أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - فهد المضحكي - كتاب «التنمية حرية»















المزيد.....

كتاب «التنمية حرية»


فهد المضحكي

الحوار المتمدن-العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 18:47
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


يمثل هذا الكتاب إحدى الرؤي الإبداعية للعالم الثالث إزاء قضية التطوير الحضاري التي يختزلها الساسة والاقتصاديون في عبارة - مسألة واحدة هي التنمية الاقتصادية، وفي مظهر ومعيار اقتصادي واحد هو الدخل أو إجمالي الناتج القومي، ومعدلات الإنفاق دون كل جوانب الحياة الأخرى النوعية، ودون الحرية بمعناها الواسع، أو أدوات وقدرات الحرية، من تعليم، ورعاية صحية، وحق التعبير، والحصول على المعلومات، وفرص اختيار الحياة... إلخ، والنتيجة إخفاق تلو إخفاق وعجز عن المنافسة...

جاء ذلك في مقدمة مترجِم الكتاب، شوقي جلال (1931-2023)، أحد أبرز رواد الترجمة العلمية في العالم العربي. والكتاب صدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت عام 2004.

ولعله من الأهمية بمكان أن نتوقف عند أهم القضايا التي ذكرها المترجِم جلال أو بالأحرى التي سلط الضوء عليها وهي: يعتبر الكتاب حَصاد وثمرة تجربة عُمر جذورها وامتدادها في العالم الثالث، بلاد الأطراف، مع تفاعل خصب إبداعي بفكرة علوم حضارة العصر في بلدان المركز، ولكن ليصوغ المؤلف في النهاية رؤية وإطارًا مفاهيميًا إرشاديًا لتشخيص وتوجيه الجهود الصادقة لحل مشكلات بدت مزمنة، وتضاف هذه الرؤية إلى رؤى أخرى تنمي إلى العالم الثالث؛ مثل رؤية هرناندو دي سوتو في أمريكا الجنوبية وغيره.

مؤلف الكتاب الفيلسوف والاقتصادي الهندي أمارتيا صن، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 1998، وهو من مواليد البنغال عام 1933، عاش وعايش حياة الهند ومشكلاتها وهو على أرضها، ولم يغفل عنها وهو خارجها، ولهذا فإن النهج المتبع هو ثمرة حياة الهند: الصراع الطائفي- والصراع الطبقي-، الثقافات الأجف، الحرمان من الحريات، التمييز الاجتماعي بين الجنسين، رواسب الحقبة الاستعمارية، والحرمان من أملٍ في هند موحدة متقدمة تملك الإمكانات، والحرمان من فهم علمي عقلاني للقضايا ولرواسب التاريخ ولصراعات وتناقضات العصر مما تمثل في سياسات قاصرة، والفهم ضيق الأفق لمعنى الهوية، والصراعات المزمنة على أساس هذا الفهم الخاطئ أو صراع طواحين الهواء باسم المُقدس، ومن ثم حرمان من حياة القدرة على البناء والتقدم والرخاء... وإن افتقاد الحرية؛ أي افتقاد القدرات والفرص هو العقبة الأولى التي تعيق مسيرتها على الطريق شأن بلدان العالم الثالث، وإن اختلفت الدرجات.

ويوضح أمارتيا صن أن افتقاد الحرية الاقتصادية يرَعي ويغذي فقدان الحرية الاجتماعية، تمامًا مثلما أن افتقاد الحرية الاجتماعية أو السياسية للرجل والمرأة على السواء يمكن أن يُرسَّخ فقدان الحرية الاقتصادية.

وتتجلى أهمية التنمية - التطوير أكثر وأكثر في ضوء عصر حضارة المعلومات ومجتمع المعرفة، ذلك أن هذا المجتمع ينبني تأسيسًا على بِنًى تحتية لها شروط عصرها: مؤسسات، سياسات، تنظيمات مدنية، شبكات اتصالات، بحوث وتطوير، تمكين بشري للمرأة والرجل... إلخ، وتجليات هذا كله في العلاقات الاجتماعية بين نخبةٍ وعامة، حاكم ومحكوم، ذكر وأنثى، مؤسسات علمية وتعليمية، ورعاية صحية وفعالية سياسية.. إلخ.

ويقر الكاتب أن التنمية - التطوير عملية تطول إدارة الأسواق والإدارات الحكومية والعلاقات بين الحاكم والمحكوم، والمؤسسات التشريعية، والأحزاب السياسية، والمنظمات غير الحكومية، والمؤسسات القضائية، والمؤسسات الإعلامية والتعليمية، والمجتمع كله بعامة... ويتحقق اسهامًا من خلال تأثيراتها على دعم وتعزيز القدع- الحريات الفردية للإنسان طفلًا وامرأة ورجلًا...

والحرية في كل هذا هي المحور. إن تنمية رأس المال البشري، تنمية قدرات الإنسان/ المجتمع لا تأتي قسرًا، ولا تتحقق أبدًا في مناخ استبدادي أو بناء على قرار سلطوي، الحرية آلية تطوير حضاري، وهي في الآن نفسه ثمرة متطورة النضج لهذا التطوير... سقطت منذ زمن أسطورة المستبد العادل... وإنما العدل الاجتماعي- التطوير يأتي في إطار الحرية شرطًا... الحرية تحرير الإنسان من ربقة الجهل والمرض، والحرية حرية فرص وممارسة القدرة من أجل المشاركة الإيجابية الواعية المسؤولة.

ويفضّل أمارتيا صن استخدام عبارة رأس مال القدرة البشرية بدلًا من رأس المال البشري كهدفٍ وأساسٍ للتنمية - التطوير، ذلك أن الدراسات عن رأس المال البشري تنزع التركيز على فعالية البشر كأدواتٍ في زيادة إمكانات الإنتاج،.. الإنسان هنا أداة ووسيلة إنتاج، ولكن منظور رأس مال القدرة البشرية يضع في بؤرة الاهتمام قدرة- الحرية - الموضوعية - الناس على بناء حياة لديهم أسباب عقلانية للنظر إليها كشيءٍ قَيِّم، وعلى تعزيز خياراتهم الحقيقية، وكفالة مقومات هذه القدرة وتطويرها... وهنا الإنتاج وسيلة لهدف هو حرية ورفاهية الإنسان... الإنسان بمواصفات حضارية جديدة هو الهدف والغاية، والاختلاف بين منظورين هو في أداة قياس التقدير.

الهدف والمعيار من التنمية - التطوير هو توسيع فرص ونطاق الاختيار تأسيسًا على حق في المعرفة وفي التعليم... إلخ، أي الزيادة في نطاق البدائل الفعالة المعروضة والمطروحة صراحة على الناس ذوي القدرة التعليمية، الصحيحة والفكرية والاقتصادية والاستقلالية في الرأي وفي المشاركة الإيجابية للرجل والمرأة... وبهذا تتوفر شروط المواطنة في إطار دينامي مُتطور نابع من تفاعل الفكر والعمل الاجتماعيين.

وهذه التنمية- التطوير هو زيادة «نطاق الخيار الإنساني» وتهيئة أسباب سيطرة الإنسان على بيئته ومقدراته لبناء حاضره ومستقبله من واقع الشعور بالمسؤولية الإيجابية الحرة... مسئولية الانتماء الاجتماعي... ومن ثم يغدو المجتمع على طريق ٍ مُمتد يفضي إلى اطراد المزيد من الحريات والقدرة على المنافسة في عالم يحكمه منطق الصراع.

وكما قال مترجِم الكتاب من قبل، إن جوهر أزمة مجتمعات العالم الثالث، ونحن منها، أنها لا تبني وجودها الذاتي الحياتي - المعيش الفكري عند مستوى مقتضيات حضارة العصر من قيمٍ وإمكانات وقدرات (علوم وتقانة) وحريات.. بل لا تزال امتدادًا - من بين أمور أخرى كثيرة - للقديم من حيث فضائل الحياة، والحِكَم التي استحالت رذائل، بل أخطارًا.

لقد عمد الكاتب أن يقرن كلمة التنمية بكلمة التطوير، لأن الشائع عندنا في العربية ترجمة Development بمعنى التنمية، وهذه، بحسب رأيه، ترجمة مُضللة للمشروع الوجودي ولواجباتنا وتشخيصنا للهدف، ويرى الترجمة الصحيحة: تطوير الدلالة الوظيفية الملائمة في سياق حياة وواقع عالمنا العربي والعالم الثالث بعامة... ذلك لأن التنمية زيادة كمية على المستوى الأفقي، وتختزلها في زيادة الدخل وإجمالي الناتج المحلي، مع بقاء الحال على ما هو عليه من حيث المستوى الحضاري، هذا بينما التطوير زيادة كيفية على المستوى الرأسي، انتقال كيفي إلى مرحلة حضارية جديدة شاملة الإنتاج والإنسان ومقدراته وفرص حياته ومشاركته الإيجابية على مستوى مغاير لمرحلة سابقة... وهكذا يتحدد هدف مغاير... هدف مشروع وجودي تطويري في سباق أو صراع حضاري... علمي وتقاني، ومن ثم، ليس المطلوب زيادة رقمية للإنتاج القومي أو للدخل الفردي فحسب، بل بناء أساس مادي علمي تقاني جديد قرين فكر وثقافة جديدين، وصوغ عقل جديد لإنسان/ مجتمع جديد... التطوير عملية توسيع في الحريات والقدرات الموضوعية للناس، في التعليم وفي الصحة وفي السياسة وفي الاقتصاد، وفي البحوث العلمية... إلخ، وبذا تكون، كما يقول، أمارتيا صن عاملًا فعالًا وسببًا لتوليد تغيير سريع في بناء إنسان جديد يتمتع بالرفاه والحرية معًا... وتتنوع وتتنافس ابتكارات المجتمعات على طريق الوصول إلى هدف واحد على الصعيد الحضاري، متنوع على صعيد آليات وأساليب ومحتوى التنفيذ والإنجاز.

مرة أخرى، يناقش هذا الكتاب، وفق ملخص مؤسسة هنداوي التي صدر عنها هذا الكتاب في عام 2024، السبل الناجعة واللازمة لتحقيق تنمية حقيقية لا تجعل الدخل والثروة هدفًا في ذاته، بقدر ما هو وسيلة لخلقٍ مجتمع ٍ أكثر نضجًا وكمالًا، يمارس أرادته الخاصة ويتفاعل مع العالم.

وبهذا جعل الكتاب من الحرية معيارًا رئيسًا لهذه التنمية وهدفًا في الوقت نفسه، وذلك من خلال ربط الحرية بمستوى الدخل، ومعدلات الوفيات، وفُرص البقاء، والرعاية الصحية، والأمن الاقتصادي، وغيرها من أوجه التنمية، ليبرهن على الصلة الوثيقة بين الحرية والتنمية، فكلما زادت مساحة الحرية، زادت معدلات الإنتاجية التي تعود على المجتمع بمزيد من الحرية والاستقلالية والكفاءة. يبدأ الكتاب بحرية الأفراد باعتبارها لبنة البناء الأساسية، ثم يستكمل كافة صور الحرية، ليؤكد على أن التنمية عملية توسيع لحريات الناس وقدراتهم.



#فهد_المضحكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مراكز الأبحاث والفكر العربي
- شيخ النقّاد شكري عياد (2)
- عن الإمبراطورية الأمريكية
- محمد التابعي.. أسطورة الصحافة المصرية
- باحث أمريكي: مع تآكل الثقة يجيء انخفاض درجة الاندماج في المج ...
- سباق واشنطن وبكين على معادن أفريقيا
- شيخ النقّاد والتحرر من السياسة
- «الدولة المدنية» مصطلح سياسي مستحدث
- سياسات تهدّد التفوق العلمي
- وفاة الروائية السورية كوليت خوري.. أيقونة الأدب والحرية
- الصين ودبلوماسية التوازن
- أوروبا وسرقة أملاك وأصول الدول الأخرى
- الإصلاح الديني من منظور الباحث الأكاديمي هاشم صالح
- إثيوبيا الشريك الاستراتيجي الأهم لإسرائيل في أفريقيا
- منيرة ثابت.. أول صحافية نقابية في مصر
- من سيدافع عن أوروبا؟
- لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرّة مختلفة بالنسبة لإيران؟
- لبنان والتعددية
- غفور غلام.. الأديب الذي لعب دورًا كبيرًا في تطوير الأدب الأو ...
- باتريس لومومبا إضاءة في تاريخ أفريقيا


المزيد.....




- لماذا هدد ترمب مسقط؟.. -المخبر الاقتصادي- يقرأ خفايا رسوم مض ...
- الملك تشارلز وضرائبه: إعلان يكشف أرقاما محدودة ويثير تساؤلات ...
- موجة الحر تعصف بقطاعات اقتصادية أوروبية وتنعش أخرى
- العراق يقترب من تحقيق الاكتفاء الذاتي بعد شراء 4.1 مليون طن ...
- بلومبرغ: ارتفاع أسعار -آيباد- و-إكس بوكس- يكشف عمق أزمة إنتا ...
- كاتبة إماراتية: شاركت مع المصريين في فرحة تأهل منتخبهم.. وفر ...
- سيدة تركية ترمي بالخطأ كيلوغراماً من الذهب في حاوية القمامة ...
- صندوق النقد: -أثر الثروة- من الذكاء الاصطناعي قد يرفع مخاطر ...
- واشنطن وسيئول وطوكيو تبحث ملف كوريا الشمالية النووي وعملاتها ...
- إقبال على شراء الذهب مع استمرار ارتفاع الأسعار في العراق


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - فهد المضحكي - كتاب «التنمية حرية»