لك. هيّا، هيا، اجب... مَن مسؤولك والا مزقناك وألقينا ببقاياك الى الكلاب...؟
وفي ذلك الجلوس الطويل، بين العصابة المحكمة والتهديد الصارم في صوت المحقق، أدرك نوري أن المعركة لا تقتصر على الكلمات وحدها، بل في ألّا يتبدّل حرفٌ منها.
مضى شهرٌ آخر داخل مديرية الأمن العامة، بين محاولاتٍ عديدة للإيقاع بنوري عبر زرع العملاء والوكلاء، والذين كانوا في أكثر الاحيان من السجناء المنهارين الذين يُحوَّلون إلى جواسيس مقابل امتيازاتٍ شخصيةٍ تافهة، وغالبًا ما ينكشف أمرهم، وبين غرف التحقيق ومراجعة المحاضر واستكمال الإفادات وتوقيع الأوراق،
أُغلق ملف التحقيق أخيرًا. اعدت الأوراق وجُهزت الدعوى لتُحال إلى محكمة الثورة، ذلك الاسم الذي كان يكفي ذكره وحده لأثارت الرعب.
**
ـــــــــــــــــــــــ
* فصول من رواية رأس لينين



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 1 جرعة ماء بين كركوك وبغداد
- نرجسية كاتب
- ـ محاولة الهرب*
- 3 الجاسوس
- المكيدة
- الفصل الثاني: مديرية أمن السليمانية
- 2 ـ البيت الذي اقتحمه الرعب*
- الصمود في وجه العواصف العنصرية في رواية -قبل أن يذبل القلب- ...
- شهادة في كامب الأنصار،
- مقدمة الدكتور حامد فضل الله لرواية - قبل ان يذبل القلب-.
- مرافئ الروح الموشومة بالأمل
- شال العتمة الاختياري
- تآمر الملفات واسترداد الحق
- طوق النجاة
- المعجب الشجاع
- قراءة لقصيدة -سباعيات مبعثرة- للشاعر عادل الحنظل
- صكوك الطبقية
- شذى خبز التنور
- السكينة المصنعة والساعة اليتيمة
- صنم البطاقة الالكترونية


المزيد.....




- حلم الحج والمنفى الفلسطيني في أول اختيارات مهرجان روتردام ال ...
- -أرض اللبان- ينقل حكاية التراث العُماني إلى جمهور سانت بطرسب ...
- باولو فونسيكا يقترب من تولي القيادة الفنية لنادي سبورتينغ لش ...
- -بطاقة بوشكين- تحقق للمكتبات الروسية مبيعات تتجاوز مليار روب ...
- في الذكرى الثالثة لعملية طوفان الأقصى: ثقافة المقاومة والأسئ ...
- آرسنال أرتيتا.. تحول استراتيجي يجمع بين الأناقة الفنية والصل ...
- صفحة من مصحف بغدادي نادر من القرن الرابع عشر في مزاد بلندن
- إصابة المخرج الأميركي مايكل مان بطلق ناري من طريق الخطأ
- جواز سفر عماني في مشهد للشعوذة يثير الجدل.. وسعيد الماروق يع ...
- -ولادة الإمبراطورية- يتصدر شباك التذاكر في روسيا ودول رابطة ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعاد الراعي - 2 الحقيقة التي لا تتبدل