أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - فهد المضحكي - حول الديمقراطية والتنمية















المزيد.....

حول الديمقراطية والتنمية


فهد المضحكي

الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 16:01
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


هل يصنع الاقتصاد السياسة؟ سؤال طرحه الكاتب والباحث د. عمار علي حسن، وهو أكاديمي مصري متخصص في علم الاجتماع السياسي، في مقالٍ نشرته جريدة «المال» المصرية.

ويذكر الباحث أن الإجابة عن هذا السؤال قادته إلى مناقشة العلاقة الجدلية بين الديمقراطية والتنمية، وهي علاقة اختلفت بشأنها الآراء وتباينت حولها المواقف.

فهناك فريق يرى وجود تنافر وتضارب بين الديمقراطية والتنمية؛ إذ يحتاج النمو الاقتصادي إلى وفورات مالية تتاح للمستثمرين لتمكينهم من إقامة مشروعات تسهم في تحقيق التنمية. غير أن هذه الوفورات قد تتجه إلى الاستهلاك بدلًا من الاستثمار، ما يجعل تقليل الإنفاق الاستهلاكي أحد السبل لزيادة الفوائض المالية. إلا أن الأنظمة الديمقراطية قد تواجه صعوبة في اتخاذ هذا القرار؛ لأن المواطنين بوصفهم ناخبين يستطيعون معاقبة الساسة الذين يطالبونهم بتقليص الإنفاق من خلال صناديق الانتخابات.

ويؤكد أنصار هذا الاتجاه أن القائمين على إدارة الأنظمة الديمقراطية يهتمون بتلبية الاحتياجات العاجلة وقصيرة الأمد للمواطنين، الأمر الذي قد يؤثر سلبًا في الاستثمار.

ومن الناحية السياسية يرون أن التنمية تحتاج إلى الاستقرار. في حين تتيح الديمقراطية للمؤسسات والجماعات المختلفة ممارسة الضغوط على السلطة لتحقيق مصالحها، ما قد يؤدي إلى اضطراب اجتماعي يؤثر في مسار التنمية الاقتصادية. وعلى النقيض من ذلك، يرون أن الأنظمة التسلطية توفر قدرًا أكبر من الاستقرار، بما يسمح بإنجاز عملية التنمية في أجواء من الهدوء والثقة.

وفي المقابل، يرى اتجاه آخر أن التسلطية تضر التنمية؛ لأنها تمنح الدولة صلاحيات واسعة للتدخل في شؤون الأفراد، ما يحد من قيام اقتصاد حر قادر على بناء أسس قوية لتنمية مستدامة. كما يرفض هذا الاتجاه اعتبار الإنفاق الاستهلاكي عائقًا أمام التنمية بصورة مطلقة، لأن جانبًا منه يُوجه إلى قطاعي التعليم والصحة، وهما من الركائز الأساسية للتنمية، باعتبارها استثمارًا في الإنسان، الذي يُعد صانع التنمية وهدفها في الوقت ذاته.

وفي إطار المنافع، هناك من يؤكد أن التنمية الاقتصادية عامل مسهل لقيام نظم ديمقراطية، وذلك استنادًا إلى عدة اعتبارات، منها أن التنمية الاقتصادية تقود إلى تغير في القيم المجتمعية يخدم التوجهات الديمقراطية. فالتنمية توفر قدرة على قيام عملية تعليمية شاملة، وتعمق التعليم في عقول المواطنين ونفوسهم، وتكرّس قيم التسامح والاعتدال والعقلانية واحترام الآخر. كما أن التنمية الاقتصادية تؤدي إلى انتعاش الدخل القومي بما يحقق «الأمن الاقتصادي للمواطنين» ويحد من «الصراع الطبقي» بينهم بما يمكنهم من تكريس وقت أطول لبلورة رؤية سياسية ذاتية. وتبرهن تجربة بعض دول العالم الثالث على صحة هذا الرأي إلى حد كبير، فانشغال الناس بتحصيل ما يقيم أودهم، في الدول التي تحقق معدلات نمو منخفضة، يجعل العمل العام بالنسبة إليهم ترفًا لا يقدرون عليه، واحتكار السلطة الحاكمة في بعض الدول لمقدرات الثروة وتوزيعها حسب أهوائها يجعل مواطنيها يتحولون إلى مجرد رعايا لا مواطنين. وغياب المواطنة يعني في النهاية غياب الرافد الأساسي، الذي يغذي الديمقراطية ويحافظ عليها.

وتساهم التنمية الاقتصادية كذلك في اعتدال موقف الطبقات الدنيا من الشرائح الاقتصادية - الاجتماعية العليا، بما يجعل الأخيرة تطمئن إلى أن الشرائح الدنيا لا تشكل خطرًا عليها، وأنها تستحق ممارسة الحقوق السياسية ونيل نصيبها من القوة في المجتمع.

وكما تقول وجهة نظره، إن الوفورات المالية التي تحققها التنمية تزيد من تواجد الطبقة الوسطى، التي تضفي بدورها طابعًا وسطيًا على التنافس أو الاختلاف السياسي عن طريق مساندة الأحزاب الديمقراطية المعتدلة والتخلي عن الجماعات الراديكالية سواء كانت يسارية أو يمينية، وتوافر الثروات المالية، أو على الأقل بلوغ حد الكفاية، يوسع هامش الاختيارات أمام الطبقة العاملة والمهمشين، بحيث يصبح بإمكانهم أن يستخدموا وسائل ضغط سلمية للحصول على حقوقهم ولا ينحدرون إلى التطرف السياسي. وفي المقابل، فإن هذا يقلل من احتياج السلطات إلى استخدام «البطش» في مواجهة أي احتجاج من أجل الحفاظ على درجة مناسبة من الاستقرار.

علاوة على ذلك، فإن التنمية الاقتصادية تتيح فرصًا كبيرة لقيام العديد من الهيئات الاجتماعية التطوعية المستقلة «مؤسسات المجتمع المدني» والتي لا تكتفي فقط في بعض الأحيان بممارسة دور رقابي غير رسمي على أداء الحكومة، بل تشجع على قيام مشاركة سياسية، وتعمل جاهدة على إيجاد رأي عام يتمتع بدرجة مناسبة من الوعي والمهارات السياسية اللازمة لقيام نظام حكم ديمقراطي.

كثيرة هي الدراسات التي تناولت العلاقة الجدلية بين التنمية الاقتصادية والديمقراطية، ومن بينها دراسة للأكاديمية د. منى طواهرية، وهي باحثة من الجزائر، تعتبر أن هذه العلاقة من أهم المسائل الحاضرة في جدول أعمال دول العالم المتقدمة منها والنامية التي تطمح إلى تحقيق هاتين القيمتين كأساس للاستقرار السياسي والاقتصادي. وقد طرحت علاقة التنمية الاقتصادية بالديمقراطية إشكالات عميقة تمحورت أساسًا حول مدى تأثير المتغيرات الاقتصادية في تحقيق الديمقراطية كهدف نهائي لكل عملية تحديث وتنمية سياسية من جهة، وفي المقابل حول مدى تأثير طبيعة النظام السياسي في تحقيق التنمية الاقتصادية من جهة أخرى، ما أدى إلى طرح تساؤلات حول أولوية الديمقراطية على التنمية أم العكس، بمعنى هل الديمقراطية هي التي تؤدي إلى التنمية الاقتصادية أم تبني نموذج اقتصادي ناجح سبيل لتحقيق الديمقراطية؟ وهي قضية لم تحسم بعد خاصة على الصعيد الأكاديمي. وتذكر الدراسة أن ثمة إشكالية تتمثل في أن جدلية العلاقة بين التنمية والديمقراطية تبقى قضية غير محسومة على الصعيدين الفكري والأكاديمي، فلا يوجد على المستوى النظري والأكاديمي ما يؤسس أو يدعم وجهة نظر مقابل أخرى، فكل الأطروحات التي تناولت هذه العلاقة، سواء تلك المتعلقة بأولوية التنمية على الديمقراطية، لها حججها لتدعيم ما وصلت إليه في أن التنمية الاقتصادية تمثل الركيزة الأساسية والأرضية الصلبة لإقامة نظام ديمقراطي، في حين وفي الاتجاه الآخر نجد رواد أولوية الديمقراطية على التنمية يؤكدون وبثقة على أن الديمقراطية شرط مسبق وأساسي لتحقيق تنمية اقتصادية فعَّالة، كما ويصرون على نشر الديمقراطية بالنظر إليها كقيمة بحد ذاتها تربطها مفاهيم الحرية التي يدعمها الحكم الرشيد. ومنه تظهر العلاقة القوية بين المفهومين، حيث إن الاقتصاد القوي يوجد استقرارًا سياسيًا واجتماعيًا، في حين أن الاقتصاد الضعيف قد يولّد مشكلات كثيرة كما أن السياسة الرشيدة والحكيمة تطلق اقتصادًا قويًا ومناخًا مناسبًا لنمو اقتصادي ينعم بخيراته المجتمع، وهو ما يؤكد تكاملية العلاقة بين التنمية الاقتصادية والديمقراطية على حد سواء.

هناك من النتائج التي ينبغي الإشارة إليها وهي، أن علاقة التنمية بالديمقراطية ما هي إلا انعكاس للترابط بين الواقع الاقتصادي والمستوى المعيشي للبلدان وطلب النظام السياسي، ولكن هذا لا يعني أن معاني التنمية والديمقراطية تحمل بعدًا عالميًا ففي مسألة تطبيق هذين المعطيين لا بد من مراعاة خصوصية كل مجتمع. وكذلك أن القيم المحركة لكل من الديمقراطية والتنمية هي قيم عالمية في مظهرها لكن معانيها ترتبط بخصوصية كل مجتمع وما تحكم من معطيات اجتماعية، دينية، ثقافية، وحضارية وهي التي تحدّد مضامين وتطبيقات كل مفهوم. والأمر الآخر تعد التنمية الاقتصادية قرار دولة فإذا ما تحلَّت نخبها الحاكمة بالإرادة السياسية الجادة بغض النظر عن طبيعة النظام فإن هذا سيسهم دون شك في بناء نظام اقتصادي وسياسي نموذجي قائم على خصوصية ومعطيات كل دولة، وإلى جانب ذلك، تمثل الديمقراطية والحكم الصالح ضلعين من أضلاع المثلث الذي يدفع المجتمع إلى التقدم، أما الضلع الثالث فهو التنمية الاقتصادية التي تأتي من سياق الحكم الديمقراطي الصالح الذي يمثل مناخًا للاستثمار ويساعد المجتمع على تحديد السياسات التي تعزز التنمية العادلة؛ وذلك لأن مفتاح البناء الناجح للديمقراطيات والإصلاحات الاقتصادية هو الحكم الديمقراطي الصالح الذي يشمل التقاليد والمؤسسات التي تحدد كيفية صنع القرار.

وخلاصة القول: إن التنمية ليست مجرد تحقيق الرفاه المادي، بل هي أيضًا تحرير للإنسان وتمكين له، فلا قيمة لتقدم اقتصادي ما لم يتلازم مع منظومة كاملة من الحقوق والواجبات.



#فهد_المضحكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محمود أمين العالم: الفكر غير مستقل عن واقعه المعيش وغير سابق ...
- قسطنطين كفافيس.. أهم شعراء اليونان في القرن العشرين
- كتاب «من الحق الإلهي إلى العقد الاجتماعي»
- تركيا والاتحاد الأوروبي
- حافظ محمود.. فارس الصحافة المصرية
- الفساد في أوكرانيا يمتد إلى داخل منظومة الحكم
- الدين يجب أن يكون بعيدًا عن الصراعات السياسية
- العرب وتحديات ما بعد الاستقلال
- والت ويتمان.. أهم شعراء الأدب الأمريكي في العصر الحديث
- علماء المناخ يحذرون: العالم قد يشهد عواقب أكثر كارثية
- حديث عن الشباب والثقافة (2)
- حديث عن الشباب والثقافة
- كتاب «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا»
- الاتحاد الأوروبي بين التعديلات الداخلية والضغوط الخارجية
- تحذيرات أممية من أزمة جوع عالمية
- ترجّل الشاعر... وبقيت المواويل
- كتاب «التنمية حرية»
- مراكز الأبحاث والفكر العربي
- شيخ النقّاد شكري عياد (2)
- عن الإمبراطورية الأمريكية


المزيد.....




- -البوابة الحديدية-.. الجيش الأمريكي يشكل قوة مهام لمنع إيران ...
- السيسي يعقد اجتماعا طارئا مع قيادات عسكرية
- وسط انتقادات ومقاطعة .. نجل شاه إيران السابق يتسلم جائزة الح ...
- بعيداً عن ترامب.. جي دي فانس يشق طريقه لخوض سباق انتخابات 20 ...
- التضامن تحذر من صفحات مزيفة تروج لمعلومات مغلوطة عن برنامج “ ...
- وزيرة الإسكان تلتقي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ وعواقل وشيوخ ...
- محافظ القليوبية يوجه بتعميم آليات جديدة لتطوير الأداء بالوحد ...
- التضامن :  فريق التدخل السريع بالإسكندرية يُعيد شاباً من ذوي ...
- لماذا تستهدف بلاغات بوجود قنابل الحركة الجوية في أوروبا؟
- ما دلالات تعيين ترامب لستيفن ميلر مديرا لمكتبه في البيت الأب ...


المزيد.....

- كراسات التحالف الشعبي الاشتراكي (11) التعليم بين مطرقة التسل ... / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي
- ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان / سيد صديق
- تساؤلات حول فلسفة العلم و دوره في ثورة الوعي - السودان أنموذ ... / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- المثقف العضوي و الثورة / عبد الله ميرغني محمد أحمد
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمري
- العوامل المباشرة لهزيمة مصر في 1967 / عادل العمري
- المراكز التجارية، الثقافة الاستهلاكية وإعادة صياغة الفضاء ال ... / منى أباظة
- لماذا لم تسقط بعد؟ مراجعة لدروس الثورة السودانية / مزن النّيل
- عن أصول الوضع الراهن وآفاق الحراك الثوري في مصر / مجموعة النداء بالتغيير
- قرار رفع أسعار الكهرباء في مصر ( 2 ) ابحث عن الديون وشروط ال ... / إلهامي الميرغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - فهد المضحكي - حول الديمقراطية والتنمية